الرئيسية
السياسية
الاقتصادية
الدولية
الرياضية
الاجتماعية
الثقافية
الدينية
الصحية
بالفيديو
قائمة الصحف
الاتحاد الاشتراكي
الأحداث المغربية
الأستاذ
الاقتصادية
الأول
الأيام 24
البوصلة
التجديد
التصوف
الجديدة 24
الجسور
الحدود المغربية
الحرة
الدار
الرأي المغربية
الرهان
السند
الشرق المغربية
الشمال 24
الصحراء المغربية
الصحيفة
الصويرة نيوز
الفوانيس السينمائية
القصر الكبير 24
القناة
العرائش أنفو
العلم
العمق المغربي
المساء
المسائية العربية
المغرب 24
المنتخب
النخبة
النهار المغربية
الوجدية
اليوم 24
أخبارنا
أخبار الجنوب
أخبار الناظور
أخبار اليوم
أخبار بلادي
أريفينو
أكادير 24
أكورا بريس
أنا الخبر
أنا المغرب
أون مغاربية
أيت ملول
آسفي اليوم
أسيف
اشتوكة بريس
برلمان
بزنسمان
بوابة القصر الكبير
بوابة إقليم الفقيه بن صالح
أزيلال أون لاين
بريس تطوان
بني ملال أون لاين
خنيفرة أون لاين
بوابة إقليم ميدلت
بوابة قصر السوق
بيان اليوم
تازا سيتي
تازة اليوم وغدا
تطاوين
تطوان بلوس
تطوان نيوز
تليكسبريس
تيزبريس
خريبكة أون لاين
دنيابريس
دوزيم
ديموك بريس
رسالة الأمة
رياضة.ما
ريف بوست
زابريس
زنقة 20
سلا كلوب
سوس رياضة
شباب المغرب
شبكة أندلس الإخبارية
شبكة دليل الريف
شبكة أنباء الشمال
شبكة طنجة الإخبارية
شعب بريس
شمال بوست
شمالي
شورى بريس
صحراء بريس
صوت الحرية
صوت بلادي
طنجة 24
طنجة الأدبية
طنجة نيوز
عالم برس
فبراير
قناة المهاجر
كاب 24 تيفي
كشـ24
كود
كوورة بريس
لكم
لكم الرياضة
لوفوت
محمدية بريس
مراكش بريس
مرايا برس
مغارب كم
مغرب سكوب
ميثاق الرابطة
ناظور برس
ناظور سيتي
ناظور24
نبراس الشباب
نون بريس
نيوز24
هبة سوس
هسبريس
هسبريس الرياضية
هوية بريس
وجدة نيوز
وكالة المغرب العربي
موضوع
كاتب
منطقة
Maghress
الأمم المتحدة تختار السيد هلال لمراجعة استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب
مدرب الكاميرون: المغرب قوة صاعدة ويملك الأفضلية على أرضه
إيغامان قبل مواجهة الكاميرون: "مواجهة لن تكون سهلة وحنا واجدين للفوز"
موجة برد شديدة تجتاح عدداً من أقاليم المملكة ابتداءً من غد الجمعة
نشرة إنذارية جديدة بالمغرب
استدعاء وزير الفلاحة للبرلمان لمناقشة اختلالات استيراد وتخزين القمح
مطالب متواصلة بسحب مشروع قانون المحاماة حماية لأسس المحاكمة العادلة
"همم": ياسين بنشقرون يخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام منذ اعتقاله قبل 16 يوما
أسود الأطلس في اختبار حاسم أمام الكاميرون
إضراب وطني لموظفي التعليم العالي يوم 20 يناير مع وقفة احتجاجية أمام الوزارة
إصابة مادورو وزوجته خلال الاعتقال
الولايات المتحدة تنسحب من 66 منظمة دولية بينها 31 أممية
مقتل شرطي إيراني طعنا قرب طهران
عامل برشيد يوقف رئيس جماعة الدروة
الانخفاض يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء
أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس
"الإمارات للدواء" تسحب بعض منتجات حليب الأطفال "نستله"
سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية
برشلونة يكتسح بلباو بخماسية في جدة ويبلغ نهائي كأس السوبر الإسبانية
السكك الحديدية الصينية تنقل 4.59 مليار مسافر خلال 2025
توقعات أحوال الطقس اليوم الخميس
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحذر من مخاطر ردم مجالات حيوية بالفقيه بن صالح وتطالب بفتح تحقيق عاجل
عدد المتفرجين الذي حضروا مباريات "كان المغرب" يقترب من المليون
الجمعية العامة للأمم المتحدة.. تعيين هلال للمشاركة في تيسير مراجعة الاستراتيجية العالمية الأممية لمكافحة الإرهاب
الاعتداء على إمام بالسلاح الأبيض بدوار المنادلة... جريمة تهز القيم وتستفز الضمير الجماعي بالجديدة
قرنان ونصف من الثقة: كيف تحولت الصداقة المغربية-الأمريكية إلى شراكة جيوسياسية
الحبس لمتزوجة وخليلها بالجديدة.. استغلت غياب زوجها وعائلته تضبطها في حالة تلبس داخل منزلها
فيدرالية الأحياء السكنية بالجديدة تلتقي مع المدير الإقليمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات االبيضاء سطات
تحذير عاجل.. ميزة خفية في Gmail قد تضع خصوصية المستخدمين على المحك
"التعري الافتراضي".. الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي وتهديد خطير للخصوصية
زياش و"الكان"... حينما تسقط القوانين قناع الإشاعة
مطار محمد الخامس.. إسناد صفقة بناء المحطة الجوية الجديدة للتجمع المغربي "SGTM" و"TGCC"
كرة القدم.. نيمار يمدد عقده مع سانتوس حتى نهاية 2026
جمعية هيئات المحامين بالمغرب تحذر من تمرير "قانون يضعف العدالة"
السيد البلاوي يبرز دور النيابة العامة في أمن التظاهرات الرياضية الكبرى
رئيس الحكومة يترأس اجتماع لجنة قيادة إصلاح المنظومة الصحية الوطنية
بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الأحمر
جامعة الشيلي تمنح ميدالية رئاستها لسفيرة المغرب كنزة الغالي
بالأمازيغية: «سال سال امجرب نومرك» ديو غنائي يجمع محمد بزي ومصطفى بولاربيح
من تنظيم جمعية جوهرة الفنون الثقافية الدورة الرابعة لمهرجان تارودانت الدولي لفنون الشارع
مسرح العرائس بين التكوين والاعتراف الثقافي: تجربة الكراكيز القفازية بأيت ملول نموذجا
أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس
الرباط والبيضاء ومراكش تحتضن الدورة 31 لأسابيع الفيلم الأوروبي من 28 يناير إلى 11 فبراير
مهرجان "حلالة العربي".. صرخة إبداع في وجه الفقر الثقافي
رمضان بلا "سيتكومات".. التلفزة المغربية تطوي صفحة كوميديا الانتقادات
هيئات تطالب الداخلية والثقافة بالتحقيق في أبحاث أثرية سرية غير مرخصة جنوب المغرب
نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة
دراسة علمية تبرز قدرة الدماغ على التنسيق بين المعلومات السريعة والبطيئة
الحق في المعلومة حق في القدسية!
جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"
رهبة الكون تسحق غرور البشر
بلاغ بحمّى الكلام
فجيج في عيون وثائقها
شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
موافق
ألف.. باء..
بيان اليوم
نشر في
بيان اليوم
يوم 19 - 04 - 2021
مبدعون يكتبون عن الطفولة والبدايات
ما أكثر المبدعين الذين نعرفهم.. نقرأ لهم، نقرأ عنهم.. أو نلتقي بهم في محافل ومنتديات ونستمع لأحاديثهم.. ونستمتع بالجلوس والإنصات إليهم.. لكن، غالبا ما نجهل حكاياتهم الأولى وظروف نشأتهم وملابسات ارتباطهم بالثقافة والأدب والإبداع… إلا من سجل أو دون ذلك صراحة أو ضمنيا في تصريحات صحفية أو من حاول النبش في "سوابقه" الشخصية فيما يشبه السيرة الذاتية..
في هذه السلسلة اليومية التي نقترحها على قرائنا الأعزاء خلال هذا الشهر الكريم، قمنا باستكتاب بعض مبدعينا وكتابنا لاختراق مساحات الصمت وملئها بمتون سردية تحتل أحياز مشوقة للبوح والحكي.. علنا نسلط بعض الأضواء على "عتمات" كانت مضيئة في زمنها وأفرزت شخصيات وتجارب وربما نماذج يقتدي بها القراء وعشاق الأدب والإبداع..
هذه زاوية، إذن، لتوثيق لحظات استثنائية من عالم الطفولة، تتعلق بالمرور من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة، عبر اللقاء الأول بعالم الكُتّاب أو المدرسة وبمختلف الحكايات المصاحبة: الدهشة الأولى في الفصل.. الانطباع الذي يخلفه المعلم أو "الفقيه" لدى التلميذ.. تهجي الحروف الأولى.. شغب الطفولة وأشكال العقاب المادية والمعنوية.. انتظار الأمهات أمام باب المدرسة.. زمن الريشة والدواة ولطخات الحبر في الأصابع وعلى الملابس والدفاتر.. مقررات الراحل بوكماخ الشهيرة، وغيرها من التفاصيل التي التقطتها تداعيات مبدعين مغاربة، والتي كانت البدايات الأولى التي قادتهم إلى ما هم عليه اليوم والتي بكل تأكيد، ستتحكم، قليلا أو كثيرا، في ما سيكونونه غدا.
إليكم بعضا مما اخترنا لكم من هذه الكتابات العاشقة..
الحلقة الثالثة
مع الشاعر محمد بوجبيري
وُجودٌ كادَ أَلّا يَكون
إعداد: زهير فخري
كانَ الْمجيءُ إِلى الْعالَمِ عَسيرًا، بَلْ كادَ أَلّا يَكون، لِأَنَّ الْوِلادَةَ في الْبَيْتِ اسْتَحالَتْ عَلى السَّيِّدَةِ الْوِالِدَة الّتي ظَلَّتْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ، وَقَبْضَتا يَدَيْها مَشْدودَتانِ بِقُوَّةٍ إِلى حَبْلٍ مُسْدَلٍ مِنَ السَّقْف، تَصْرُخُ بِدونِ جَدْوى. وَلَمّا تَيَقَّنَتِ الْمُوَلِّدَةُ لالَّة إِطُّو، ذاتُ التَّجْرِبَةِ الطَّويلَةِ في التَّوْليد، مِن اسْتِعْصاءِ الْوِلادَة وافَقَتْ عَلى أَنْ تُنْقَلَ أُمِّي عَلى وَجْهِ السُّرْعَةِ إِلى المسْتَشْفى الْمُتَواجِدِ بِبَيْنَ الْويدانْ الْخاصِّ أَصْلًا بالْفَرَنْسِيّينَ الْمُشْرِفينَ عَلى بِناءِ السَّدِّ، وَأُسَرِهِمْ، بِالْإِضافَةِ إِلى الْعامِلينَ في هذا الْمَشْروعِ الضَّخْمِ مِنَ الْمَغارِبَةِ الَّذين يَتَعَرَّضونَ لِحَوادِثِ الشُّغْلِ.
حَكَت جَدَّتي، الَّتي صاحَبتْ أُمّي لِمَسافَةٍ تُقَدَّرُ بِثَمانيةِ كيلومِتْراتٍ في سَيارةِ الْإسْعافِ (جيبْ) الَّتي كانَ يَقودُها سائِقٌ فَرَنْسِيٌّ بِسُرْعَةٍ فائِقَةٍ، أَنَّ وِلادَتي، الَّتي أَشْرَفَ عَلَيْها طَبيبٌ فَرَنْسي، تَمَّتْ بِفَضْلِ الْجِراحَةِ، وَبِمُساعَدَةِ مُوَلِّدَةٍ مِنْ ذاتِ الْجِنْسِيَّة. هذِهِ الْأَخيرَةُ أَمْسَكَتْني، بَعْدَ خُروجي إِلى الْوُجودِ، مِنْ قَدَمي، ثُمَّ قامَتْ بِغَطْسي في آنِيّةٍ مَليئَةٍ بْالْماءِ الْباردِ لِبرْهَةٍ خاطِفَةٍ، بَعْدَها تَمَكَّنْتُ مِنْ أَنْ أَصْرُخَ صَرْخَتي الْأولى، أَمّا أُمّي فَبَعْدَ أَنْ تأكَّدَتْ مِنْ أَنَّني حَيٌّ، اسْتَسْلَمَتْ لِنَوْمٍ عَميق، لأَنها لَمْ يُغْمَضْ لَها جَفْنٌ ثلاثَ لَيالٍ. كانَ ذلِكَ في مَطلَع الخَمْسينِيّاتِ مِنَ القَرْنِ الماضي (1953)، وَوِلادَتي تُقْرَنُ في الْوَسَطِ الْعائِلي بِانْتِهاء الْأَشْغالِ في السَّد.
وَأَنا طِفْلُ في غيابِ الضَّروريِّ، كَما الْآن، مِنْ أَيِّ تَلْقيح يُذْكَرُ، كُنْتُ، كَمَواليدِ ذلِكَ الزَّمانِ في الْمَغْرِبِ الْمهَمَّشِ الْعَميقِ، مُعَرَّضًا لِمُخْتَلَفِ الْأَمْراضِ، وَالْعلاجُ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ التَّداوي بالْأَعْشابِ وَالْكَيِّ، وَالتَّضَرُّعِ لِلْأَوْلياء، وَمَنْ تُساعِدُهُ مَناعَتُهُ يَعيش، وَمَنْ تَخُنْهُ يَموت. حَدَثَ ذلِكَ لي مَعَ أَخي صالَح. كِلانا لَمْ يَتَجاوَزْ سَبْعَ سَنواتٍ عِنْدَما أَلَمَّ بِنا مَرَضٌ عَويصٌ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الطِّبُّ الْمُتَداوَلُ مِنْ أَعْشابٍ، وَلا ما قَرَأَهُ الْأَبُ الفَقيهُ مِنْ آياتِ الذِّكْرِ الْحَكيمِ عَلى رَأْسَيْنا. لَمْ يَنْفَع الْكَيُّ الَّذي ضاعَفَ آلامَنا. لَمْ تَنْفَعْ زِيارَةُ الْأَوْلِيّاء. كُنّا نَتَقَيّأُ بِاسْتِمْرار، وَبَعْدَ أَيّامٍ نَهَضْتُ مِنْ ذاتِ الْفِراشِ الَّذي كُنْتُ فيهِ مَعَ أَخي، أَمّا هُوَ فَقَدْ غادَرَ إِلى دارِ الْبَقاءِ. بَكَتْ أُمّي كَثيرًا، وَاعْتَقَدَتْ أَنَّ الْعَيْنَ هِيَ الَّتي أَوْدَتْ بِحَياتِهِ، لِفَرْطِ وَسامَتِه، وَلَمْ يُخَفِّفْ مِنْ تَعاسَتِها وَأَحْزانِها غَيْرُ اعْتِقادِها أَنَّ طِفْلَها الْمُتَوَفّى سَيَكونَ طائِرًا مِنْ طُيورِ الْجَنَّة، كَما أَكَّدَ لَها الْآتونَ مِنْ الْمُتَنِ الصًّفْراء.
اِلْتَحَقْتُ، كَأَبْناء تِلْكَ الْحِقْبَةِ، بِالْكُتّاب في مَسْجِدِ الْبَلْدَة. كان أَبي في تِلْكَ الْفَتْرَةِ هُوَ الْفَقيهُ الَّذي يَؤُمُّ النّاسَ في الصَّلوات، وَيُعَلِّمُ الْأَطْفال أَبَجَدِيَّةَ الْكِتابةِ وَالْقِراءَة، وَحِفْظَ وَاسْتِظْهارَ آياتِ الذِّكْرِ الْحَكيم. كانَ يوقِظُني في الصَّباحِ الْباكِرِ، وَهُوَ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ صَلاةَ الْفَجْر. لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ هَيِّنا عَلى طِفْلٍ في حاجَةٍ لِلنَّوْمِ، خاصَّةً عِنْدَما يَكونُ الْفصْلُ شِتاءً، بِحَيْثُ يَكونُ تَوْقيتُ صلاةِ الْفَجْرِ في عِزِّ الظُّلْمَةِ وَالزَّمْهريرِ وَالْأَمْطار.
كُنْتُ أَلْتَصِقُ بِتَلابيبِ أَبي، وَنَحْنُ نَقْصِدُ الْمَسْجِدَ الذَّي يَبْعُدُ عَنّا مَسافَةً دونَ الْكيلومترِ الْواحِد، في مَسْلَكٍ ضَيِّقٍ لا يَسْمَحُ بالتَّجاوُرِ مَشْيًا، كانَ الْخَوْفُ مِنَ الْأَشْباحِ الَّتي اسْتَوْطَنَتْ مُخَيِّلَتي بَعْدَ أَنْ تَسَرَّبَتْ مِنْ حِكاياتِ الْجَدّات، وَكانَ هذا الْخَوْفُ يَزْدادُ كُلَّما اقْتَرَبْنا مِنِ المَقْبَرَةِ الَّتي تُحيطُ بِالْجامِعِ مِنْ كُلِّ الْجِهات. كُنْتُ أرْتَجِفُ رُعْبًا، لِأًنًّني أَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَوْتى يَشْخَصونَ بِعُيونِهِمْ في جَسَدي الْغَضِّ الصَّغير، وَالْمانِعُ مِنْ إِلْحاقِ الْأَذى بي هُوَ أَنَّ أَبي حامِلٌ في صَدْرِهِ كَلامَ اللهِ الْحافِظ مِنْ كُلِّ مَكْروه.
يَأْتي أَطْفالٌ آخَرونَ مَعَ آبائِهِم، مِنْهُمْ مَنْ يَتَثاءَبُ مُغالِبًا النُّعاسَ الْمكَدَّسَ بِشَكْلٍ مَلْحوظٍ عَلى الْجُفونِ، وَالبَعْضُ الْآخرُ أَكْثَرُ شَقاءً لِأَنَّ مَساكِنَهُمْ بَعيدَةٌ عَنِ الْمَسْجِد. مِنْ لَحَظاتِ الْخَوْفِ الشَّديدِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فَزَعًا حَقيقِيًّا، هُوَ عِنْدَما يُكَلِّفُنا الفَقيهُ في الغَبَشِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّباحِ بِالْإِتْيانِ بِبَعْضِ اليابِسِ مِنَ الْحَشائِشِ، أَيْ مِنْ فَوْقِ القُبورِ المتَواجِدَةِ في عَتَبَةِ المسْجِد. يَضَعُها بِإِتْقانٍ تَحْتَ كَوْمَةٍ مِنْ قِطَعِ الْخَشَبِ، ثُمَّ يُشْعِلُ النّارَ في الْمَوْقِدِ الَّذي تَتَواجَدُ فَوْقَهُ آنِيَّةٌ نُحاسِيّةٌ كَبيرَةٌ مَمْلوءَةٌ بِالماءِ السّاخِنِ الضّروريِّ لِلْمصَلِّينَ مِنْ أَجْلِ الوُضوء، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتاجُ إِلى الْوُضوءِ الْأَكْبَرِ، فَيَتِمُّ الاغْتِسالُ في بُيوتاتٍ صَغيرَةٍ مُسَخَّرَةٍ لِهذا الْأَمْر.
يَكْتُبُ الْفَقيهُ لْكُلِّ تِلْميذٍ (أَمَحْضارْ)، حَسَبَ مُسْتَواه، لَوْحَه، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَظْهِرَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ قَبْلَ شُروقِ الشَّمْسِ: مَوْعِدُ الذَّهابِ إِلى الْمنازِلِ لِتَناوُلِ وَجْبَةِ الفُطور، وَالْعَوْدَةُ مَرَّةً أُخْرى إِلى الكُتّابِ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ لَوْحٍ آخر، وَمَنْ لَمْ يَفْلَحْ يُحْرَمُ مِنَ الْفُطورِ كَعِقابٍ لَهُ، بِحَيْثُ لا يُسْمَحُ لَهُ بِالذَّهابِ إِلى بَيْتِهِ.
هذِهِ الْأَلْواحُ نَقومُ بِطَلْيِها بِالصَّلْصالِ المتَواجِدِ في الْبِئْرِ المُجاوِرَةِ للمَسْجِد، ثُمَّ تُتْرَكُ بَعْضَ الْوَقْتِ لِتَجِفَّ، بَعْدَها يَكْتُبُ الْفَقيه بِقَلَمِ الْقَصَبِ والسَّمْخِ بَعْضًا مِنَ الْآياتِ، وَهُوَ يَعْرِفُ مُسْتَوى كُلِّ طِفْل، وَأَثناءَ الْحِفْظِ الْجَماعي يُراقِبُ الفَقيهُ كُلَّ الْأَطْفال، وَمَنْ شَرُدَ عَنْ لَوْحِهِ نَبَّهَهُ ِ شَفَهِيًّا، وَإِنْ تَمادى في سَهْوِهِ نَزَلَ على رَأْسِهِ الْحَليقِ بِضَرْبَةِ خاطِفَةٍ، وَسيلَتُهُ في ذلكَ عَصًا دَقيقَةٌ لَيِّنَةٌ طَويلَةٌ بِإِمْكانِها أَنْ تَصِلَ أَيَّ رَأْسٍ بَيْنَ الْجَماعَةِ بِدونَ خَطَإٍ يُذْكَرُ، لِأَنَّ الفَقيهَ راكَمَ تَجْرِبَةً في جَلْدِ الرُّؤوس.
في غِيّابِ الْمدْرَسَةِ في بَلْدَتِنا كانَ الْمَلاذُ الْوَحيدُ لِلتَّعَلُّمِ هُوَ الْكُتّاب. أَقْرَبُ مَدْرَسَةٍ توجَدُ عَلى نَحْوِ سَبْعَةِ كيلومِتْراتٍ بِقَرْيَةِ واوِيزَغْتْ، ولا أَحَدَ مِنَ الْآباءِ أَقْدَمَ عَلى إِلْحاقِ طِفْلِهِ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ لِطولِ الْمَسافَةِ وَصِغَرِ السِّن، وَيَزْدادُ الأَمْرُ خُطورَةً في مَوْسِمِ الشِّتاءِ وَالرُّعودِ والسُّيولِ الْجارِفَةِ وَقَسْوَةِ الْأَنْواء.
في مَطْلَعِ السَّتّينِيّات شُيِّدَتْ مَدْرَسةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وَهي مُلْحَقَةٌ بِمَجْموعَةِ مَدارِسِ بَيْنَ الْويدانْ. تَتَكَوَّنُ مِنْ فَصْلَيْنِ مُرَبَّعَيْنِ كَبيرَيْن، وَعَلى جانِبِ كُلٍّ مِنْهُما غُرْفَةٌ مُسْتَطيلَةٌ، واحِدَةٌ يَقْطُنُ فيها مُعَلِّمٌ أَوْ مُعَلِّمان، وَالثّانِيَّةُ فَضاءٌ مَفْتوحٌ يَأْوي التَّلاميذَ في انْتِظارِ الالْتِحاقِ بِالفَصْلِ خاصَّةً في فَصْلِ الشِّتاء، أَمّا أَيّام اشْتِدادِ الْحَرارَةِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَظِلّونَ بِالشَّجَرَةٍ الْوارِفَةِ الظِّلالِ الْمتَواجِدَةِ في عَيْنِ الْمَكان.
التَحَقْتُ كَباقي أَطْفالِ بَلْدَةِ أَيْتْ حَلْوانْ وَبَلْدَةِ أَيْتْ عْلي أُمْحَنْدْ بِالمَدْرَسَةِ، وَمِنّا مَنْ تَجاوَزَ سِنَّ التَّمَدْرُسِ بِسَنَواتٍ عِدَّةٍ. كانَ كُلُّ شَيْءٍ جَديدًا، بِحَيْثُ انْخَرَطْنا في حَياةٍ مَدْرَسِيَّةٍ مُدْهِشَةٍ غَيَّرَتْ كَثيرًا مِنْ عاداتِنا وَسُلوكِيَّاتِنا، بَدْءًا بِالْانضِباطِ في الصَّفِّ، وَتَحِيَّةِ الْعَلَمِ، وَنَظافَةِ الْبَدَنِ وَالْملْبَسِ، وَتَعَلُّمِ الُّلغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ الُّلغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، بِالْإِضافَةِ إِلى فَضاءِ التَّمَدْرُسِ الْمُزَيَّنِ بِصُوَرٍ زاهِيَةِ الْأَلْوانِ لِمَناظِرِ الطَّبيعَةِ وَمُخْتَلَفِ الْحَيَواناتِ والطُّيور، وَأَعْلى السَّبّورةِ صورَةٌ لِمُحَمَّدِ الْخامِسِ وَأُخْرى لِابْنِهِ الْحَسَنِ الثّاني. عَلى الْمُسْتَوى الْبَصَري دائِمًا أَثارَتْ انْتِباهَنا، في زاوِيَّةٍ قريبًا مِنْ مَكْتَبِ مُعَلِّمِنا، وَرَقَةٌ كَبيرَةٌ مِنَ الْوَرَقِ الْمُقَوّى مُرَبَّعَةٌ، مَليئَةٌ عَنْ آخِرِها بِمُرَبَّعاتٍ وَمُسْتَطيلاتٍ مَكْتوبَةٌ فيها بِخَطٍّ صَغيرٍ أَشْياءُ لَمْ نَتَبَيَّنْها، لِأَنَّ لا أَحَدَ مِنّا يَجْرُؤُ عَلى الاقْتِرابِ مِنْها، لِأَنَّها بِمَثابَةِ لُغْزٍ لا نَعْرِفُ سِرَّ تَواجُدِها، وَحِرْصِ الْمُعَلِّمِ عَلَيْها، هِيَ وَأَوْراقٌ أَصْغَرُ مِنْ ذاتِ الْوَرَقِ الْمُقَوّى، بِحَيْثُ غَلَّفَها بِبْلاسْتيكٍ شَفّافٍ حَتّى لا تَتَّسِخَ أَوْ يَعْلوها الْغُبارُ. عَلِمْنا فيما بَعْدُ، عِنْدَما غادَرْنا تِلْكَ الْمَرْحَلَة، أَنَّ تِلْكَ الْأَوْراقَ تَتَعَلَّقُ بِالسَّبّورَةِ المرْجِعِيَّةِ، وَتَشْمَلُ التَّوْزيعَ السَّنَوِيَّ لِلدُّروسِ، وَالتَّوْزيعَ الشَّهْرِيَّ ثمَّ الْجَدْوَلَ الدِّراسيَّ، وَأَخيرًا لائِحَة الْمَحْفوظاتِ وَالْأَناشيد.
كُنّا كَمَن انْتَقَلَ مِنْ عالَمِ الْبَداوَةِ الْخالِصِ إِلى عالَمٍ يَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَمّا كُنّا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، أَصْبَحَتْ لَدَيْنا وِزْرَةٌ وَمِحْفَظَةٌ فيها الدَّفاتِرُ الزّاهِيَّةُ بِأَغْلِفَتِها الْمخْتَلِفَةِ الْأَلْوانِ والطَّباشيرُ وَالْأَقْلامُ الْمُلَوَّنَةُ وَالّلوحُ الْأَسْوَدُ الصَّغيرُ (الَّذي نَحْرِصُ أَلّا يَنْكَسِرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كَأَلْواحِ الْقَصْديرِ وَالْبْلاسْتيكِ الَّتي جاءَتْ فيما بَعْدُ)، بِالْإِضافَةِ إِلى كِتابِ اِقْرَأْ لِأَحْمَد بوكَماخْ، الَّذي أَدْهَشَنا أَيَّما إِدْهاشٍ، لِأَنَّهُ يَبْدو لَنا، وَنَحْنُ أَبْعَد ما يَكونُ عَنْ عَوالِمِهِ، كَما لَوْ أَنَّهُ جاءَ مِنْ زَمَنٍ آخَرَ غَيْرِ زَمَنِنا.
انقر
هنا
لقراءة الخبر من مصدره.
مواضيع ذات صلة
دفاتر الطفولة : محمد بوجبيري: وُجودٌ كادَ أَلّا يَكون
محمد حلمي: الشاعر منشد الحرية
حوار محمَّد حلمي الرِّيشة: الشَّاعرُ مُنشِدُ الحريَّةِ الأَبديِّ..
آمال عوّاد رضوان تحاورُ الشاعرة والرّوائيّة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
بريس تطوان في حوار مع الشاعر الكبير محمد حلمي
أبلغ عن إشهار غير لائق