إقبال قياسي يفوق 5000 زائر في اليوم الأول... معرض طنجة للسيارات يحقق نجاحاً لافتاً    أولمبيك آسفي يفرض التعادل على اتحاد العاصمة في الجزائر    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    باركنسون في المغرب.. معركة يومية مع الألم تتجاوز العلاج إلى الفن والأمل    لبؤات الأطلس يقتحمن المركز 63 عالميا ويقفزن للمربع الذهبي إفريقيا في تصنيف "فيفا"    صوت المرأة    المملكة المتحدة.. تكريم العالم المغربي ميمون عزوز نظير إسهاماته البارزة في مجال العلاج الجيني    آلام مرضى تزيد بسبب "انقطاع دواء"    قيمة "مازي" تزيد 5,32% في أسبوع    مجلس النواب يخطط لمناقشة تقارير "المجموعات المؤقتة" قبل نهاية الولاية    تراجع الإقبال يدفع "لارام" إلى إعادة تقييم الرحلات نحو الدوحة ودبي    "هدنة عيد الفصح" توقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا ل32 ساعة    الدريوش: الأسماك المجمدة ساهمت في حصول المغاربة على المنتجات البحرية خلال رمضان    سقوط مفاجئ لأرسنال المتصدر أمام ضيفه بورنموث        نشرة خاصة: زغات رعدية مع تساقط البرد والثلوج ورياح عاصفية السبت والأحد بعدد من مناطق المغرب    إطلاق الملتقى الوطني الأول للواحات بزاكورة وتوقيع اتفاقيات تنموية بمئات الملايين من الدراهم    حزب الاستقلال في لقاء تواصلي مع مناضلات ومناضلي الحزب ببني ملال    "الكونفدرالية": نجاح الحوار الاجتماعي مرتبط بالزيادة في الأجور والمعاشات وتخفيف العبء الضريبي على الأجراء    صحيفة "آس": ريال مدريد يقطع علاقاته مع الاتحاد الإسباني ويشكك في نزاهة المنافسة    الحالة الصحية لمجتبى خامنئي المرشد العام لإيران لا تزال "حرجة" بعد اصابته بتشوهات في الوجه وبجروح في ساقيه    القنصلية المغربية بالجزائر تؤازر أولمبيك آسفي    المغرب يقوي تكوين مدراء أندية التنس    مسؤولون محليون يتابعون تقدم مشروع مركز لإيواء الحيوانات الضالة في سوس بكلفة 26 مليون درهم    العرائش: توقيف مروج للأقراص المهلوسة بالمدينة العتيقة وحجز كمية من المخدرات القوية    بين الرباط ومدريد: ذاكرة تاريخٍ مثقل بالوعد والظل من الاستعمار إلى دبلوماسية المصالح    دار الشعر بتطوان تختتم عيد الكتاب    أحزاب مُسَخَّرَة لحساب مَسْخًرًة    بيوت تعرض "كرامة مؤقتة" في غزة    سهام بنك يعمم مجانية التحويلات العادية والفورية    باكستان ترحب بوفدَي أمريكا وإيران    "الكورفاشي" تدعو الجماهير إلى "الانضباط والتشجيع الموحد" قبل مواجهة نهضة بركان    هل سيحضر سواريز المونديال مع الأوروغواي؟    طاقم "أرتميس 2" يعود إلى الأرض بعد رحلة 10 أيام حول القمر    وفدا أمريكا وإيران يصلان باكستان لإجراء محادثات سلام    قضايا خلافية رئيسية تلقي بظلالها على المفاوضات الأميركية الإيرانية في باكستان    نزاع عائلي حول الأرض ينتهي بجريمة قتل بشعة بتازة    ماليون بالمغرب يثمنون موقف باماكو    محامية تكشف تفاصيل زيارة إنسانية لمعتقلي حراك الريف بسجن طنجة    جهة الشمال .. المصادقة على 487 مشروعا باستثمار يناهز 80 مليار درهم ستوفِرُ 57 ألف منصب شغل    اجتماع تنسيقي لتتبع إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الفيضانات بحوض طاطا    العثور على رضيعة حديثة الولادة متخلى عنها قرب قاعة للحفلات غير بعيد عن مستشفى محمد الخامس بطنجة    بوريطة يستقبل مبعوثا لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية حاملا رسالة إلى جلالة الملك    شتائم ترامب لإيران تنعش مطالب "الديمقراطيين" بتفعيل العزل الدستوري    فعاليات اليوم الأول من الزيارة الرسمية لوفد جماعة القصر الكبير إلى مدينة لاغوس البرتغالية    موعد ملكي: 8 سنوات للوصول إلى مغرب السرعة الواحدة!    حين تحكم الجراح.. السياسة في مرآة المشاعر    تفاصيل اختتام الملتقى الروائي الأمازيغي بالرباط    انطلاق عرض "نوستالجيا: صدى الأسوار" في ليكسوس بالعرائش    اليونسكو تختار الرباط عاصمة عالمية للكتاب    الجزائري سعيد خطيبي يتوج بجائزة "البوكر العربية" عن روايته "أغالب مجرى النهر"    "حماة المستهلك" يطالبون بمنع بيع مشروبات الطاقة للقاصرين وفي محيط المدارس    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    دراسة: الذكاء الاصطناعي يشخص سرطان الحنجرة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



على أبواب عيد العمال.. فاتح ماي
نشر في التجديد يوم 26 - 04 - 2013

قال الدكتور أحمد الريسوني إن هناك مفارقة بين مستوى تدين الناس في بعض المجتمعات الإسلامية وبين معاملتهم السيئة للعمال والخدم.
وهذا التناقض الغريب ، يقول الدكتور الريسوني خلال مداخلة في ندوة حول العمالة الوافدة رؤية أخلاقية حول القضايا الملحة» بالدوحة القطرية، إنما يعكس فهما قاصرا مختلا لطبيعة الدين ورسالته. ومن ذلك أن كثيرا من المتدينين يظنون أنهم ما قصروا في طاعة الله والإحسانِ إلى عباده، بفضل صلوات ينقرونها وصدقات ينثرونها بين الحين والحين، وبحَجَّةٍ وعُمرة كل سنة أو سنتين... يظنون أن أعمالهم تلك كافِيَتُهُم ومانِعَتُهُم من الحساب العسير حول سوء معاملة المستضعفين وظلمهم، وإهدار كرامتهم وحقوقهم.
ونبه الخبير الأول في مجمع الفقه الإسلامي بجدة إلى انه رغم كون حقوق العمال اليوم أصبح لها قوانينها الخاصة ومحاكمها الخاصة، ونقاباتها ومنظماتها الخاصة، الوطنية والدولية، فإن المبادئ الدينية والأخلاقية هي أول ناصر للمستضعفين، وأول منبع لأفكار القانونيين، وهي أقدم مُلهم للمناضلين والمصلحين. وأن جميع مجالات الحياة والعلاقات البشرية، هناك مناطق لا تدخلها القوانين، وهناك وقائع لا يستطيع القضاء إثباتها، لكن العقيدة والأخلاق تتقدمان وتنفعان حيث تتوقف التدابير القانونية، وحيث تعجز الأحكام القضائية. وفيما يلي نص» المداخلة:
الكرامة أغلى وأخطر
الكرامة هي أغلى ما يملكه الإنسان، وأنفس ما وهبه الرحمن. ولو تصورنا أن للإنسان سعرا معينا، فإن ما لا يقل عن تسعة أعشار قيمته هي كرامته. ونستطيع أن نقول: إنما الإنسان إنسان بكرامته.
وفي تفسير قوله تعالى: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا{، قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور: «فأما مِنَّةُ التكريم فهي مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية. والتكريم: جعْلُه كريما، أي نفيسا غير مبذول ولا ذليل» 1.
ومعلوم أن هذه الكرامة مهداة لجميع بني آدم على السواء، لا تتفاوت بينهم ولا تزيد ولا تنقص: لا بالغنى والفقر، ولا بالنسب واللون، ولا بالقوة والضعف، ولا بالوسامة والذمامة، ولا بالوجاهة والوضاعة... وإنما يزكي من يشاء كرامتَه وينميها بصالح الأعمال وجميل الخصال، وينقصها ويضيعها من يشاء بسوء الفِعال وقبيح الخصال. وهذا كله أمره إلى العليم الخبير }إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{ الحجرات: 13. وَقَال عليه السلام: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى...»2.
فإذا كانت بعض المظالم المعدودة قد تجعل صاحبها يوم القيامة مفلسا يُلْقَى به في النار، مع أنه صاحب صلاة وصيام وحج وزكاة...، فكيف بمن يدوسون كرامة الناس ولا يقيمون لها وزنا، بل يمحقونها ويُحِلون محلَّها الامتهان والاحتقار؟ كيف بهم والصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يقول ويكرر: «بِحَسْبِ امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»3. وعن عبد الله بن عمر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: «ما أطيبَكِ وأطيبَ ريحَكِ، ما أعظمَكِ وأعظمَ حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، مالُه، ودمُه، وأن نظن به إلا خيرا».
الإنسان من حيث هو إنسان كريم مُكَرَّم عند خالقه، مفضل على سائر خلقه. هكذا جعله الله وهكذا أراده الله، وهكذا يجب اعتباره والتعامل معه. فالمسألة ليست فقط مسألة أجرة وإجازة، ومأكل ومسكن... بل هي قبل ذلك وفوقه مسألة كرامة يجب أن تعظم وتصان، ولا تنتقصَ ولا تهان.
إذا تقرر هذا فلنأت إلى بعض الحقوق المادية والمعنوية للعمال وخَدَم البيوت.
حقوق العمال بين العدل والفضل
العدل والإحسان، أو الفرض والفضل، أو العدل والفضل، كلها عبارات جاء بها الشرع الحنيف ويستعملها العلماء للتعبير عن صنفين ودرجتين من الحقوق التي للعباد بعضِهم على بعض، ومنها ما نحن بصدده من حقوق الخدم والعمال الضعفاء على مشغليهم.
فمنها ما هو واجب وفرض، وهو العدل الذي ليس دونه إلا درجة الظلم.
ومنها ما هو من باب الفضل والبر والإحسان.
والنصوص الشرعية عادة ما تمزج بين الصنفين وتجمع بين الدرجتين. وسأستعرض فيما يلي جملة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، المتعلقة بحقوق العمال والمستخدمين، مع ذكر ما تتضمنه من حقوقهم على مشغليهم، سواء كان ذلك من باب العدل المفروض، أو من باب الإحسان المندوب.
1. آية جامعة
قال الله عز وجل: }وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا{ النساء: 36
فالآية الكريمة جمعت في سياق واحد بين الأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك به، والأمر بالإحسان إلى الأصناف التي يكثر التعامل معها والاحتكاك اليومي بها، كالوالدين وذوي القربى والجيران وشركاء العيش والعمل، وكذلك الفئات الأكثر بؤسا وضعفا في المجتمع، كاليتامى والمساكين ونحوهم.
ومعلوم أن درجة الإحسان المأمور بها في الآية، إنما تأتي بعد درجة العدل الواجب. فمن لم يحقق مقتضيات العدل، لا ينتظر منه التحقق بالإحسان. فالعدل مأمور به من باب أولى، باعتبار الحد الأدنى.
2. المثل الأعلى في معاملة الخادم
عن أنس رضي الله عنه قال: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين وما كل أمري كما يحب صاحبي أن يكون ما قال لي فيها: أُفٍّ، ولا قال لي: لم فعلت هذا؟ وأَلا فعلت هذا؟». (مسند الإمام أحمد).
وحسبك من هذا الحديث قراءته وإمعان النظر فيه.
3. لا يجوز ضرب الخادم بحال
عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي خادما يسيء ويظلم، أفأضربه؟ قال: «تعفو عنه كل يوم سبعين مرة». (مسند الإمام أحمد)
والحديث صريح بليغ في منع ضرب الخادم، حتى لو أساء وظلم مرات ومرات في اليوم الواحد، فليس هناك إلا إمساكه بإحسان، أو مفارقته بإحسان، أما الضرب فلا أبدا، لا لخادم ولا خادمة.
4. عدم توفية الأجيرِ أجرَه من أكبر الكبائر عند الله
في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ». (صحيح البخاري وغيره). فالله تعالى بمقامه وجلاله هو من يخاصم هؤلاء الظَّلَمة المجرمين، وهو الوكيل عن الضحايا المظلومين.
5. أطعموهم واكسوهم وأعينوهم
في صحيح البخاري عن المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وعليه حُلة (لباس من قطعتين)، وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «أعيرته بأمه»، ثم قال: «إن إخوانكم خَوَلُكُم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تُكَلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم».
6. نموذج راقٍ في حفظ حقوق العمال
عن عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ...
وَقَالَ الْآخَرُ ...
وَقَالَ الثَّالِثُ(4): اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ. وفي رواية لأحمد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فَرَقِ الأرز، فليكن مثله».
حقوق العمال بين الوازع السلطاني والوازع الدياني
قد يقول قائل: إن حقوق العمال اليوم أصبح لها قوانينها الخاصة ومحاكمها الخاصة، ونقاباتها ومنظماتها الخاصة، الوطنية والدولية، فما حاجتها إلى المبادئ الدينية والمواعظ الأخلاقية؟
وأود أولا: أن أرحب وأشيد بكل هذه التطورات والمكتسبات التشريعية والقضائية والنقابية.
وأنبه ثانيا: إلى أن المبادئ الدينية والأخلاقية هي أول ناصر للمستضعفين، وأول منبع لأفكار القانونيين، وهي أقدم مُلهم للمناضلين والمصلحين.
وثالثا: في جميع مجالات الحياة والعلاقات البشرية، هناك مناطق لا تدخلها القوانين، وهناك وقائع لا يستطيع القضاء إثباتها، لكن العقيدة والأخلاق تتقدمان وتنفعان حيث تتوقف التدابير القانونية، وحيث تعجز الأحكام القضائية.
ورابعا: معظم المستضعفين لا يستطيعون الوصول إلى القضاء ومتابعة إجراءات التقاضي، ولا يستطيعون الوصول إلى المنظمات النقابية والحقوقية، فهل نترك هؤلاء بين مطرقة ظالميهم وسندان عجزهم؟ أم نسعفهم بتقوية الوازع الديني والحافز الخلقي، وبنشر ثقافة العدل والإحسان بين الناس؟
وخامسا: فمعلوم أن القوانين والمحاكم لوحدها تظل عرضة لاحتيال المحتالين، وتمنُّعِ المتنفذين، وأبوابها الخلفية ومخارجها التحتية لا تكاد تغلق... ولذلك نجد أكثر مشاكل العمال وشكاويهم ليست من الخصاص التشريعي والقضائي، ولكن من موت الضمير وغياب الوازع الأخلاقي.
الشريعة قرآن وسلطان
على أن الشريعة ليست مجرد عقيدة وضمير، وليست مجرد نصائح ومواعظ، بل هي نفسها أتت ومعها سلطانها وقوتها التنفيذية الملزمة، ولذلك قال العلماء: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. فمن لم يستجب لداعي الإيمان والقرآن بإعطاء الناسِ حقوقَهم، جاءه السلطان فانتزعها منه وسلمها لأصحابها. وحينما ولي أبو بكر الخلافةَ كانت أول قاعدة أعلنها من قواعد السياسة الشرعية هي قوله رضي الله عنه: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه».
وهذه القاعدة أصلها ثابت في السنة القولية والفعلية لرسول الله صلى عليه وسلم. من ذلك ما أخرجه الحاكم في مستدركه... أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي وهو غير متعتع».
وسبب ورود هذا الحديث هو أن النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة وبدأ ينظم المجتمع الإسلامي الجديد، أعطى بعضَ القطع الأرضية السكنية لبعض المحتاجين من المهاجرين، ومنهم عبد الله بن مسعود الذي أعطاه أرضا في حي سكني لبعض أشراف المدينة، فتضايق هؤلاء منه، وطلبوا من رسول الله أن يبعده عنهم... وفي رواية الإمام الشافعي مسنده: «... لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ النَّاسَ الدُّورَ، فَقَالَ حَيٌّ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ بْنِ زُهْرَةَ: نَكِّبْ عَنَّا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ (وهو ابن مسعود).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلِمَ ابْتَعَثَنِي اللهُ إِذَنْ؟ إِنَّ اللهَ لا يُقَدِّسُ أُمةً لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهِمْ حَقُّهُ» .
قال العلامة الملا علي القاري في شرحه للحديث: «أي إذا لم أُسَوِّ بين الضعيف والقوي في أخذ الحق من صاحبه وأن ابن مسعود ضعيف..، قال القاضي: وإنما بعثني الله لإقامة العدل والتسوية بين القوي والضعيف، فإذا كان قومي يذبون الضعيف عن حقه ويمنعونه، فما الفائدة في ابتعاثي»5.
وهذا الموقف النبوي الشريف أصله ثابت في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: }لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ{. الحديد: 25
› هوامش ومراجع
1 - التحرير والتنوير (15/ 165)
2 - مسند أحمد (38/ 474)
3 - صحيح مسلم وغيره.
4 - وهو موضوعنا الآن.
5 - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2001)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.