وزير التعليم يعد ب"صرف التعويضات" ويرفض إدماج التعليم الأولي.. FNE تسجل "المكاسب والمسكوت عنه".    جماعة اثنين اكلو اقليم تيزنيت: ازيد من ثلاث عقود من التسيير…تنمية مؤجلة واختلالات تتكرر    صحيفة إسبانية: تطوان، مدينة عتيقة حاملة لإرث الأندلس    المديرية العامة للأمن الوطني تنظم دورة تكوينية في مجال التدريب على الكلاب المديرية للشرطة    هكذا تكلّم شهريار في مجموعة حميد البقالي القصصية    الجيش الملكي يضع قدماً في نهائي دوري أبطال إفريقيا بفوز ثمين على نهضة بركان    الدريوش تخطط لتمديد مبادرة "الحوت بثمن معقول" على مدار السنة وليس رمضان فقط    استضافة جامعة ابن طفيل ل"سي مهدي" في موسم الامتحانات تشعل جدلا واسعا    بعشرة لاعبين... أولمبيك آسفي يصمد أمام اتحاد العاصمة ويعود بتعادل ثمين    ترويج المؤثرات العقلية والمخدرات يطيح بخمسيني بالعرائش    برشلونة يحسم الديربي ويلامس التتويج    إقبال قياسي يفوق 5000 زائر في اليوم الأول... معرض طنجة للسيارات يحقق نجاحاً لافتاً    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    باركنسون في المغرب.. معركة يومية مع الألم تتجاوز العلاج إلى الفن والأمل    لبؤات الأطلس يقتحمن المركز 63 عالميا ويقفزن للمربع الذهبي إفريقيا في تصنيف "فيفا"    صوت المرأة    المملكة المتحدة.. تكريم العالم المغربي ميمون عزوز نظير إسهاماته البارزة في مجال العلاج الجيني    تراجع الإقبال يدفع "لارام" إلى إعادة تقييم الرحلات نحو الدوحة ودبي    آلام مرضى تزيد بسبب "انقطاع دواء"    قيمة "مازي" تزيد 5,32% في أسبوع    "هدنة عيد الفصح" توقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا ل32 ساعة    إطلاق الملتقى الوطني الأول للواحات بزاكورة وتوقيع اتفاقيات تنموية بمئات الملايين من الدراهم    حزب الاستقلال في لقاء تواصلي مع مناضلات ومناضلي الحزب ببني ملال    "الكونفدرالية": نجاح الحوار الاجتماعي مرتبط بالزيادة في الأجور والمعاشات وتخفيف العبء الضريبي على الأجراء        نشرة خاصة: زغات رعدية مع تساقط البرد والثلوج ورياح عاصفية السبت والأحد بعدد من مناطق المغرب    صحيفة "آس": ريال مدريد يقطع علاقاته مع الاتحاد الإسباني ويشكك في نزاهة المنافسة    القنصلية المغربية بالجزائر تؤازر أولمبيك آسفي    الحالة الصحية لمجتبى خامنئي المرشد العام لإيران لا تزال "حرجة" بعد اصابته بتشوهات في الوجه وبجروح في ساقيه    مسؤولون محليون يتابعون تقدم مشروع مركز لإيواء الحيوانات الضالة في سوس بكلفة 26 مليون درهم    سهام بنك يعمم مجانية التحويلات العادية والفورية    دار الشعر بتطوان تختتم عيد الكتاب    بين الرباط ومدريد: ذاكرة تاريخٍ مثقل بالوعد والظل من الاستعمار إلى دبلوماسية المصالح    أحزاب مُسَخَّرَة لحساب مَسْخًرًة    بيوت تعرض "كرامة مؤقتة" في غزة    هل سيحضر سواريز المونديال مع الأوروغواي؟    طاقم "أرتميس 2" يعود إلى الأرض بعد رحلة 10 أيام حول القمر    باكستان ترحب بوفدَي أمريكا وإيران    "الكورفاشي" تدعو الجماهير إلى "الانضباط والتشجيع الموحد" قبل مواجهة نهضة بركان    قضايا خلافية رئيسية تلقي بظلالها على المفاوضات الأميركية الإيرانية في باكستان    ماليون بالمغرب يثمنون موقف باماكو    وفدا أمريكا وإيران يصلان باكستان لإجراء محادثات سلام    جهة الشمال .. المصادقة على 487 مشروعا باستثمار يناهز 80 مليار درهم ستوفِرُ 57 ألف منصب شغل    بوريطة يستقبل مبعوثا لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية حاملا رسالة إلى جلالة الملك    شتائم ترامب لإيران تنعش مطالب "الديمقراطيين" بتفعيل العزل الدستوري    فعاليات اليوم الأول من الزيارة الرسمية لوفد جماعة القصر الكبير إلى مدينة لاغوس البرتغالية    موعد ملكي: 8 سنوات للوصول إلى مغرب السرعة الواحدة!    