تصنيف عالمي يضع المغرب ضمن الدول الأكثر مناعة ضد الإرهاب    التامني: دعم النقل تحول لحلقة مفرغة تغذي الريع والبديل إحياء "سامير" ومراجعة تحرير المحروقات    بريطانيا ترحب بالأنباء عن محادثات بناءة بين ترامب وإيران    تفاصيل الإصابة القوية للحارس المحمدي وغيابه عن الوداد لأكثر من أربعة أسابيع            المغربي مصطفى الغنام رئيسا للجنة الحكام بالاتحاد الإفريقي للكيك بوكسينغ    نشرة إنذارية.. زخات رعدية قوية بعدد من مناطق المملكة    "على باب السيما"..    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    رسائل تتجاوز البروتوكول .. موريتانيا تستبعد البوليساريو من "تهاني العيد"    الملك يبارك العيد الوطني الباكستاني    حموني يطالب بالتحقيق في تلاعب شركات المحروقات بالمخزون الاحتياطي واستغلاله في رفع الأسعار وزيادة الأرباح    الوطنيّون الجدد    بعد الإقصاء من كأس الكونفيدرالية.. منخرطو الوداد يدقون ناقوس الخطر في وجه أيت منا ويحملونه مسؤولية الإخفاق    اليسار يحتفظ بكبرى مدن فرنسا واليمين المتطرف يعزز حضوره محليا    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    انتقادات برلمانية لتجميد المجلس الأعلى للماء والمناخ والتخبط في تدبير المياه بين ثلاث وزارات            البوحسيني: "الوطنية" هي الوقوف سدا منيعا ضد مشروع إسرائيل الكبرى ورغبتها في إخضاع المغرب واستغلاله    الرئيس الإندونيسي يرفض دفع مليار دولار لقاء عضوية مجلس ترامب "للسلام"    "ميتا" تطلق برنامجا عبر "فيسبوك" لاستقطاب صناع المحتوى    إيران تطلق تهديدات ب"تلغيم الخليج"    بيراميدز يشتكي "تأهل الجيش الملكي"    إعادة انتخاب كيم جونغ أون رئيسا لشؤون الدولة في كوريا الشمالية    انخفاض أسعار الذهب بأكثر من 3 في المئة            العملة الكورية تصل إلى أدنى مستوى منذ 17 سنة    فليك يشيد بحارس برشلونة خوان غارسيا بعد الفوز الصعب على فاييكانو    الصين تحذر من خطر خروج الوضع عن السيطرة في الشرق الأوسط بعد تهديدات ترامب    مقتل طيار ومساعده في تصادم طائرة "إير كندا" بمركبة إطفاء    أجواء باردة وممطرة في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب    المغاربة في المرتبة 112 عالمياً في مؤشر السعادة        نشاط تربوي وترفيهي مميز لفائدة أطفال دوار الرضا بإقليم تارودانت    المغرب يحل في المرتبة 107 عالميا في مؤشر الديمقراطية الليبرالية    تراجع مفرغات الصيد بميناء الحسيمة بنسبة 32%    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية        دراسة علمية ترصد علاقة الذكاء الاصطناعي بالبنية الصوتية للريفية    سيدي قاسم تحتفي بالمرأة عبر الثقافة والسينما بدار الطالبة صحراوة    العودة للساعة الإضافية.. تواصل الخطوات الترافعية لإلغائها وعريضة الرفض تتجاوز 137 ألف توقيع    حين يغيب الموقف الواحد في زمن الانفعالات    الحكومة تعتمد منصة رقمية لإيداع الترشيحات وتحديث إجراءات الانتخابات التشريعية    البحث عن الحب في المغرب    "اشكون كان يقول" .. مساحات رمادية مشوقة وتمطيط يلتهم روح الحكاية    سردية ثنائية الرواية والتاريخ    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح برسم الدورة الأولى لسنة 2026    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قاتل سائق "الطوبيس" يفر ب"أوطوسطوب" رفقة شرطيين بالجديدة.. وال"SPPJ" يضع حدا ل"البسيكوز" !
نشر في الجديدة 24 يوم 12 - 03 - 2015

تضاربت الآراء والتخمينات حول أسباب وملابسات تنفيذ جريمة القتل البشعة، التي راح ضحيتها، الجمعة 6 مارس 2015، سائق "الطوبيس" الرابط على الخط 4، بين عاصمة دكالة ومدينة أزمور، وكذا، ظروف وكيفية اعتقال الجاني في أقل من 72 ساعة.
هذا، وأطلق بعضهم العنان لألسنتهم وأقلامهم وتدويناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ال"فايسبوك" وال"أنترنيت"، وعلى أعمدة الصحافة المكتوبة، وعبر الأثير، على ذبذبات الراديو، جادين بشكل استباقي لتحقيق السبق "سكوب"، سيما في ظل شح المعلومات حول مجريات البحث القضائي الذي يباشره المركز القضائي بالقيادة الجهوية للدرك الملكي بالجديدة، المقيد بسرية البحث وفق الفصل 15 من قانون المسطرة الجنائية، (جادين) من خلال الوصول أو بالأحرى الخروج استنادا إلى الحوارات "العامية والشعبوية"، وأحاديث الشارع والمقاهي، و"القيل والقال"، باستنتاجات شبه واقعية. استنتاجات سرعان ما اتضحت أنها مغلوطة ومغالطة للحقيقة والواقع، وتضلل بغير قصد أو بدون نية مبيتة، الرأي العام. ما قد يكون له تأثيرات سلبية على المجتمع والاقتصاد والسياحة بتراب إقليم الجديدة، الذي يزخر بمنتجعات دولية ووحدات سياحية مصنفة، بعضها كائن على الشريط الساحلي شمال عاصمة دكالة. انعكاسات يصعب حصرها، خاصة أن بعض التداولات الشفاهية أو التلميحات والإشارات الضمنية، اعتبرت جريمة الجديدة، بالنظر إلى ملابسات وكيفية تنفيذها، ذات طابع "خاص"، وتخرج عن نطاق الفعل الإجرامي "العادي"، ذي الطبيعة الجنائية، على غرار جرائم القتل التي تحدث في المغرب.
كما أن بعضهم غاصوا بعمق، بفضل ما جادت عليهم به قريحاتهم المتدفقة ومخيلاتهم الخصبة، في بحر التخمينات وعالم علم الخيال "سيونس فيكسيون"، وأفلام الإثارة البوليسية. حيث زعموا أن نظام تحديد الموقع ال"جي بي إس"، كان وراء الاهتداء إلى القاتل، بعد الوصول إلى زوجته التي كانت تتحوز بهاتف الضحية من نوع "سامسونغ"، جيل الهواتف الذكية.
هذا، فإن جريمة قتل سائق "الطوبيس" (30 سنة)، كانت بكل بساطة فعلا إجراميا مدبرا. إذ خطط له ونفذه بمفرده، وبسبق الإصرار والترصد، المستخدم في شركة النقل الحضري، الجمعة 6 مارس 2015. هذا الأخير مكنته مهمة مراقب (كونترولور) الموكولة له، من معرفة أدق أمور الشركة المشغلة، من قبيل أوقات عمل المستخدمين، وعادات سائقي الحافلات، والطريقة التي يستجمعون بها "الروسيطات"، في الفترتين الصباحية والمسائية من كل يوم، إلى حين تسليمها، بعد الانتهاء مساءا من العمل، إلى إدارة شركة النقل الكائن مقرها بالجديدة.
