تحرير جميع الرهائن في كنيس يهودي في تكساس ومقتل المهاجم    خليلوزيتش يريح أبرز نجوم المنتخب في لقائه مع الغابون    بيت ميكري.. ومنهجية تمييز الحكومة بين الفنانين والعلماء    القضاء الأسترالي يقرر ترحيل ديوكوفيتش    دستور تونس وكتب دينية.. هذا ما وجده الأمن بمنزل مرتكب جريمتي تيزنيت وأكادير    بعد التعذيب والإهمال.. مقتل 3 مغاربة داخل مركز احتجاز في ليبيا    مركب طبي جديد متعدد التخصصات يرى النور بسلا    قرار جديد.. سحب تسجيل مخالفات السير من رجال الأمن والدرك في هذه الحالات    ثقافة الإعتراف و طغيان سلطة المال    طائرة مسيرة تخلف أربعة قتلى وجرحى في صفوف البوليساريو    كأس أمم إفريقيا…مصر تفوز على غينيا بيساو بهدف دون رد    سالى فيلم يوكوڤيتش. المحكمة ايدات قرار الحكومة ولغات تأشيرتو ودابا غادي يترحل    مساءلة التوفيق عن الأجور الزهيدة وحقوق العاملين بالمساجد    دون تأشيرة.. جواز السفر المغربي يسمح بالسفر إلى 64 وجهة دولية    عزوف كبير طبع زيارة دي ميستورا إلى مخيمات تندوف والمحتجزين لم يستجبوا لنداءات قيادة العصابة     هذه توقعات أحوال الطقس لليوم الأحد بأقاليم المملكة    ميراوي يعقد اجتماعا بشأن مساهمة الجهات في تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي    كورونا يتسبب في إغلاق ثانوية الزرقطوني بمراكش    آيت إيدر: لا يمكن إلا أن نكون ضد التطبيع    رجال ونساء التعليم يستغربون للتأخر "غير المفهوم" في صرف مستحقاتهم الخاصة بالترقية.    مسؤول بوزارة الصحة يتحدث عن انتهاء موجة كوفيد الجديدة بالمغرب    اتهام شركتي "غوغل" و"ميتا " بعقد اتفاق ينافي المنافسة الحرة في سوق الإعلانات    مراهق عربي.. ضحية أول جريمة قتل هذا العام في كندا    "أوميكرون" وغير الملقحين.. دراسة تنسف المعتقد السائد    وزير الدفاع يطلب رأي دار الإفتاء في ضم أول دفعة من النساء إلى الجيش الكويتي    ضدا في الإجماع الوطني.. الصيدلاني لحبابي يستغل جائحة كورونا للضغط على وزير الصحة لتلبية مطالب أسياده    نفوق ما يقرب من 500 ألف طير من الدواجن ببوركينافاسو بسبب "انفلونزا الطيور"    حمضي يزف خبرا مبشرا ويطالب السلطات بفتح الحدود    المنتخب المغربي يرتقي في تصنيف للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"    واشنطن توافق على اتفاقية لتوريد غاز إسرائيلي إلى لبنان    الوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجيستيكية تستعرض حصيلة إنجازاتها برسم سنة 2021    مرض و"تعنيف" وإفلاس.. معاناة مغاربة عالقين تتواصل بموريتانيا    الحادثة التي هزت الكاميرون : "صامويل إيتو" ينجو من حادث مرور مميت    أفورار: شارك فيها 84 شخصا.. حملة للتبرع بالدم بتنسيق مع المركز الجهوي لتحاقن الدم    رياضة .. إلغاء بطولة العالم للرماية الرياضية المقررة شهر فبراير القادم بالرباط جراء فيروس كورونا ( جامعة)    الفيلم الأمريكي "الملك ريتشارد: عائلة فائزة ".. سياقات العزم وخيبات الأمل    حدث في مثل هذا اليوم من التاريخ الإسلامي.. في 15 يناير..    ما أعراض الزوائد اللحمية في الأنف؟ وهل يمكن أن تسبب أمراضا مزمنة؟    هولندا تخفف القيود المفروضة على مكافحة الكوفيد    فيروس "كورونا" يصيب بنكيران وهذا جديد وضعه الصحي    أسطورة التنس كريس إيفرت تعلن إصابتها بالسرطان    فرنسا: عشرات ال0لاف يحتجون ضد التصاريح الصحية والتطعيم الإجباري.    محمادي توحتوح يوجه سؤالا الى وزير العدل حول الاستيلاء على عقارات الغير باقليم الناظور    الدبلوماسية الجزائرية تستبق زيارة دي ميستورا إلى موريتانيا    كورونا تتسبب في إلغاء مهرجان فني بالدار البيضاء    بعد تشييع جنازة حلاقه القديم.. ابن كيران يصاب بفيروس كورونا    سكيتش فكاهي حول مسيرة الفنان زهير بهاوي...في "رشيد شو"    الرياح والأمطار تتسبب في إلغاء حفل صاخب لفرقة كورية بالعاصمة السعودية    "ميناء الناظور غرب المتوسط" يعمق أزمة الموانئ الاسبانية    جودة خدمات الصحة .. آراء الأسر تحسنت سنة 2021 (مندوبية التخطيط)    الوزير بنسعيد يستقبل الإخوان ميكري    أسعار بيع الخضر واللحوم والقطاني بالتقسيط بجهة البيضاء ليوم السبت    المغرب يشرع في انتاج الغاز المكتشف بالعرائش في هذا الموعد    'أحرار' تتعرض للتهديد والابتزاز وتنصح الضحايا باللجوء إلى القضاء دون خوف    التحويل الكهربائي.. بدء تشغيل محطتين جديدتين بالصويرة والنواصر    شاهدوا إعادة حلقة الجمعة (433) من مسلسلكم "الوعد"    عبقرية الشيخ عبد العزيز الطريفي    الأمثال العامية بتطوان.. (26)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مأساة بوتفليقة... الأقرب إلى مأساة الجزائر
نشر في بيان اليوم يوم 20 - 09 - 2021

لم يكن عبد العزيز بوتفليقة شخصية سياسية جزائرية عادية. بل هو، بعد هواري بومدين مؤسس النظام الأمني – العسكري القائم منذ خريف العام 1965، ثاني أهم شخصية في تاريخ الجزائر الحديث منذ استقلاها في العام 1962. يكفي أن مرضه في العام 2013 وتحوله إلى رئيس مقعد لا يستطيع حتى الكلام، كشف عمق الأزمة التي يمر فيها النظام الجزائري... بل الجزائر نفسها.
أمضى بوتفليقة عشرين عاما رئيسا للجمهورية في بلد ما زال يبحث منذ الاستقلال عن أدوار تتجاوز حدوده من أجل التغطية على أزماته الداخلية التي لن يستطيع الخروج منها يوما في غياب تغيير جذري في تركيبة النظام. لن يستطيع ذلك نظرا إلى أن النظام الذي أسسه هواري بومدين كان، ولا يزال، نظاما غير قابل للحياة على الرغم من أن بوتفليقة نجح في مرحلة معينة، من موقع وزير الخارجية، في تلميع صورته في العالم. كان بوتفليقة طوال سنوات الوجه المضيء للجزائر، على الرغم من كل الأدوار السلبية التي لعبها، خصوصا في ما يخص قضية الصحراء المغربية، وهي قضية مفتعلة تعكس في جانب منها أزمة النظام البومديني الذي لا يزال قائما إلى اليوم. قد يكون ذلك عائدا إلى العقدة التي تملّكت بوتفليقة نظرا إلى أنه ولد في المغرب وليس في مكان آخر.
توفّى بوتفليقة، الذي أبصر النور في مدينة وجدة المغربية القريبة من الحدود الجزائرية ومن مدينة تلمسان التي أتت منها عائلته، عن 84 عاما. عرف بوتفليقة حلو الحياة ومرها، بما في ذلك النفي والملاحقة القضائية. أمضى سنوات عدة بين جنيف وباريس وأبوظبي بعد رفع قضايا قانونية ضده وصدور أحكام في حقه في عهد الشاذلي بن جديد الذي امتد من 1979 إلى 1992.
عاش بوتفليقة حياة سياسية طويلة في ظل هواري بومدين الذي جعل منه وزير خارجيته. في الواقع من عين بوتفليقة وزيرا للخارجية في العام 1963، كان أحمد بن بلّة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال. كانت إقالة بن بلة لبوتفليقة بين الأسباب المعلنة للانقلاب الذي نفّذه بومدين في تشرين الثاني – نوفمبر 1965 ليصبح رئيسا ومهيمنا على كلّ مفاصل السلطة في الجزائر، عبر المؤسّسة العسكريّة وأجهزتها الأمنيّة... والدولارات التي مصدرها النفط والغاز. استخدمت هذه الدولارات في خدمة الدبلوماسيّة الجزائرية والترويج لشعارات من النوع المضحك المبكي عن التحرّر من الاستعمار وحقّ تقرير المصير للشعوب. حدث ذلك كلّه في وقت، كانت الجزائر تعيش في ظلّ نظام ستاليني (نسبة إلى ستالين) والانتقال من فشل إلى آخر في كلّ مجال من المجالات، بدءا بالزراعة والصناعة وانتهاء بالتعليم والتعريب.
لم يكتشف بوتفليقة الذي عاش في عالم خاص به، عالم وزارة الخارجيّة والدور الجزائري في المنطقة والعالم، طبيعة النظام الجزائري إلّا بعد فوات الأوان. كان يعتبر نفسه بعد وفاة بومدين في أواخر العام 1978، الخليفة الشرعي للرئيس الراحل. فوجئ بأنّ الجيش وأجهزته هو من يقرّر من سيكون الرئيس المقبل. اختار الجيش الشاذلي بن جديد ليخلف بومدين بصفة كونه الأقدم في حمل رتبة عقيد بين الضباط.
كان على بوتفليقة الانتظار سنوات طويلة قبل إعادة الاعتبار إليه. رفض في البداية شروط المؤسسة العسكريّة التي عرضت عليه الرئاسة في العام 1995. لم يكن بعد مستعدا لصفقة مع العسكر والأجهزة الأمنيّة، لكنّه عاد وغيّر رأيه في أواخر العام 1998 كي ينتخب رئيسا في نيسان – أبريل 1999 خلفا لليمين زروال الذي فضّل الاستقالة على البقاء رئيسا.
أمضى بوتفليقة عشرين عاما رئيسا. من أهمّ الإيجابيات التي تميّز بها عهده الطويل تحقيق المصالحة الوطنيّة وذلك بعد عشر سنوات من الحروب الداخلّيّة التي بدأت في تشرين الأوّل – أكتوبر العام 1988 لدى انتفاض الجزائريين على حكم الشاذلي بن جديد. أخذت الأحداث بعدا آخر أكثر خطورة بعد الانقلاب العسكري الذي أزاح بن جديد عن الرئاسة مطلع العام 1992 إثر تجاوبه مع فوز الإسلاميين في الانتخابات العامة.
تكمن مأساة عهد بوتفليقة، وهي مأساة جزائرية بامتياز، في أنه بقي رئيسا طوال ست سنوات، بين 2013 و2019 على الرغم من عجزه عن ممارسة مهماته إثر إصابته بجلطة في الدماغ. وجد من يشغل موقع الرئيس مكانه. في الواقع وجدت مجموعة، على رأسها شقيقه سعيد، تمارس دور رئيس الجمهورية بغطاء وفّره الجيش ممثلا بالراحل أحمد قايد صالح. عندما وجد الجيش أن ورقة بوتفليقة لم تعد صالحة، أجبره على الاستقالة في أبريل 2019 ومنعه من الترشّح لولاية خامسة مستوعبا بذلك الغضب الشعبي. أتت المؤسسة العسكرية برئيس مطيع هو عبد المجيد تبّون لا يمتلك أيّ شرعيّة من أيّ نوع ليكون واجهة جديدة لها.
لعب الجنرال المتقاعد العربي بلخير في العام 1998 دورا كبيرا في إيجاد تسوية بين بوتفليقة والمؤسسة العسكرية مهدت لانتخاب الأول رئيسا في 1999 بعد استبعاد مسبق لمنافسيه. كان في مقدم هؤلاء أحمد طالب الإبراهيمي وحسين آيت أحمد ومولود حمروش. ما ساعد بوتفليقة في السنوات الأولى من عهده ارتفاع سعر برميل النفط. مكن ذلك الجزائر من تسديد ديونها وبناء احتياطي من العملة الصعبة. لكن أمرين لم يتغيرا هما الفشل المستمر في بناء قاعدة اقتصادية قوية مستقلّة عن النفط والغاز من جهة والتمسك بوهم القوة الإقليمية من جهة أخرى.
هذان الأمران اللذان لم يتغيرا، إلى الآن، يمثلان ما تؤمن به المؤسسة العسكرية الحاكمة في الجزائر التي استفادت من عبد العزيز بوتفليقة كي تعيد تأهيل نفسها. قبض بوتفليقة ثمن الغطاء الذي وفّره للمؤسسة العسكرية التي كانت في حاجة ماسة إليه في مرحلة معيّنة، لكنه سقط في امتحان الانسحاب من السلطة عندما تحوّل إلى رجل عاجز. انتهى نهاية لا يستحقها بعدما صار أسيرا لمحيطين به، بل رهينة لديهم. على رأس هؤلاء شقيقه سعيد، وكان بين الذين اعتقدوا أن عبدالعزيز بوتفليقة شخص لا يمكن الاستغناء عنه حتّى لو كان مقعدا.
لم يدركوا أن مأساة هذا الرجل أقرب ما تكون إلى مأساة الجزائر التي يرفض النظام فيها الاعتراف بأنه في أزمة عميقة لا يخرجه منها الهرب إلى خارج الحدود الجزائرية.
خير الله خير الله *


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.