د. محمد كرواوي الأحد 1 مارس 2026 - 3:05 من يغامر بأمن الخليج العربي؟ ليس هذا السؤال قضية عابرة تطلق في فضاء سياسي مضطرب، بل هو تشريح لواقع دموي انفجر اليوم، ليضع أمن الخليج العربي أمام الاختبار الأصعب في تاريخه الحديث. إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل المرشد الأعلى الإيراني لم يكن خبرا أمنيا عاديا، بل كان نقطة تحول تفتح أبواب المنطقة على احتمالات غير مسبوقة. والإجابة عن سؤال من يغامر بأمن الخليج لا يمكن أن تكون اتهاما لطرف واحد، لأن الواقع يكشف عن تقاطع مغامرات كبرى جعلت من الخليج مسرحا مباشرا لصراع الإرادات. إيران تبدو في واجهة المشهد بوصفها المغامر الأول، لكنها لم تعد تتحرك بمنطق حرب الوكلاء كما كان الأمر طوال سنوات، بل انتقلت إلى ما يشبه حرب الوجود. النظام هناك لا يختزل في شخص المرشد، بل يقوم على شبكة مصالح معقدة، عقائدية وعسكرية ومالية، يمسك الحرس الثوري بخيوطها الأساسية. وحين يهتز رأس الهرم، لا يكون الرد دفاعا سياسيا تقليديا، بل توظيفا لأوراق الألم القصوى. أمن الخليج، منشآته النفطية، موانئه، وممراته البحرية، تتحول في هذه الحسابات إلى رهينة تفاوض. وتغدو إستراتيجية الأرض المحروقة خيارا مطروحا، على أساس أن شل الملاحة الدولية وتهديد إمدادات الطاقة قد يدفع المجتمع الدولي إلى الضغط لوقف التصعيد، خشية انهيار أسواق الطاقة وما يستتبعه من فوضى اقتصادية عالمية. غير أن واشنطن بدورها دخلت مغامرة استراتيجية كبرى. إدارة ترامب اختارت منطق الحسم الجراحي، وافترضت أن تصفية القيادة العليا ستفضي إلى شلل في القرار أو إلى تصدع داخلي ينقلب فيه النظام على ذاته. هذه المقامرة قامت على قراءة تعتبر أن مركزية المرشد هي عقدة النظام، وأن سقوطها كفيل بتفكيك البنية. لكن الواقع الميداني أظهر أن الرهان لم يكن محسوبا بالكامل. فبدلا من الانهيار السريع، برزت إيران كقوة جريحة تتحرك بلا قيود سياسية واضحة، وتوجه رسائلها الصاروخية والمسيرة نحو قواعد أمريكية ومدن خليجية، في مشهد يضع الحلفاء في قلب النار، ويجعل أمن الخليج ثمنا مباشرا لسياسة الحسم بالقوة الخشنة. وفي خلفية الصورة، تقف إسرائيل باعتبارها لاعبا يرى في اللحظة فرصة تاريخية لتصفية حسابه مع البرنامج النووي الإيراني. الحساب الإسرائيلي يقوم على نقل المعركة إلى الجبهة الشرقية، وافتراض أن انشغال طهران بالدفاع عن بقائها سيتيح ضرب قدراتها الإستراتيجية. غير أن هذا الرهان يفترض ضمنيا أن الرد الإيراني سيركز على الخاصرة الأقرب جغرافيا، وهي دول الخليج. وهكذا يجد الخليج نفسه بين إرادة إيرانية مستعدة لإحراق المنطقة ضمانا لبقاء نظامها، وإرادة أمريكية راهنت على تغيير موازين القوى عبر الضربة القاصمة، وإرادة إسرائيلية تبحث عن أمن مطلق حتى لو عبر فوضى إقليمية عارمة. وفي خضم هذا التصعيد المتسارع، لم يقف المغرب موقف المتفرج على اشتعال رقعة تمس عمقه الإستراتيجي. فقد أعلن الديوان الملكي إدانة المملكة الصريحة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج، وأجرى الملك محمد السادس اتصالات مباشرة بقادة هذه الدول للتأكيد على التضامن الكامل معها. لم يكن ذلك تعبيرا دبلوماسيا عابرا، بل تثبيتا لمبدأ راسخ في السياسة المغربية، مفاده أن أمن واستقرار الخليج جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المغرب. هذا الموقف يعكس قراءة واضحة لترابط المجال العربي ووحدة مصيره، حيث إن أي تهديد يطال الممرات الحيوية والطاقة والاستقرار في الخليج، يرتد أثره على التوازنات الإقليمية والاقتصادية التي تمس المغرب بصورة مباشرة. وهكذا يحدد المغرب موقعه خارج منطق المغامرة، وداخل منطق حماية الاستقرار الإقليمي في لحظة تختلط فيها حسابات القوة باحتمالات الانفجار. في هذا السياق، تتعدد السيناريوهات وتتجاوز حدود الحروب التقليدية. السيناريو الأكثر خطورة هو ما يمكن تسميته بالانتحار الإستراتيجي، حين تقرر النخبة العسكرية في طهران أن بقاءها مرتبط بإغلاق مضيق هرمز فعليا، ونشر الألغام والمسيرات، ورفع أسعار النفط إلى مستويات صادمة تخلق ضغطا شعبيا داخل الولاياتالمتحدة نفسها. هنا يصبح سلاح الطاقة أداة مساومة كبرى، ويغدو الاقتصاد العالمي ساحة ضغط متبادل. السيناريو الثاني يتمثل في تفكك القيادة المركزية وتحول حرب الوكلاء إلى حرب عنقودية بلا مركز قرار واضح. إذ قد تجد الأذرع الإقليمية نفسها تتحرك باستقلالية نسبية، فتشن هجمات متفرقة على منشآت حيوية في الخليج، بما يصعب مهمة الدفاعات الجوية ويحول المنطقة إلى حالة استنزاف دائم، تضرب الاستثمارات ورؤى التنمية، وتبقي التهديد قائما دون سقف واضح. أما السيناريو الثالث فيرتبط بتحول داخلي داخل إيران نحو قبضة عسكرية صريحة تتراجع فيها المرجعية الدينية لصالح خطاب قومي يحمي مصالح الجنرالات الاقتصادية. في هذا المسار قد تنفتح قنوات تفاوض تحت النار، تفضي إلى صفقة تبقي النخبة العسكرية في موقعها مقابل تقليص نفوذ إقليمي هنا أو هناك، لكن بثمن إستراتيجي يترك الخليج في حالة قلق مزمن، لا حرب شاملة ولا سلام مستقر. وعلى المستوى الاقتصادي، ظهرت التداعيات منذ اللحظة الأولى. قفزت أسعار النفط بصورة حادة، وتجاوزت التوقعات مستويات قياسية مع كل تهديد بإغلاق مضيق هرمز. المسألة لا تتعلق فقط بنقص إمدادات، بل بحالة ذعر في الأسواق تخشى شللا طاقيا كاملا. شركات التأمين البحري رفعت أقساط المخاطر إلى حدود تعجيزية، وتباطأت حركة الشحن في الخليج وبحر العرب، ما يشي بتهديد سلاسل الإمداد العالمية من آسيا إلى أوروبا. في أسواق المال، سادت موجات بيع مذعورة، واتجه المستثمرون إلى الذهب، بينما وجدت دول الخليج نفسها مطالبة بحماية مكتسباتها التنموية وسط بيئة إقليمية مضطربة. الصورة النهائية التي يرتسم عليها المشهد تقول إن أمن الخليج لم يعد شأنا محليا أو إقليميا فحسب، بل صار عقدة توازن دولي. المغامرة لم تعد حكرا على طرف واحد، بل هي نتاج تقاطع ثلاث إستراتيجيات كبرى، لكل منها حسابه الخاص، لكنها تلتقي جميعا عند نقطة واحدة: أن الخليج هو الممر الحساس للاقتصاد العالمي، وأن أي اهتزاز فيه لا يبقى محصورا في جغرافيته، بل يمتد أثره إلى كل بيت في هذا العالم. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة