محمد الزلاوي السبت 25 أبريل 2026 - 14:48 الحلف الأطلسي.. الانهيار الصامت ربيع 2026. مشهد غير مسبوق في مياه الخليج العربي: أمريكا تخوض حرباً مفتوحة ضد إيران، شبه وحدها، من دون حلفائها التقليديين. ليس مجرد خلاف تكتيكي بين شركاء. بل كاشف لشرخ هائل داخل حلف الأطلسي، ذلك الحلف الذي تأسس سنة 1949 لضمان أمن الغرب الجماعي. الناتو يرفض التدخل. السفن الأوروبية راسية في الموانئ. وحاملات الطائرات الأمريكية تتراجع أمام الصواريخ الإيرانية. على عكس التدخلات في أفغانستان (2001) وليبيا (2011)، حيث تحرك الناتو، كشفت حرب إيران 2026 عن شلل غير مسبوق. لم يقبل أي حليف أوروبي بالمشاركة، ولا حتى بدعم لوجستي. ألمانيا رفضت. فرنسا اشترطت تفويضاً أممياً. بريطانيا، رغم تحالفها التاريخي مع واشنطن، ابتعدت. ولأول مرة منذ إنشاء الحلف، حرب أمريكية كبرى تجري من دون أي تضامن عملياتي. هذا الفراغ ليس صدفة، بل نتاج تفكك بطيء ظهرت بوادره منذ سنوات. عملية عسكريةغيّرت كل شيء 28 فبراير 2026، الساعة 2:30 فجراً (بتوقيت واشنطن). ترامب يعلن عبر «تروث سوشيال» انطلاق عملية «Epic Fury» — أو «Roaring Lion» إسرائيلياً — وهي حملة قصف جوي أمريكية إسرائيلية تستهدف عدة مدن إيرانية. النتائج مدوية خلال ساعات: مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة إسرائيلية على مجمعه في طهران، ومعه عدد من كبار المسؤولين. حجم استهداف القادة لا مثيل له في التاريخ الحديث. الرد الإيراني كان فوري وعنيف، عملية «الوعد الصادق 4». مئات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية تتجه نحو إسرائيل والقواعد الأمريكية في الأردن، الكويت، البحرين، قطر، العراق، السعودية، الإمارات. قواعد عسكرية تستهدف. والأهم: إغلاق مضيق هرمز، وقفزة فورية في أسعار النفط عالمياً. ويلكرسون: "الناتو مات" العقيد لورنس ويلكرسون — رئيس أركان كولن باول سابقاً — كان قد شخص الأمر بلا رحمة. قبل الضربات الأولى بوقت طويل، في مقابلة مع «Democracy Now!» في 10 مارس 2026، يقول: «أعتقد أن الناتو مات. قد يستغرق الأمر شهوراً أو سنوات حتى يعترف الجميع رسمياً — لكنه مات.» بالنسبة له، ليس حدثاً واحداً، بل ذروة عملية طويلة. الناتو، الذي صمم لمواجهة الاتحاد السوفيتي، لم يعرف كيف يعيد اختراع نفسه بعد الحرب الباردة. واتسعت «فجوة الذاكرة»: جيل قادة الحرب الباردة رحل، تاركاً سياسيين يبحرون بلا خريطة في عالم متعدد الأقطاب لا يفهمونه. ويلكرسون يشير أيضاً إلى أن الانسحاب الرسمي لأمريكا من الناتو ليس ضرورياً لتفريغ الحلف من مضمونه. فالانسحاب العملي يحدث الآن — تخفيض القوات في أوروبا، تجميد مناورات مشتركة، تقييد تبادل الاستخبارات. أوروبا ترفض: قطيعة غير مسبوقة الأزمة الإيرانية كشفت عمق الانقسام داخل الغرب. ترامب دعا حلفاء الناتو للمساعدة — ولو فقط لفتح مضيق هرمز. الجواب الأوروبي جاء رفضاً قاطعاً. فرنسا، إسبانيا، إيطاليا أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المتجهة إلى إسرائيل. ألمانيا، على لسان المستشار فريدريش ميرتس، ذكّرت بأن الناتو ليس حلف تدخل هجومي. أمين عام الناتو مارك روته — الذي تولى منصبه في 1 أكتوبر 2024 — رسم خطاً أحمر علنياً: الحلف لن يشارك في حملة وصفها ب«الأمريكية الإسرائيلية». هذا الرفض الجماعي لم يشل الحلف عملياتياً فحسب، بل كشف أيضاً غياب رؤية مشتركة بين ضفتي الأطلسي. لكن روته أيد علناً، على التلفزيون الأمريكي، التدخل الأمريكي في إيران، معتبراً أنه «ضروري لجعل العالم أكثر أماناً». تناقض صارخ — تأييد الهدف ورفض الوسائل — أثار غضب نواب أوروبيين، وكشف تناقضات داخل الحلف نفسه. غرينلاند، ترامب وأزمة الحلف تصاعد هذا التحدي العلني بشكل أكبر إثر أزمة دبلوماسية كبرى قبل أشهر، حين أعلنت واشنطن رغبتها في الاستحواذ على غرينلاند، الإقليم الدنماركي المستقل والعضو المؤسس في الناتو. أمام رفض كوبنهاغن والعواصم الأوروبية القاطع، كثفت واشنطن ضغوطها الاقتصادية والعسكرية، مهددة بمراجعة التزامها في الحلف. الأوروبيون، الذين استنكروا انتهاك القانون الدولي وسيادة حليف، أعربوا عن تحفظاتهم علناً في قمة استثنائية للاتحاد الأوروبي يوم 22 يناير 2026 — لكن دون تبني موقف رسمي يدين أمريكا، خوفاً من عقوبات تجارية و إضعاف الحلف أكثر. في هذا المناخ من القطيعة المفتوحة، كثف ترامب هجماته. في 20 مارس 2026، وجّه ترامب على «تروث سوشيال» هجوماً مباشراً ضد حلفائه: «بدون الولايات المتحدة، الناتو ليس سوى نمر من ورق! لم يريدوا الانضمام إلى الكفاح لوقف إيران النووية. سهل عليهم، مخاطره ضئيلة. جبناء! وسنتذكر!» هذه التصريحات سلطت الضوء على عمق القطيعة. في 1 أبريل، في مقابلة مع «ديلي تلغراف»، قطع ترامب خطوة إضافية: «لم أكن مقتنعاً أبداً بالناتو. عرفت دائماً أنه نمر من ورق، وبوتين يعرف ذلك أيضاً.» وعندما سئل عن إمكانية الانسحاب الأمريكي، أجاب: «أوه نعم، أقول إنه أصبح خارج أي إعادة نظر.» بعد أيام قليلة، عقب لقائه مع مارك روته في البيت الأبيض، نشر: «الناتو لم يكن هناك عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون هناك إذا احتجنا إليه مجدداً». دستورياً، الانسحاب الرسمي للولايات المتحدة من الناتو يحتاج موافقة الكونغرس. هذا القيد القانوني يمثل عائقاً حقيقياً. لكن كما يلاحظ ويلكرسون، الجوهر ليس في الحل الرسمي، بل في فقدان جوهر الحلف ذاته. استراتيجية الابتزاز المالي خطاب ترامب يندرج ضمن استراتيجية ضغط مالي وسياسي معلن، صُقلت منذ ولايته الأولى. في يناير 2026، في دافوس، طالب ترامب الحلفاء برفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي — مقابل 2% التي كانت متبناة سابقاً — مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تخضع لنفس المطلب. الأمين العام السابق ينس ستولتنبرغ يروي، في مذكراته، أن ترامب قال له يوماً: «لماذا أواصل الدفع لهذه المنظمة بينما لا أحتاج إليها؟» هذا المنطق الصفقاتي، الذي يختزل حلفاً سياسياً وأمنياً في علاقة تكلفة وفائدة، هو نقيض فلسفة الناتو التأسيسية. تحذير بريتون: نبوءة تحققت هذا القطع لم يأت من فراغ، بل كان قد أُعلن عنه بدقة مقلقة قبل سنوات. ففي يناير 2024، كشف تييري بريتون، المفوض الأوروبي الأسبق للسوق الداخلية، أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ عن تصريحات خطيرة أدلى بها دونالد ترامب قبل أربع سنوات، وتحديداً خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير 2020. وكان ترامب قد وجّه كلامه إلى أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية آنذاك، قائلاً لها بصراحة قاسية: «يجب أن تفهموا أنه إذا هوجمت أوروبا، لن نأتي أبداً لمساعدتكم ودعمكم. علاوة على ذلك، الناتو مات، وسنرحل.» هذه التصريحات، التي ظلت طي الكتمان لأربع سنوات كاملة، لم تكن مجرد كلمات عابرة. فقد أكدتها مصادر أوروبية متعددة، ووصفها بريتون بنفسه بأنها «جرس إنذار هائل» يجب أن يوقظ الأوروبيين من غفوتهم. في ذلك الوقت، راهن كثيرون على أن ترامب لن يعود إلى السلطة، أو أن تحذيراته كانت مجرد خطاب حملات انتخابية. لكن التاريخ أثبت عكس ذلك. ففي عام 2026، وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، صار هذا التحذير حقيقة، ليس في تصريحات صحفية، بل على أرض الواقع : في حرب إيران، وفي أزمة غرينلاند، وفي شلل الناتو التام. التحول الجيوسياسي العالمي وراء المسرح العسكري في الخليج العربي، هيكل النظام العالمي نفسه يعاد تشكيله. إغلاق مضيق هرمز — الذي كان يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية — تسبب في صدمة اقتصادية عالمية هائلة، ضربت أولاً الاقتصادات الأوروبية الأكثر اعتماداً على واردات الطاقة. هذه المفارقة لم تخف على ترامب، الذي ذكّر حلفاءه بأن رفضهم المشاركة في الحرب حرمهم من وسيلة مباشرة لحل مشكلتهم النفطية. استراتيجياً، وجهت المقاومة العسكرية الإيرانية رسالة قوية. استخبارات أمريكا استهانت بالقدرات الباليستية الإيرانية. حاملات الطائرات الأمريكية اضطرت للتراجع إلى مسافات آمنة، بعيداً عن متناول الصواريخ الإيرانية — ووفقاً لمحللين عدة، لم تكن طهران قد نشرت بعد صواريخها الأكثر تطوراً. للمرة الأولى منذ حرب الخليج عام 1991، قوة إقليمية تصمد عسكرياً أمام القوة العظمى الأمريكية في مواجهة مباشرة. في الشرق، روسيا والصين وإيران ترى تقارب مصالحها معززاً بهذه الأحداث. محور أوراسي واقعي يتعزز، لا يقوم على حلف رسمي بل على هدف مشترك: تحدي النظام أحادي القطب الأمريكي، تنويع الدوائر الاقتصادية خارج الدولار، وإظهار حدود قدرة واشنطن على إسقاط قوتها. نحو إعادة تشكيل النظام العالمي ما يجري في الخليج العربي ليس مجرد معركة صواريخ وردود فعل. إنه كاشف لتحول تاريخي عميق. نهاية الناتو لن تترجم بالضرورة إلى حل رسمي. لكن فقدان مبرر وجوده كحلف متماسك وذي مصداقية يبدو الآن محسوماً. بالنسبة للأوروبيين، الدرس مؤلم لكن لا مفر منه: الاستقلالية الاستراتيجية لم تعد خياراً بلاغياً، بل ضرورة حيوية. على الاتحاد الأوروبي أن يبني هندسة دفاعية خاصة به، تقوم على مصالح مشتركة واحترام متبادل، بدلاً من التبعية لقوة تباعدت أولوياتها بشكل نهائي عن أولوياتهم. بالنسبة لبقية العالم، الرسالة واضحة: النظام أحادي القطب، الذي هيكل العلاقات الدولية منذ عام 1991، قد ولّى. العالم متعدد الأقطاب الذي كان البعض يعلن عنه كمنظور بعيد هو موجود بالفعل، بقواعده الجديدة، وتحالفاته الجديدة، ونقاط ضعفه الجديدة. السؤال الذي سيوضع في الأشهر القادمة لم يعد ما إذا كان هذا النظام قد تغير — لقد تغير. بل ما إذا كانت الأطراف المعنية ستتمكن من التكيف مع هذا الواقع الجديد بالوضوح والمسؤولية التي يتطلبها. باحث في العلوم السياسية الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة