محمد النحيلي الثلاثاء 10 مارس 2026 - 1:41 الحرب على إيران.. قراءة في موقف الرأي العام المغربي مما لا ريب فيه أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تعد من أبرز الصراعات المسلحة التي يشهدها العالم منذ انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي. وهو أمر يجعل السلم العالمي، بما في ذلك منظومة القانون الدولي، على المحك، نظرا لتداخل مصالح عدة دول في هذا الصراع، نخص بالذكر روسيا والصين، اللتين تنظران إلى هذا المجال بوصفه ساحة لتوسيع نفوذهما الجيوسياسي في مواجهة تعاظم النفوذ الأمريكي فيه. بالنسبة للولايات المتحدةالأمريكية، يرجع قرار الهجوم على إيران إلى ما تعتبره تهديدا عالميا تسعى طهران إلى تصديره من خلال رغبتها في امتلاك السلاح النووي وتطوير برنامجها الصاروخي. وهي الرغبة نفسها تصطدم بالرؤية الإسرائيلية التي تسعى إلى القضاء على كل تهديد محتمل لأمنها القومي، بما يمكنها من تبوأ موقع أكثر تقدما في الشرق الأوسط الجديد على المستوى الجيوسياسي. وفي أعقاب الإعلان عن هذا الهجوم، شهد الفضاء العمومي المغربي، خصوصا المجال الإعلامي والرقمي، حالة من التفاعل المكثف عكست توجه المتفاعلين نحو بناء مواقفهم إزاء الحدث، وهو ما ظهر بوضوح خلال الساعات الأولى التي تلت صدور الإعلان. إذن، ما موقف المغاربة من هذه الحرب؟ انطلاقا من زاوية تأملنا، وباستحضارنا لجملة من السياقات و العوامل المتداخلة والمؤثرة، أمكن حصرالاتجاهات العامة لهذا الموقف في اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأول: موقف الأحزاب والحركات الإسلامية واليسارية تتقاطع مواقف الأحزاب والحركات ذات المرجعيات الإسلامية واليسارية في المغرب، إلى حد بعيد، إزاء عدد من القضايا الجيوسياسية المرتبطة بالشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ففي هذا السياق، اتجه حزب العدالة والتنمية إلى تبني موقف توفيقي في بلاغه الأخير، حيث أدان الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في الوقت نفسه عبر عن إدانته للهجمات التي نسبت إلى إيران ضد بعض الدول العربية. ويمكن فهم هذا الموقف في إطار المقاربة الإلتوائية التي دأب الحزب على اعتمادها في التعاطي مع عدد من القضايا الحساسة، ومن أبرزها قضية التطبيع. في حين، عبرت بعض الحركات الإسلامية الأخرى عن تضامن أكثر وضوحا مع إيران، ومن بينها جماعة العدل والإحسان، التي أعلنت موقفا أقرب إلى الإدانة الصريحة للهجوم. كما عبرت الأحزاب اليسارية (حزب التقدم والاشتراكية ، الاشتراكي الموحد..) عن مواقف مشابهة و متقاربة، سواء عبر بيانات سياسية أو من خلال الدعوة إلى أشكال احتجاجية في الفضاء العام، وهو موقف يرتبط في جانب منه بالمرجعية التاريخية لليسار التي تميل إلى مناهضة ما تعتبره سياسات الهيمنة الغربية في العلاقات الدولية. الاتجاه الثان : موقف الحركات الحداثية والأحزاب الليبرالية من خلال تتبعنا لمواقف الفاعلين المنتمين إلى التيار الحداثي والليبرالي في المغرب، ومن بينهم فاعلون في بعض الحركات الأمازيغية وأطراف سياسية ارتبطت تاريخيا بأحزاب الإدارة، يتضح أنهم يتبنون مقاربة مختلفة عن قراءة الاتجاه الأول. تتمحور هذه المقاربة بالأساس حول ما يعتبرونه أولوية المصالح الوطنية المغربية في تقييم القضايا الدولية، وهو ما اختزل رمزيا في الشعار الذي طرح خلال حرب غزة: "تازة قبل غزة". يستند هذا التصور إلى مجموعة من الاعتبارات المرتبطة بتعقيدات العلاقات الدبلوماسية والاستراتيجية للمغرب، أهمها قرار المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران سنة 2018، عقب اتهامات وجهتها الرباط إلى طهران بدعم جبهة البوليساريو عبر حزب الله وبوساطة الجزائر. وبالتالي ينظر هذا الاتجاه إلى إيران بكونها مصدر تهديد لمصالح المغرب. كما يربط المدافعين عن هذا الموقف قراءتهم للصراع بطبيعة العلاقات التي تجمع المغرب بإسرائيل، سواء من خلال الروابط التاريخية مع الجالية اليهودية ذات الأصول المغربية المقيمة هناك، أو عبر استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 2021. ثم بقدم وقوة العلاقات المغربية الأمريكية التي توجت بالاعتراف بمغربية الصحراء . وبين هذا وذاك، تجدر الإشارة إلى وجود مواقف أخرى يمكن تصنيفها في خانة اللامنتمين، وهم متفاعلون لا يندرجون ضمن أي من الموقفين الرئيسيين المتقابلين. حيث يظل حضورهم في الغالب، لا يشكل قوة مؤثرة في موازين النقاش العمومي، نظرا لضعف انخراطهم في الفعل السياسي والمجتمعي وغيابهم النسبي عن دوائر التأثير قولا وفعلا. وأخيرا، إذا ما حاولنا مقاربة الموقفين من مسافة تحليلية تسمح بقدر من الموضوعية، يتبين أن كليهما يستند، بدرجات متفاوتة، إلى خلفيات إيديولوجية وسياسية، فضلا عن ارتباطهما باعتبارات المصالح والتحالفات. غير أن القراءة المتأنية لمآلات مثل هذه الصراعات تدعو في نهاية المطاف، إلى التأكيد على أهمية تغليب منطق الحكمة والتعقل ونبذ مظاهر الانقسام والحروب، بالنظر إلى أن تبعاتها الإنسانية غالبا ما تقع على عاتق الفئات الشعبية، في حين تتقاطع نتائجها مع حسابات الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. لذلك، وفي ظل غياب جهاز دولي فعال يقوم مقام شرطة دولية قادرة على فرض القانون الدولي، يبدو أن العالم ما يزال في حاجة إلى قيادات دولية أكثر حكمة وتعقل، تتخذ مواقف حازمة للحد من الحروب وصون حق الشعوب في الحياة. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة