مشروع قانون المحاماة.. توافق برلماني على رفع "سقف السن" وجدل حول شرط "الماستر"    المغرب يجدد دعمه لاستقرار مالي ولسيادتها ووحدتها الوطنية    أغنية "ليلة الوداع"للنجم عبد الحفيظ الدوزي تتصدرالطوندونس الغنائي المغربي    تداولات بورصة البيضاء تنتهي "حمراء"    كارتيرون يعلن عن التشكيلة لمواجهة يعقوب المنصور وزياش رسمي    السجن المحلي العرائش 2 يخلّد الذكرى 18 لتأسيس المندوبية العامة: احتفاء بالتميز وترسيخ لرهانات الإصلاح    بحضور لشكر.. الاتحاديون يستعدون لتنظيم مسيرة عمالية بطنجة في فاتح ماي    بخلاف الرباط.. عدول طنجة يرفضون العودة إلى العمل    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    "لبؤات الأطلس" تواجهن منتخب الكونغو    حصيلة النشر والكتاب بالمغرب سنة 2025.. أزيد من 7 آلاف إصدار جديد و"الأدب" يتصدر    فلسطينيات بلمو وأجماع في ضيافة إعدادية ابن ياسين        الفيفا يشدد القوانين: الطرد لمن يغطي فمه والانسحاب يُكلف الفريق الخسارة    عبد النباوي: 26 قاضية تتولين حاليا مهام المسؤولية بمختلف درجات المحاكم بالمملكة    ترامب يحث إيران على "التعقل سريعا" وإبرام اتفاق    الإعلام الدولي في زمن الحروب    4 أفلام ومشاريع مغربية في "كان 2026"    احتقان بمستشفى مولاي إسماعيل بتادلة.. نقابة الصحة تحتج يوم 5 ماي المقبل    أكاديمية المملكة تكرم إيف موديمبي    النصب يستهدف مسرح محمد الخامس    فرنسا تنصح رعاياها بعدم السفر إلى مالي وتطلب من المقيمين المغادرة في "أسرع وقت ممكن"    بعد اعترافها بمخطط الحكم الذاتي.. وزيرة خارجية كندا تحل بالمغرب خلال الأسبيع المقبلة    ثاني أكبر كتلة بالبرلمان الأوروبي تطالب بتعليق الشراكة مع إسرائيل    الريال الإيراني يصل أدنى المستويات    السكات اللي كيخلع.. والميزان المايل    استئنافية تازة تؤيد حبس الرابور "الحاصل" 8 أشهر نافذة    رسميا.."الفيفا" يرفع المنح المالية للمنتخبات المشاركة في مونديال 2026    صدامات دامية تهز مخيمات تندوف    عبد الرحيم العطري يُسَائِلُ "أنثروبولوجيا السوق والتسوق"        ولاية أمن أكادير تكشف حقيقة فيديو "تدارت"    ارتفاع مبيعات الإسمنت ب2,5 في المائة في مارس    تييري هنري بعد قمة باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ: كرة القدم تحتاج للمخاطرة لاستعادة المتعة    نفق تحت المتوسط يربط طنجة ب البرتغال؟ مشروع طموح يعيد رسم خريطة النقل بين إفريقيا وأوروبا    البنك الدولي يوصي المغرب بإصلاحات هيكلية لإحداث 1.7 مليون منصب شغل وزيادة اقتصاده بنسبة 20%    جماعة "العدل والإحسان" تستنكر منع عبد الصمد فتحي من السفر للمشاركة في "أسطول الصمود"    ارتفاع أسعار النفط في ظل تقارير عن تعطل الإمدادات    أكادير تحتضن المؤتمر الإفريقي الثاني للتشريح المرضي الرقمي    ساعة العمل في ألمانيا تكلف 45 يورو لتكون بين الأعلى أوروبيا        كلفة الإنتاج الصناعي تسجل ارتفاعاً طفيفاً وسط استقرار قطاعات حيوية    برادة: حكومة أخنوش بذلت مجهودات كبيرة لإصلاح المنظومة التعليمية ببلادنا    رئيس دولة مالي يتهم "جهات خارجية" برعاية مخطط الهجمات في البلاد        تحديد موعد ديربي الرجاء والوداد    تافراوت : أمام رئيس الحكومة…عرض تفاصيل أول خطة ذكية على الصعيد الوطني لمواجهة انتشار الكلاب الضالة.    هذه أسرار اللحظات الأخيرة بعد الموت السريري    مراكش تعيد وهج الأغنية المغربية في حفل يجمع بين الإبداع والذاكرة    المنتخب الوطني للكراطي يتألق بإسبانيا    المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل تسبب 840 ألف وفاة سنويا في العالم    دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية    دراسة علمية تحذر من خطورة المكملات الغذائية للأطفال                34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انتفاضتا لبنان والعراق - بين الواقعيّة السياسيّة والرومانسيّة الثوريّة
نشر في الصحيفة يوم 08 - 03 - 2021

لم تكن الرومانسيّة القديمة كافية لإشعال حماسة الشباب بما فيها الوعود والآمال الكبيرة والشعارات البرّاقة البعيدة المنال؛ لقد حلّت محلّها الواقعيّة السياسيّة بلا شعارات كبرى ولا وعود معسولة أقرب إلى السّراب، حيث انتظمت الملايين بشعارات مبسّطة: الحرّية، العدالة، تعديل الدستور، القضاء على الفساد واحترام حقوق الإنسان.
هكذا سدَّت الجماهير التي تذكّر بعصر المداخن باستعارة من كارل ماركس، الساحات والشوارع، بل زلزلت الأرض تحت أقدام الحكّام في حين فقَدَ المثقّف الأيديولوجي صوته وهو يبرّر خطاب الحاكم بالقمع السياسي أو بالقمع الفكري ويحرق البُخور بالدعاية والتزويق بحجج ومزاعم شتّى، أو المُعارض الذي كان بعيداً أو غائباً أو مخادعاً، فقد كانوا بعيدين عن ساحة المشاركة الفاعلة وإنْ التحقوا بعد حين وسط جوٍّ من الدهشة والارتباك والحَيرة.
لقد تجاوزت المعركة الحقيقيّة التي أرادها الناس المعارك الوهميّة الصغرى حول أفضليات هذه المجموعة أو تلك أو هذه الطائفة أو تلك، خصوصاً حين تقدّم جيل الشباب بكل فئاته جاعلاً من انتفاضته، ولأوّل مرَّة في الوطن العربيّ، ثورة شعبية سُداها ولُحمتها الشباب، الجميل، الحالم بقدر واقعيّته وبراغماتيّتِه، فقد كان ثوريًّا بامتياز ولكن ضمن مفاهيم جديدة، فلم تعُد مقولة أن الثورة لا يمكن لها أن تتحقّق ما لم تتوفّر لها قيادة مُلهمة، أو أن تكون تحت إشراف وتنظيم حزبٍ قائد "طليعة"، أو أن التغيير لن يتحقّق في ظل أنظمة استبداديّة ودكتاتوريّة عاتيّة دون تدخُّل الجيش، أو أن قوى الداخل ليس بإمكانها إنجاز التغيير دون التعويل على الخارج ومساعداته، وما سمّي تلطيفاً "العامل الدولي" الذي أوصل بلداً مثل العراق بعد حصار دولي جائر دام ثلاثة عشر عاماً إلى الاحتلال البغيض، وإنْ كان ثمّة جزعٍ ويأسٍ من التغيير الداخلي في ظلِّ هيمنةٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ أحياناً، لذلك ترى بعض الأصوات حتى وإن كانت خافتة أو هامسة تدعو لإعادة الانتداب مجدّداً وهو ما نمَّ عن هواجس هنا وهناك في لبنان والعراق.
وأثبت جيل الشباب بأنّه الأقدر على تحقيق خياراته كما يريد هو لا كما يُراد له، فقد أخطأ من ظنّ أن الشارع العربي قد أصابته الشيخوخة فدخل في سُبات عميق، أو أن الحكومات الشمولية والطائفيّة دجّنت الشعوب بعوامل الجوع والخوف فضمنت خضوعها اللّامحدود بمكان أو زمان، وها هو يخرج من قمقمهِ ليخترق الميادين والساحات مُحطّماً حواجز الخوف ومنتصراً على جوعه وقهره في أولى خطواته نحو الوجود والكرامة.
لم يكن للانتفاضتين رمز قائد أو زعيم مخلّد أو مُلهم مخلّص يصبح لاحقاً "معبوداً" ومقدّساً وفوق حدود النقد، ولم يكن لهما أيضاً نصوص مقدّسة أو مقولات خالدة؛ فقد كانتا تواجهان الواقع المعقّد بشعارات واضحة ورمزيّة وواقعيّة في آن واحد، ومثلما كانتا ضدّ الصنَميّة، فإنهما كانتا ضد النصوصيّة، أي أنهما ضد المسلّمات واليقينيّات والقدسيّات والسلفيات المشوّهة والوعود الزائفة، وعابرتان للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القِبلية والعشائرية، واضحتان في مطالبهما، وحاسمتان برفضهما للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدتان إخلاصهما ونزاهتهما والتزامهما بمطالب شعبيهما.
لقد وضعت الانتفاضات التي انتصرت، سواء في العالم العربي أمْ في أوروبا الشرقيّة أمْ في أمريكا اللاتينيّة بإسقاطها الدكتاتوريات سؤالاً محرجاً أمام أحزاب المعارضة والأحزاب الكلاسيكيّة: أين دورها وما هو موقعها من الخريطة السياسية الجديدة؟! تلك التي ظلّت تلوك خطابها ولغتها الخشبيّة عقوداً من الزمان، أكانت شيوعيّة أم قوميّة أم دينيّة، حتى دون مراجعة أو نقد على الرغم من كل المتغيّرات؟ هكذا قدّمت الجماهير الغاضبة الفعل الثوريّ الواقعيّ الحسّي، على حساب الأيديولوجيات والوعود والخطابات الاجتماعيّة والثقافيّة، التي سمعتها كثيراً.
حقًّا لقد أفرزت الانتفاضات العربيّة رغم منعرجاتها ووعورة طريقها نمطاً جديداً من التفكير والممارسة متقدّماً وشجاعاً، مثلما ساهمت في تعميق الوعي الثقافي الجديد المتفاعل مع الوعي العالمي، حيث بدأ الشباب بكل حيويّته وطاقاته ومبادراته، وأصبح على الجميع اليوم الاستماع إليه والوقوف خلفه ليصل إلى طريق المشروعيّة القانونيّة، أي حكم القانون، والشرعيّة السياسيّة أي رضا الناس، وتحقيق المنجز التنموي الذي يلبّي طموحاتهم، وليتمكّن من حماية عمليّة التغيير قبل أن يتمّ الالتفاف عليها أو سرقة منجزاتها أو اللعب بمستقبلها.
كما أثبتت حركة الاحتجاج الجديدة ضمور دور الدُعاة الحزبيّين الأيديولوجيّين، العقائديّين، الذين بشّروا الناس بالجنّة أو بعالم يحقّق الوحدة العربية أو تحرير فلسطين (الآن وليس غداً)، أو ينجز حلم الاشتراكية والعدالة الاجتماعيّة الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميّين والشيوعيّين، ومع الإسلاميّين في ما بعد، لا على الحاضر، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في مملكة الأرض، بل على قيم السماء. هكذا ظلّت الأمور تجريدية أحياناً، فالصراع على القيم والمُثل التي كان لها أن تتحوّل إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة إلى أعمال وأفعال، هو الفارق بين كلام الأمس وكلام اليوم، وهذا ما ينبغي فهمه والتعامل على أساسه، ولعلّه أكبر الأسئلة التي تواجه عملية التغيير!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.