الركراكي .. الجماهير المغربية كانت لاعبنا رقم 12 أمام الكاميرون    دياز يدخل تاريخ كأس أمم إفريقيا بإنجاز غير مسبوق    الركراكي: الفوز على الكاميرون تاريخي والجمهور كان لاعبنا رقم 12    الرباط تحتضن اللقاء الثلاثي السنوي والدوري بين المدراء العامين للشرطة بالمغرب وإسبانيا وألمانيا    المعارضة ليست نقيضا للوطنية    طنجة.. حريق منزل بحي المصلى يُسفر عن إصابة سيدة باختناق    كأس أمم إفريقيا 2025: المغرب يهزم الكاميرون ويبلغ نصف النهائي عن جدارة    السنغال أول المتأهلين لنصف النهاية بعد فوزه على مالي    تقاطع السيادتين الترابية والديمقراطية في مغرب الحكم الذاتي    غضب المحامين يشل محاكم المغرب    الصيد الساحلي يتراجع.. 10.1 مليار درهم إيرادات سنة 2025 بانخفاض 4٪    تشكيلة "أسود الأطلس" للقاء الكاميرون    أكثر من 50 قتيلا خلال احتجاجات إيران    تقلبات جوية مرتقبة بالمغرب .. أمطار وثلوج منتصف الأسبوع المقبل    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الارتفاع    العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا    فخر للمغرب.. البروفيسور رضوان أبوقل عضواً في الأكاديمية الوطنية للطب بفرنسا    العثور على جثة متحللة داخل بالوعة للصرف الصحي بالناظور    صافرة موريتانية لموقعة المغرب والكاميرون في ربع نهائي "الكان"    مزراوي ضد مبويمو.. صدام بين نجمي مانشستر يونايتد بنكهة إفريقية خالصة    السطي يستفسر الحكومة حول توقف صرف أجور مستخدمي المجلس الوطني للصحافة    "البام" ينتقد "تبخيس" جهود البرلمانيين وينوه بلجوء المعارضة للمحكمة الدستورية    مطارات المغرب تستقبل 36.3 مليون مسافر في 2025 بارتفاع 11%    مباريات "الكان" تستنفر الأمن الفرنسي    ترامب يؤكد أن الشركات النفطية ستستثمر 100 مليار دولار على الأقل في فنزويلا    الرياضة تضاهي العلاج النفسي في مكافحة الاكتئاب    إيضن يناير 2976 : أكادير تحتفي بالثقافة الأمازيغية    مجلس حكومي يجدد الثقة في بوشتى المومني رئيسًا لجامعة عبد المالك السعدي بتطوان.    الأندلس.. بوتقة تسامح وتلاقح ثقافي فريد في تاريخ الشعوب    ارتفاع قتلى الاحتجاجات في إيران إلى 42 شخصا    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    الحزن يتجدد في بيت المطربة اللبنانية فيروز    أسعار النفط تسجل ارتفاعا لليوم الثاني على التوالي    المركز التقني للحبوب الزيتية بمكناس: رؤية جماعية جديدة لتعزيز هيكلة القطاع    مديونة.. تواصل حملة إيواء ورعاية المتضررين من موجة البرد    كيوسك الجمعة | بنك المغرب يرسم خارطة طريق لرقمنة الخدمات المالية ودعم المقاولات    حرائق غابات تجتاح جنوب شرق أستراليا جراء موجة حرّ    ترامب يرفض العفو عن المغني بي ديدي المتابع بتهمة الاعتداء الجنسي    وقفة احتجاجية لمهنيي الصحة ببني ملال بسبب تعثر تنفيذ اتفاق 23 يوليوز    الجيش الإسرائيلي يجدد قصفه الجوي والمدفعي على قطاع غزة    الكرة روحٌ وما تبقّى مُجرّد ثرثرة !    حميد بوشناق يطلق "موروكو أفريكا"... نشيد فني يوحّد المغرب وإفريقيا على إيقاع كان 2025    وزير خارجية فرنسا يحذر من "خطر" يهدد النظام السياسي الأوروبي    الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحمّل سلطات الرباط مسؤولية فاجعة انهيار منزل بحي العكاري    ستة أسباب رئيسية وراء الطفرة السياحية وتحطيم الأرقام القياسية ببلادنا    السدود المغربية تسجل مخزونا بملايير الأمتار المكعبة    توقيف شخص انتحل صفة وكيل الملك .. وحُجز بمنزله طوابع وملفات و500 مليون سنتيم    فيروز تفقد إبنها الأصغر بعد أشهر من وفاة نجلها زياد    افتتاح فعاليات المعرض الوطني الكبير بالرباط.. محطة تأمل في ستة عقود من الإبداع التشكيلي المغربي    مدينة أكادير تحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة على إيقاع أجواء احتفالية متنوعة وتذوق أطباق تقليدية    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ألف.. باء..
نشر في بيان اليوم يوم 19 - 04 - 2021


مبدعون يكتبون عن الطفولة والبدايات
ما أكثر المبدعين الذين نعرفهم.. نقرأ لهم، نقرأ عنهم.. أو نلتقي بهم في محافل ومنتديات ونستمع لأحاديثهم.. ونستمتع بالجلوس والإنصات إليهم.. لكن، غالبا ما نجهل حكاياتهم الأولى وظروف نشأتهم وملابسات ارتباطهم بالثقافة والأدب والإبداع… إلا من سجل أو دون ذلك صراحة أو ضمنيا في تصريحات صحفية أو من حاول النبش في "سوابقه" الشخصية فيما يشبه السيرة الذاتية..
في هذه السلسلة اليومية التي نقترحها على قرائنا الأعزاء خلال هذا الشهر الكريم، قمنا باستكتاب بعض مبدعينا وكتابنا لاختراق مساحات الصمت وملئها بمتون سردية تحتل أحياز مشوقة للبوح والحكي.. علنا نسلط بعض الأضواء على "عتمات" كانت مضيئة في زمنها وأفرزت شخصيات وتجارب وربما نماذج يقتدي بها القراء وعشاق الأدب والإبداع..
هذه زاوية، إذن، لتوثيق لحظات استثنائية من عالم الطفولة، تتعلق بالمرور من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة، عبر اللقاء الأول بعالم الكُتّاب أو المدرسة وبمختلف الحكايات المصاحبة: الدهشة الأولى في الفصل.. الانطباع الذي يخلفه المعلم أو "الفقيه" لدى التلميذ.. تهجي الحروف الأولى.. شغب الطفولة وأشكال العقاب المادية والمعنوية.. انتظار الأمهات أمام باب المدرسة.. زمن الريشة والدواة ولطخات الحبر في الأصابع وعلى الملابس والدفاتر.. مقررات الراحل بوكماخ الشهيرة، وغيرها من التفاصيل التي التقطتها تداعيات مبدعين مغاربة، والتي كانت البدايات الأولى التي قادتهم إلى ما هم عليه اليوم والتي بكل تأكيد، ستتحكم، قليلا أو كثيرا، في ما سيكونونه غدا.
إليكم بعضا مما اخترنا لكم من هذه الكتابات العاشقة..
الحلقة الثالثة
مع الشاعر محمد بوجبيري
وُجودٌ كادَ أَلّا يَكون
إعداد: زهير فخري
كانَ الْمجيءُ إِلى الْعالَمِ عَسيرًا، بَلْ كادَ أَلّا يَكون، لِأَنَّ الْوِلادَةَ في الْبَيْتِ اسْتَحالَتْ عَلى السَّيِّدَةِ الْوِالِدَة الّتي ظَلَّتْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ، وَقَبْضَتا يَدَيْها مَشْدودَتانِ بِقُوَّةٍ إِلى حَبْلٍ مُسْدَلٍ مِنَ السَّقْف، تَصْرُخُ بِدونِ جَدْوى. وَلَمّا تَيَقَّنَتِ الْمُوَلِّدَةُ لالَّة إِطُّو، ذاتُ التَّجْرِبَةِ الطَّويلَةِ في التَّوْليد، مِن اسْتِعْصاءِ الْوِلادَة وافَقَتْ عَلى أَنْ تُنْقَلَ أُمِّي عَلى وَجْهِ السُّرْعَةِ إِلى المسْتَشْفى الْمُتَواجِدِ بِبَيْنَ الْويدانْ الْخاصِّ أَصْلًا بالْفَرَنْسِيّينَ الْمُشْرِفينَ عَلى بِناءِ السَّدِّ، وَأُسَرِهِمْ، بِالْإِضافَةِ إِلى الْعامِلينَ في هذا الْمَشْروعِ الضَّخْمِ مِنَ الْمَغارِبَةِ الَّذين يَتَعَرَّضونَ لِحَوادِثِ الشُّغْلِ.
حَكَت جَدَّتي، الَّتي صاحَبتْ أُمّي لِمَسافَةٍ تُقَدَّرُ بِثَمانيةِ كيلومِتْراتٍ في سَيارةِ الْإسْعافِ (جيبْ) الَّتي كانَ يَقودُها سائِقٌ فَرَنْسِيٌّ بِسُرْعَةٍ فائِقَةٍ، أَنَّ وِلادَتي، الَّتي أَشْرَفَ عَلَيْها طَبيبٌ فَرَنْسي، تَمَّتْ بِفَضْلِ الْجِراحَةِ، وَبِمُساعَدَةِ مُوَلِّدَةٍ مِنْ ذاتِ الْجِنْسِيَّة. هذِهِ الْأَخيرَةُ أَمْسَكَتْني، بَعْدَ خُروجي إِلى الْوُجودِ، مِنْ قَدَمي، ثُمَّ قامَتْ بِغَطْسي في آنِيّةٍ مَليئَةٍ بْالْماءِ الْباردِ لِبرْهَةٍ خاطِفَةٍ، بَعْدَها تَمَكَّنْتُ مِنْ أَنْ أَصْرُخَ صَرْخَتي الْأولى، أَمّا أُمّي فَبَعْدَ أَنْ تأكَّدَتْ مِنْ أَنَّني حَيٌّ، اسْتَسْلَمَتْ لِنَوْمٍ عَميق، لأَنها لَمْ يُغْمَضْ لَها جَفْنٌ ثلاثَ لَيالٍ. كانَ ذلِكَ في مَطلَع الخَمْسينِيّاتِ مِنَ القَرْنِ الماضي (1953)، وَوِلادَتي تُقْرَنُ في الْوَسَطِ الْعائِلي بِانْتِهاء الْأَشْغالِ في السَّد.
وَأَنا طِفْلُ في غيابِ الضَّروريِّ، كَما الْآن، مِنْ أَيِّ تَلْقيح يُذْكَرُ، كُنْتُ، كَمَواليدِ ذلِكَ الزَّمانِ في الْمَغْرِبِ الْمهَمَّشِ الْعَميقِ، مُعَرَّضًا لِمُخْتَلَفِ الْأَمْراضِ، وَالْعلاجُ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ التَّداوي بالْأَعْشابِ وَالْكَيِّ، وَالتَّضَرُّعِ لِلْأَوْلياء، وَمَنْ تُساعِدُهُ مَناعَتُهُ يَعيش، وَمَنْ تَخُنْهُ يَموت. حَدَثَ ذلِكَ لي مَعَ أَخي صالَح. كِلانا لَمْ يَتَجاوَزْ سَبْعَ سَنواتٍ عِنْدَما أَلَمَّ بِنا مَرَضٌ عَويصٌ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الطِّبُّ الْمُتَداوَلُ مِنْ أَعْشابٍ، وَلا ما قَرَأَهُ الْأَبُ الفَقيهُ مِنْ آياتِ الذِّكْرِ الْحَكيمِ عَلى رَأْسَيْنا. لَمْ يَنْفَع الْكَيُّ الَّذي ضاعَفَ آلامَنا. لَمْ تَنْفَعْ زِيارَةُ الْأَوْلِيّاء. كُنّا نَتَقَيّأُ بِاسْتِمْرار، وَبَعْدَ أَيّامٍ نَهَضْتُ مِنْ ذاتِ الْفِراشِ الَّذي كُنْتُ فيهِ مَعَ أَخي، أَمّا هُوَ فَقَدْ غادَرَ إِلى دارِ الْبَقاءِ. بَكَتْ أُمّي كَثيرًا، وَاعْتَقَدَتْ أَنَّ الْعَيْنَ هِيَ الَّتي أَوْدَتْ بِحَياتِهِ، لِفَرْطِ وَسامَتِه، وَلَمْ يُخَفِّفْ مِنْ تَعاسَتِها وَأَحْزانِها غَيْرُ اعْتِقادِها أَنَّ طِفْلَها الْمُتَوَفّى سَيَكونَ طائِرًا مِنْ طُيورِ الْجَنَّة، كَما أَكَّدَ لَها الْآتونَ مِنْ الْمُتَنِ الصًّفْراء.
اِلْتَحَقْتُ، كَأَبْناء تِلْكَ الْحِقْبَةِ، بِالْكُتّاب في مَسْجِدِ الْبَلْدَة. كان أَبي في تِلْكَ الْفَتْرَةِ هُوَ الْفَقيهُ الَّذي يَؤُمُّ النّاسَ في الصَّلوات، وَيُعَلِّمُ الْأَطْفال أَبَجَدِيَّةَ الْكِتابةِ وَالْقِراءَة، وَحِفْظَ وَاسْتِظْهارَ آياتِ الذِّكْرِ الْحَكيم. كانَ يوقِظُني في الصَّباحِ الْباكِرِ، وَهُوَ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ صَلاةَ الْفَجْر. لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ هَيِّنا عَلى طِفْلٍ في حاجَةٍ لِلنَّوْمِ، خاصَّةً عِنْدَما يَكونُ الْفصْلُ شِتاءً، بِحَيْثُ يَكونُ تَوْقيتُ صلاةِ الْفَجْرِ في عِزِّ الظُّلْمَةِ وَالزَّمْهريرِ وَالْأَمْطار.
كُنْتُ أَلْتَصِقُ بِتَلابيبِ أَبي، وَنَحْنُ نَقْصِدُ الْمَسْجِدَ الذَّي يَبْعُدُ عَنّا مَسافَةً دونَ الْكيلومترِ الْواحِد، في مَسْلَكٍ ضَيِّقٍ لا يَسْمَحُ بالتَّجاوُرِ مَشْيًا، كانَ الْخَوْفُ مِنَ الْأَشْباحِ الَّتي اسْتَوْطَنَتْ مُخَيِّلَتي بَعْدَ أَنْ تَسَرَّبَتْ مِنْ حِكاياتِ الْجَدّات، وَكانَ هذا الْخَوْفُ يَزْدادُ كُلَّما اقْتَرَبْنا مِنِ المَقْبَرَةِ الَّتي تُحيطُ بِالْجامِعِ مِنْ كُلِّ الْجِهات. كُنْتُ أرْتَجِفُ رُعْبًا، لِأًنًّني أَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَوْتى يَشْخَصونَ بِعُيونِهِمْ في جَسَدي الْغَضِّ الصَّغير، وَالْمانِعُ مِنْ إِلْحاقِ الْأَذى بي هُوَ أَنَّ أَبي حامِلٌ في صَدْرِهِ كَلامَ اللهِ الْحافِظ مِنْ كُلِّ مَكْروه.
يَأْتي أَطْفالٌ آخَرونَ مَعَ آبائِهِم، مِنْهُمْ مَنْ يَتَثاءَبُ مُغالِبًا النُّعاسَ الْمكَدَّسَ بِشَكْلٍ مَلْحوظٍ عَلى الْجُفونِ، وَالبَعْضُ الْآخرُ أَكْثَرُ شَقاءً لِأَنَّ مَساكِنَهُمْ بَعيدَةٌ عَنِ الْمَسْجِد. مِنْ لَحَظاتِ الْخَوْفِ الشَّديدِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فَزَعًا حَقيقِيًّا، هُوَ عِنْدَما يُكَلِّفُنا الفَقيهُ في الغَبَشِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّباحِ بِالْإِتْيانِ بِبَعْضِ اليابِسِ مِنَ الْحَشائِشِ، أَيْ مِنْ فَوْقِ القُبورِ المتَواجِدَةِ في عَتَبَةِ المسْجِد. يَضَعُها بِإِتْقانٍ تَحْتَ كَوْمَةٍ مِنْ قِطَعِ الْخَشَبِ، ثُمَّ يُشْعِلُ النّارَ في الْمَوْقِدِ الَّذي تَتَواجَدُ فَوْقَهُ آنِيَّةٌ نُحاسِيّةٌ كَبيرَةٌ مَمْلوءَةٌ بِالماءِ السّاخِنِ الضّروريِّ لِلْمصَلِّينَ مِنْ أَجْلِ الوُضوء، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتاجُ إِلى الْوُضوءِ الْأَكْبَرِ، فَيَتِمُّ الاغْتِسالُ في بُيوتاتٍ صَغيرَةٍ مُسَخَّرَةٍ لِهذا الْأَمْر.
يَكْتُبُ الْفَقيهُ لْكُلِّ تِلْميذٍ (أَمَحْضارْ)، حَسَبَ مُسْتَواه، لَوْحَه، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَظْهِرَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ قَبْلَ شُروقِ الشَّمْسِ: مَوْعِدُ الذَّهابِ إِلى الْمنازِلِ لِتَناوُلِ وَجْبَةِ الفُطور، وَالْعَوْدَةُ مَرَّةً أُخْرى إِلى الكُتّابِ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ لَوْحٍ آخر، وَمَنْ لَمْ يَفْلَحْ يُحْرَمُ مِنَ الْفُطورِ كَعِقابٍ لَهُ، بِحَيْثُ لا يُسْمَحُ لَهُ بِالذَّهابِ إِلى بَيْتِهِ.
هذِهِ الْأَلْواحُ نَقومُ بِطَلْيِها بِالصَّلْصالِ المتَواجِدِ في الْبِئْرِ المُجاوِرَةِ للمَسْجِد، ثُمَّ تُتْرَكُ بَعْضَ الْوَقْتِ لِتَجِفَّ، بَعْدَها يَكْتُبُ الْفَقيه بِقَلَمِ الْقَصَبِ والسَّمْخِ بَعْضًا مِنَ الْآياتِ، وَهُوَ يَعْرِفُ مُسْتَوى كُلِّ طِفْل، وَأَثناءَ الْحِفْظِ الْجَماعي يُراقِبُ الفَقيهُ كُلَّ الْأَطْفال، وَمَنْ شَرُدَ عَنْ لَوْحِهِ نَبَّهَهُ ِ شَفَهِيًّا، وَإِنْ تَمادى في سَهْوِهِ نَزَلَ على رَأْسِهِ الْحَليقِ بِضَرْبَةِ خاطِفَةٍ، وَسيلَتُهُ في ذلكَ عَصًا دَقيقَةٌ لَيِّنَةٌ طَويلَةٌ بِإِمْكانِها أَنْ تَصِلَ أَيَّ رَأْسٍ بَيْنَ الْجَماعَةِ بِدونَ خَطَإٍ يُذْكَرُ، لِأَنَّ الفَقيهَ راكَمَ تَجْرِبَةً في جَلْدِ الرُّؤوس.
في غِيّابِ الْمدْرَسَةِ في بَلْدَتِنا كانَ الْمَلاذُ الْوَحيدُ لِلتَّعَلُّمِ هُوَ الْكُتّاب. أَقْرَبُ مَدْرَسَةٍ توجَدُ عَلى نَحْوِ سَبْعَةِ كيلومِتْراتٍ بِقَرْيَةِ واوِيزَغْتْ، ولا أَحَدَ مِنَ الْآباءِ أَقْدَمَ عَلى إِلْحاقِ طِفْلِهِ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ لِطولِ الْمَسافَةِ وَصِغَرِ السِّن، وَيَزْدادُ الأَمْرُ خُطورَةً في مَوْسِمِ الشِّتاءِ وَالرُّعودِ والسُّيولِ الْجارِفَةِ وَقَسْوَةِ الْأَنْواء.
في مَطْلَعِ السَّتّينِيّات شُيِّدَتْ مَدْرَسةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وَهي مُلْحَقَةٌ بِمَجْموعَةِ مَدارِسِ بَيْنَ الْويدانْ. تَتَكَوَّنُ مِنْ فَصْلَيْنِ مُرَبَّعَيْنِ كَبيرَيْن، وَعَلى جانِبِ كُلٍّ مِنْهُما غُرْفَةٌ مُسْتَطيلَةٌ، واحِدَةٌ يَقْطُنُ فيها مُعَلِّمٌ أَوْ مُعَلِّمان، وَالثّانِيَّةُ فَضاءٌ مَفْتوحٌ يَأْوي التَّلاميذَ في انْتِظارِ الالْتِحاقِ بِالفَصْلِ خاصَّةً في فَصْلِ الشِّتاء، أَمّا أَيّام اشْتِدادِ الْحَرارَةِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَظِلّونَ بِالشَّجَرَةٍ الْوارِفَةِ الظِّلالِ الْمتَواجِدَةِ في عَيْنِ الْمَكان.
التَحَقْتُ كَباقي أَطْفالِ بَلْدَةِ أَيْتْ حَلْوانْ وَبَلْدَةِ أَيْتْ عْلي أُمْحَنْدْ بِالمَدْرَسَةِ، وَمِنّا مَنْ تَجاوَزَ سِنَّ التَّمَدْرُسِ بِسَنَواتٍ عِدَّةٍ. كانَ كُلُّ شَيْءٍ جَديدًا، بِحَيْثُ انْخَرَطْنا في حَياةٍ مَدْرَسِيَّةٍ مُدْهِشَةٍ غَيَّرَتْ كَثيرًا مِنْ عاداتِنا وَسُلوكِيَّاتِنا، بَدْءًا بِالْانضِباطِ في الصَّفِّ، وَتَحِيَّةِ الْعَلَمِ، وَنَظافَةِ الْبَدَنِ وَالْملْبَسِ، وَتَعَلُّمِ الُّلغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ الُّلغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، بِالْإِضافَةِ إِلى فَضاءِ التَّمَدْرُسِ الْمُزَيَّنِ بِصُوَرٍ زاهِيَةِ الْأَلْوانِ لِمَناظِرِ الطَّبيعَةِ وَمُخْتَلَفِ الْحَيَواناتِ والطُّيور، وَأَعْلى السَّبّورةِ صورَةٌ لِمُحَمَّدِ الْخامِسِ وَأُخْرى لِابْنِهِ الْحَسَنِ الثّاني. عَلى الْمُسْتَوى الْبَصَري دائِمًا أَثارَتْ انْتِباهَنا، في زاوِيَّةٍ قريبًا مِنْ مَكْتَبِ مُعَلِّمِنا، وَرَقَةٌ كَبيرَةٌ مِنَ الْوَرَقِ الْمُقَوّى مُرَبَّعَةٌ، مَليئَةٌ عَنْ آخِرِها بِمُرَبَّعاتٍ وَمُسْتَطيلاتٍ مَكْتوبَةٌ فيها بِخَطٍّ صَغيرٍ أَشْياءُ لَمْ نَتَبَيَّنْها، لِأَنَّ لا أَحَدَ مِنّا يَجْرُؤُ عَلى الاقْتِرابِ مِنْها، لِأَنَّها بِمَثابَةِ لُغْزٍ لا نَعْرِفُ سِرَّ تَواجُدِها، وَحِرْصِ الْمُعَلِّمِ عَلَيْها، هِيَ وَأَوْراقٌ أَصْغَرُ مِنْ ذاتِ الْوَرَقِ الْمُقَوّى، بِحَيْثُ غَلَّفَها بِبْلاسْتيكٍ شَفّافٍ حَتّى لا تَتَّسِخَ أَوْ يَعْلوها الْغُبارُ. عَلِمْنا فيما بَعْدُ، عِنْدَما غادَرْنا تِلْكَ الْمَرْحَلَة، أَنَّ تِلْكَ الْأَوْراقَ تَتَعَلَّقُ بِالسَّبّورَةِ المرْجِعِيَّةِ، وَتَشْمَلُ التَّوْزيعَ السَّنَوِيَّ لِلدُّروسِ، وَالتَّوْزيعَ الشَّهْرِيَّ ثمَّ الْجَدْوَلَ الدِّراسيَّ، وَأَخيرًا لائِحَة الْمَحْفوظاتِ وَالْأَناشيد.
كُنّا كَمَن انْتَقَلَ مِنْ عالَمِ الْبَداوَةِ الْخالِصِ إِلى عالَمٍ يَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَمّا كُنّا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، أَصْبَحَتْ لَدَيْنا وِزْرَةٌ وَمِحْفَظَةٌ فيها الدَّفاتِرُ الزّاهِيَّةُ بِأَغْلِفَتِها الْمخْتَلِفَةِ الْأَلْوانِ والطَّباشيرُ وَالْأَقْلامُ الْمُلَوَّنَةُ وَالّلوحُ الْأَسْوَدُ الصَّغيرُ (الَّذي نَحْرِصُ أَلّا يَنْكَسِرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كَأَلْواحِ الْقَصْديرِ وَالْبْلاسْتيكِ الَّتي جاءَتْ فيما بَعْدُ)، بِالْإِضافَةِ إِلى كِتابِ اِقْرَأْ لِأَحْمَد بوكَماخْ، الَّذي أَدْهَشَنا أَيَّما إِدْهاشٍ، لِأَنَّهُ يَبْدو لَنا، وَنَحْنُ أَبْعَد ما يَكونُ عَنْ عَوالِمِهِ، كَما لَوْ أَنَّهُ جاءَ مِنْ زَمَنٍ آخَرَ غَيْرِ زَمَنِنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.