حين تحكم الجراح.. السياسة في مرآة المشاعر    اليونسكو تختار الرباط عاصمة عالمية للكتاب    الجزائري سعيد خطيبي يتوج بجائزة "البوكر العربية" عن روايته "أغالب مجرى النهر"    "حماة المستهلك" يطالبون بمنع بيع مشروبات الطاقة للقاصرين وفي محيط المدارس    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    دراسة: الذكاء الاصطناعي يشخص سرطان الحنجرة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مفهوم "المحوّل الثقافي" و إشكالية التغيير الاجتماعي بالمغرب

يرسم ماكس فيبر في كتابه الأخلاق البروتستانتية و روح الرأسمالية كيفية اشتغال آليات التبديل أو المحولات الثقافية، كيف في حال التدين المسيحي، تؤثر الأفكار الدينية في الطريقة التي تنظم من خلالها المجتمعات الغربية تعاملاتها الاقتصادية. ويبدو أنه يتم توجيه مصائر حياة الناس العملية من قبل الأفكار الدينية، مما يدل على أن الرأسمالية الغربية تنهل من المؤسسات الثقافية الحاضنة لها. وهذا التسويغ المنطقي يضع الثقافة على الجانب الآخر من السلسلة السببية، حيث على النقيض من النظرية الماركسية للانعكاس الاجتماعي، والتي تشير إلى أن التغيير المادي يسبق و يؤدي إلى التغيير الثقافي الذي بالضرورة يصبح نتيجة ارتدادية للتغيرات المادية (من منظور ماركسي: إن تشييد سوبر ماركت في مدينة، سيؤدي بالناس حتما إلى تغيير عاداتهم في التسوق)، تنص نظرية فيبر الثقافية على أنه من الممكن للثقافة أن تسبق التغيير المادي، أو تحدثه مؤثرة بذلك في العالم الاجتماعي. و من طبيعة الحال، فإن السعي وراء المنفعة المادية رهان اجتماعي واقتصادي، لكن الثقافات والعقليات التي تحتضن هذه المصالح، تشكل الخطاطات الثقافية و طرق التعامل معها ومتابعتها. و في استعارته الشهيرة، يقارن فيبر دور الثقافة بدور عامل تحويل السكك الحديدية (سويتش مان) ، فيقول: " ليست الأفكار، و لكن الفائدة المادية والمثالية هي التي تتحكم مباشرة في سلوك الأعضاء الاجتماعيين، لكن كثيرا ما تقوم "صور العالم" التي تم ابتكارها من قبل "الأفكار"، شأنها في ذلك شأن عامل تحويل السكك، بتحديد المسارات التي يسلكها العمل بدافع المصلحة المادية" (1946 ، ص 280 ) .
و خلال بداياتها، نهجت الرأسمالية الغربية مسارات دينية، اعتمدت مذهب الجبرية والدعوة، إذ دفع التنصير المنهجي للحياة الغربية بالأعضاء الاجتماعيين إلى الكد والتفاني في العمل قصد تلبية الدعوة الإلهية، واعتبر الناس العمل نوعا من أنواع العبادة، حيث لم يسرفوا في الإنفاق، ولا في التمتع بالأرباح، بسبب اعتقادهم أن الانغماس الذاتي في الشهوات، قد يكون نقمة عليهم، مما أدى إلى نمو فائض من رأس المال، و مواصلة الاستثمار الرأسمالي الغربي في أسواق عالمية متعددة . واستمرت روح الرأسمالية هذه، حتى بعد تراجع المعتقدات الدينية في أوروبا, إذ لا تزال مثالا حيا، يبرز قدرة التأويل الثقافي على إتمام التفسيرات البنيوية ، و يبرهن على فائدة منطق " التبديل الثقافي".
كيف ينبغي لنا أن نفهم الثقافة العضوية بالمغرب في إطار هذا التسويغ الفكري؟ هل تتوفر الثقافة المحلية على آليات التبديل الثقافي التي تصاحب ابتكارات الحداثة، أم هل يعاني المجتمع المغربي من تخلف ثقافي، يحدث هوة بين اختراعات الحداثة، والقدرة على التكيف معها (قد يتوفر العضو الاجتماعي على سيارة، لكنه لا يتوفر على ثقافة تمكنه من حسن استعمالها)؟ ونستدل بمثال آخر في هذا السياق حول الاستحقاقات الديموقراطية التي عرفها المغرب مؤخراً، إذ على الرغم من الانتقال الديموقراطي السلس، والإصلاح خطوة بخطوة الذي حققه المغرب، لا يزال هناك جدل قوي ما إذا كانت الإصلاحات كافية لتحويل المغرب إلى ديمقراطية مشروعة بمؤسسات قوية تحظى بثقة الجماهير، بدلا من رفع التظلمات والشكاوى باستمرار من قبل الأعضاء الاجتماعيين في كل تفاصيل حياتهم إلى الملك، فعادة ما يحمل الانسان المغربي البسيط الملك مسؤولية بناء طريق، أو مدرسة صغيرة، أو مستشفى في مدينته، أو القرية التي يقطنها، مما يبرهن على أن مؤسسة الملك هي المؤسسة الوحيدة الموثوق بها، والتي تعتبر فاعلة وقوية في الذهنية الثقافية المغربية. ويجب التذكير هنا، كما يلاحظ مالك وعوض الله (2011) ، "أن الإصلاحات التشريعية والقانونية لا تؤدي بالضرورة إلى التغيير الفعال، وذلك لأن النخب لديها قدرة فائقة على التحمل، وبالتالي يمكن أن تناور من داخل المنظومة القانونية، وتعكس التغيير لفائدتها" (2011، ص 2). ووفقا لهذا المنظور الاقتصادي السياسي، حتى لو تم استبدال وجوه سياسية مألوفة بوجوه جديدة، لن يتغير الوضع جذريا، لأن العملية برمتها لا تعدو سوى مجرد إعادة تشكيل وحشو المناصب الشاغرة في هياكل السلطة بوجوه جديدة-قديمة، و هكذا يظل النظام السياسي القائم سليما. ووفقا لمالك وعوض الله دائماً، بقدر ما لا تتغير الهياكل الاقتصادية الأساسية، لا شيء يتغير، وخير مثال استدل به مالك وعوض الله هو الوضع السياسي في مصر خلال فترة الربيع العربي: حسني مبارك يغادر، لكن البنيات الاقتصادية التي تدعم نظام حكمه، لازالت تسيطر على مجريات الأمور، لذلك تم إفشال التجربة الإسلاموية، بما تحمله هي الأخرى من نواقص ، وأفسح المجال لصعود شخصية عسكرية أخرى إلى مركز السلطة على أنقاض تجربة الاخوان المسلمين، ومن غير المحتمل الآن أن ننتظر من مؤسسة الجيش أن تقوم بتفكيك البنيات الخاصة بها، والتي تتحكم ليس فقط في دواليب الحكم المحلي والإقليمي، بل في عصب الاقتصاد بمصر.
و لاستكمال ما يقوله مالك وعوض الله، على الرغم من أننا نعتقد مع ماكس فيبر أن الثقافة يمكن أن تقود أيضا ! نؤكد على أن المحولات الثقافية -- تلك الطرق الصغيرة المفعمة بالمعاني الثقافية اليومية والخطاطات ووجهات النظر الوجودية التي توجه تيارات التغيير الكبرى -- تشكل محوراً أساسيا لاستتمام الإصلاحات السياسية الجارية في المغرب . إن تشكيل مبدلات ثقافية حداثية في أوقات أزمات التغيير، عادة ما يسند بصفته مهمة قيادية لأجهزة الدولة، لكن في المغرب تعتبر مؤسسات الدولة جزءا من المشكل، فضلا عن أنها جزء من الحل المحتمل، لذا، فإن المهام الحيوية تقع على عاتق المجتمع المدني أيضا.
وفي واقع الأمر، يرزح المغرب تحت نير نظام اقتصادي ريعي، تتغلغل السلطة التأديبية لدولة الريع فيه عميقا، حيث تتشعب الى مؤسسات مجتمعية عميقة، لدرجة أن احتمالات التغيير الاجتماعي في كثير من الأحيان تبدو خيالية. وفي هذا الصدد، فإننا محاصرون بنفس السؤال الذي أثرناه بشأن الوضع السياسي في مصر: هل تستطيع هياكل السلطة في المغرب تفكيك القاعدة الاقتصادية الريعية التي تعتمد عليها؟ يظل الجواب في حال المغرب مرتكزا على بعد نظر كوادر السلطة ونخبها، كيف ستتوخى نهجا متعدد الأبعاد للإصلاح؟
في الواقع، يبدو أن المغرب حتى لحظة كتابة هذه السطور، يشكل استثناء فريدا في العالم العربي، وينعم باستقرار وسلم اجتماعيين، لكن هذه المكتسبات المشروطة تاريخيا، أمست في تراجع منذ احتجاجات 20 فبراير 2011، حيث يشهد المغرب بين الفينة والأخرى تصدعات اجتماعية مختلفة (اضطرابات قطاعية و جهوية، إضرابات، وقفات احتجاجية، انتحارات، جرائم بالجملة، انفلاتات أمنية، ارتفاع معدلات البطالة والهجرة ، احتلال الملك العمومي، فوضى الأسواق) ، تنذرنا بأن هناك خطر ما يحدق بالمغرب، ويجب ان تستيقظ الدولة بجميع مكوناتها، وتتجند للحفاظ على استقرار البلد، ولن يتأتى ذلك إلا في إطار القضاء على الاقتصاد القائم على الريع، و إيجاد حلول هيكلية (وليس ترقيعية كما هو الشأن الآن) للتحديات الداخلية، و التوترات الإقليمية والدولية التي تواجه الدولة المغربية في هذه المرحلة . ومن الواضح أن أي قلاقل في أي جزء من المغرب، قد يوقد فتيل اضطرابات شعبية في أي لحظة . لهذا، ليس لدينا الآن خيار آخر سوى الاعتماد على حكمة وتبصر النخبة الحاكمة المنضوية تحت قيادة النظام الملكي، لتوحيد المجتمع على إصلاح اقتصادي وسياسي و ثقافي طموح، يتوفر على إرادة سياسية قوية، ونوايا صادقة تناضل من أجل تفكيك البنيات الاقتصادية القائمة على الريع التي تدعم فساد المنظومة السياسية الحالية، بل أكثر من ذلك، يجب تعبئة المجتمع لمحاربة الثقافة الريعية والعقلية الريعية التي تضعنا في مآزق مستعصية على جميع المستويات، بدءا من وجود العضو الاجتماعي البسيط الذي يبيع صوته إبان الانتخابات إلى وجود المثقف المجرور الذي يسيل لعابه للامتيازات الوظيفية، وتكمن معالجة هذه المعضلة في جذر مشروع تقدمي إصلاحي اجتماعي لفائدة المجتمع بأكمله .
و لنكن متفائلين، حيث لم يفت الأوان بعد لشن معركة ثقافية ضد علل العقلية الثقافية الريعية. لقد ركز الملك مؤخرا في خطاباته على إعطاء الأولوية للرأسمال الثقافي في السياسة الوطنية المحلية، ونحن نعتقد أن الوقت قد حان! ما نسميه بالمحول الثقافي، يجب أن يسود كتصورات وأفكار على نطاق واسع، وينظر إليه على أنه تواصل تفاعلي يُبٓنْين الفضاء الاجتماعي، و ليس المحول الثقافي تعليمات من الأعلى إلى الأسفل فقط، بل هو ثقافة مكتسبة عن طريق التواصل الاجتماعي اليومي. وليست التربية على المواطنة مجرد مادة تكميلية تلقن في المدارس، كما هو الحال عليه الآن، بل إنها مسألة تشجيع أسلوب حياة، و تدريب الأعضاء الاجتماعيين عليه في سياقات مؤسساتية، وغير رسمية في الحياة اليومية على حد سواء. و يجب أن تتوفر إرادة سياسية متماسكة ووطيدة لتوحيد المجتمع على هذا المشروع، إذ ينبغي تعبئة مجموعة كاملة من الموارد الثقافية قصد تحقيق هذا الهدف الأسمى .
و يعتبر إنجاز مشروع ثقافة المواطنة مسؤولية المؤسسات الايديولوجية (التعليمية و الإعلامية و الطبية و الترفيهية و الفنية...) و القمعية على السواء، إذ أن انخراط المؤسسة الأمنية والعسكرية في نشر هذه المعتقدات أضحى ضرورة ملحة، خذ على سبيل المثال الدور الذي تقوم به الشرطة في بعض المجتمعات الغربية، وكيف تشارك هذه المؤسسات بزيارات إلى المدارس، والمؤسسات التعليمية، و تعرض فرص عمل مؤقتة لفائدة الطلاب، فضلا عن تطوع الشباب في الخدمة العسكرية، أو الانخراط في العمل المدني التطوعي الذي تمارسه منظمات المجتمع المدني في بلدان أخرى، كما نأخذ على سبيل المثال مهنة الطب: إن طبيبا تدرب على مهارات تقنية وظيفية، قد يصبح خبيرا في تخصصه، لكنه بحاجة أيضاً الى تدريب ميداني على ثقافة المواطنة للانضمام الى النضال العام من أجل عمل الخير، و تحقيق التحرر السياسي والاجتماعي.
نحن لا نؤمن بالطبيعة البشرية، أو بوجود ميول إنسانية قبلية تجعل الإنسان أصلا اجتماعيا و أخلاقيا، إذ أن كل شيء من فعل التاريخ : نُطْبع بالتاريخ، و هوياتنا محددة اجتماعيا. لا يمكن للطبيب الذي أُنشِئ على قيم المواطنة و الذي يقرأ الأدب أن يتجاوز الحدود التي تفرضها الأخلاق الاجتماعية، عادة ما يلجأ الأطباء إلى المخزون الديني لتأصيل فعل الخير، لكن و كما أشرنا في مقالات سابقة، فإن درع الإيمان بدأ في التصدع أمام رمح الرأسمالية المادية، و يعتبر الخطاب الديني عنصرا أساسيا في نظامنا التربوي، لكنه أصبح اليوم غير قادر لوحده يتيما على مقاومة النموذج الجديد "لمكدولنة" [من ماكدونالد] مجتمعاتنا.
لن يستطيع الخطاب التقليدي حول الدين أن يصمد دون دعائم وأسس ومراجعات حداثية أمام تعقيدات الحياة المعاصرة، و لا يمكننا حاليا أن نستمر في العيش بإيديولوجية القبيلة و الغنائم. نحتاج أن نصوغ ولاءات وروابط اجتماعية جديدة لنوطِّد النسيج الاجتماعي، و يجب أن ندرب أنفسنا على الحوار و تدبير الخلاف و قبول الاختلاف. ويجب أن نعترف بسيولة حيواتنا، هوياتنا و علاقاتنا الاجتماعية، و السياسية و الاقتصادية. إننا لا نحيا بالجوهر بل بحقائق بلاستكية قابلة للذوبان. إن هذا الإبدال الثقافي الجديد، والخطاب الجديد حول الدين، والعلمانية و الثقافة العضوية للشعب، هي التي بإمكانها إنقاذنا . مدرستنا، أسرتنا و تربيتنا الدينية كما هي اليوم، لا تطَّعِم نظامنا المناعي بلقاح كاف لتمكينه من مقاومة الغش والفساد.
في الوقت الراهن، يمكن لاستراتيجية الاحتواء و الترقيع و "التسليك" اليومي، و تلطيف الأجواء التي تمارسها الدولة أن تربح بعض الوقت، لكن مع احتمال حدوث عواقب وخيمة على المدى البعيد، خاصة إذا تمكنت عملية الصحوة التي بدأت مع حركة 20 فبراير، ولا زالت مستمرة، بغض النظر عن كيفية إبلاغها، من أن تصل إلى أهل القاع، وتنتشر بين الجماهير الرابضة في أسفل الهرم الاجتماعي.
إن الأنظمة السياسية التي تؤسس على مقاربات أمنية، و تفتقر إلى التعددية في الرؤى، آيلة للزوال، كما أن الأنظمة التي تؤسس على إيديولوجية الهيمنة المستبطنة من طرف الجماهير، قد تتمكن من البقاء إلى أن تكافحها إيديولوجيات مناهضة للهيمنة وتقلبها، و بناء هذه الإيديولوجيات المناهضة للهيمنة، قد يكون في طور التكوين ببلد كالمغرب، يعاني من هشاشة اقتصادية، وتمزقه صراعات فئوية بذهنية غنائمية (ديل مالين الشكارة) في مجالات سياسية واقتصادية متعددة، نظرا لغياب شبه تام لبورجوازية مواطنة تستطيع خلق توازنات اقتصادية واجتماعية، وتصبح بذلك قاطرة تقود التغيير.
إن المطالب السياسية واضحة، وهي: الإشراك السياسي، و بناء الديمقراطية و المجتمع المدني على أرض الواقع، و بناء نظام عدالة و نظام أمن مسؤولين و شفافين، و تأمين نمو اقتصادي مستقر مؤسس على الإنتاج، و كسب ثقة الشعب بخلق مؤسسات تمثيلية قوية تضمن حرية تعبير حقيقية، و مشاركة فاعلة في العملية المؤسساتية و صنع القرار، ورسم خطوات حقيقية نحو الحماية الاجتماعية و الضمان الاجتماعي، و تعليم الطبقات الدنيا، و احترام سيادة القانون.
لا أحد ينكر الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الدولة لحد الآن، لكنها تبدو محدودة بطيئة ومتدرجة، بحجة درء مخاطر التحولات السريعة، والإقلاع غير المدروس، ولهذا لم تصل بعد إلى القضايا الجوهرية. مازال المغاربة يطالبون بإصلاحات عميقة، لكن لن ينجح أي إصلاح بنيوي مهم دون الإرادة والتصميم الجماعيين لبناء سياسة متفاعلة مع المكون الثقافي، و مع التعبئة الجماهيرية التي تعطي الأهمية للثقافة من أجل المواطنة، ومع البناء على أسس تقاليد ثقافية لإدراك عمق التغيير و دلالته .
و لدعم تيارات التغيير وتقويتها، يجب أن ترتبط الخطابات حول المواطنة و الديمقراطية و حقوق الإنسان بالممارسات الثقافية الملموسة، وبالدلالة الثقافية المحلية، حتى تلقن المواطنة في السياقات الشعبية للحياة اليومية، و تصبح واضحة في أذهان الناس العاديين، بوصفها مواطنة ثقافية مألوفة (مثلا، خلال الانتخابات الحالية، كان بالأحرى إحداث تغيير على أرض الواقع بظهور ثقافة سياسية جديدة، يطبعها منع مؤسساتي لسماسرة الانتخابات الرحل من المشاركة في اقتراع 4 شتنبر، لكن على عكس ما نطرحه من اقتراحات وحلول، وعلى مرأى ومسمع من أجهزة الدولة التي تتوفر على تقارير تحليلية ومعلوماتية مفصلة عنهم، تمت تزكيتهم من قبل أحزاب في الساحة السياسية، على الأقل بمدينة الجديدة التي نتابع في دوائرها العملية الانتخابية عن قرب)، الأمر الذي يقوي الأشكال الثقافية التحت-فوقية، و يدفع المواطنين العاديين إلى نقد الذات، و التنمية الذاتية لنماذجهم الثقافية الخاصة؛ ذلك أن فهم التحول الثقافي، وتطوير المحولات و الفاعلين من أجل بناء محولات ثقافية مكروية صغرى، هما المكونان الأساسيان للصراع المضاد للهيمنة في مغرب اليوم.
هذا المقال عمل مشترك بين د. بول ويليس، حاليا أستاذ بجامعة بكين –الصين و د. محمد معروف أستاذ بجامعة شعيب الدكالي – الجديدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.