المستخدم في عقده الثالث، تربص، ليلة النازلة، بسائق الحافلة التي كانت تؤمن نقل الركاب ذهابا وإياب من الجديدة إلى أزمور، على الخط 4 (15 كيلومترا). وبعد أن أنهى عمله كالمعتاد، في حدود الساعة التاسعة والنصف مساءا، انطلق بمفرده في رحلة العودة من محطة التوقف بأزمور (ترمينيس)، في اتجاه الجديدة. حيث استغل "الكونترولور" تخفيض سرعة الحافلة بمحاذاة محكمة القاضي المقيم بأزمور، ليتسلل خلسة من المدخل الخلفي، إلى "الطوبيس" الذي كان فارغا من الركاب، وكانت الإنارة بداخله غير مشغلة. وتمدد تحت الكراسي. وما أن قطعت الحافلة زهاء 4 كيلومترات مرورا عبر الطريقة الوطنية1، الرابطة بين الجديدة، والدارالبيضاء، حتى نهض المستخدم المختبئ وقصد السائق، وباغته من الخلف أن وضع على عنقه سكينا من الحجم الكبير. وأرغمه على التوقف على جنبات الطريق، في أقصى اليمين، بمحاذاة غابة الحوزية، وتحديدا على بعد أقل من 100 من مدخل منتجع "بولمان". فطلب منه أن يمده ب"الروسيطة"، واقترح عليه إحداث جرح في يده، حتى يبر السرقة. لكن ردة فعل السائق كانت عنيفة وتلقائية، حيث قاوم بشراسة المعتدي، الذي افتضح أمره. ومخافة تحمل عواقب فعلته، والزج به من ثمة خلف القضبان، لسنوات طويلة من أجل السرقة الموصوفة بيد مسلحة، ما كان منه إلا أن شرع في تسديد الطعنات تلو الطعنات إلى السائق، في ظهره ويده، قبل أن يجهز عليه ويذبحه من العنق، سقط على إثرها الضحية مضرجا ف دمائه، يصارع الموت. فيما استحوذ المستخدم على "الروسيطة" التي كانت بالكاذ تحتوي على زهاء 4000 درهم، المدخول المتحصل عن فترتي العمل الصباحية والمسائية. وكان السائق استأنف عمله، على الساعة الواحدة من ظهر الجمعة، وإلى غاية التاسعة مساءا، وكان تسلم من زميله الذي أنهى عمله، ظهر اليوم ذاته، "روسيطة" الفترة الصباحية.
وبسرعة البرق عقب فعله الجرمي، أخذ القاتل العلبة المخزن فيها "الروسيطة"، وأخذ ما بداخلها من مال، ورمى بها على بعد زهاء 200 متر من الحافلة المستوقفة في الظلام. كما استحوذ على هاتف الضحية. وسلك طريق العودة إلى أزمور، حيث تقيم زوجته. وما أن قطع راجلا حوالي كيلومترين، حتى توقفت سيارة خفيفة، أشار لها ب"أطوسطوب". لم تترك له أضواؤها القوية المجال له للتعرف على الراكبين اللذين كانا على متنها، واللذين توقفا له، حوالي الساعة العاشرة ليلا، بعد أن تعرفا عليه، بحكم كونهما يتحدران من أزمور، هذه المدينة الصغيرة، حيث السكان يعرفون بعضهم البعض. فسائق العربة ومرافقه لم يكونا سوى شرطيين بالهيئة الحضرية لدى أمن الجديدة، أحدهما مقدم رئيس (محمد حسان)، والآخر ضابط أمن (عبد العالي الهراس). الأخير شقيق بوشعيب الهراس، ضابط الشرطة قيد حياته بالفرقة المحلية للشرطة القضائية بالمنطقة الأمنية الإقليمية بسيدي بنور. وكان قضى نحبه، السنة الفارطة، في حادثة سير، عندما انقلبت ليلا سيارته على مشارف مدينة سيدي بنور، بمحاذاة قيادة المشرك. وكان عائدا لتوه من أزمور، بعد أن كان حضر، الليلة ذاتها، أربعينية والده المتوفى.
وخلال المسافة التي قطعها سويا الشرطيان والمستخدم لم يكن يظهر على الأخير أي ارتباك يظهر. وبوصولهم إلى أزمور، ترجل المستخدم من على متن السيارة. فيما تابع رجلا الأمن سيرهما إلى منزليهما، للخلود للراحة والنوم، استعدادا ليوم عمل جديد، ورحلة جديدة (لانافيت).
هذا، وقد ذاع خبر جريمة القتل، وتعدى صداها أزمور والجديدة، إلى مختلف أرجاء المغرب. وظل لغزها يحير المحققين لدى القيادة الجهوية للدرك الملكي بالجديدة، سيما أنها كانت "نوعية"، بالنظر إلى ظروف وملابسات تنفيذها. وهذا ما يستشف من خلال الاستنفار الأمني غير المعهود. حيث هرعت إلى مسرح الجريمة السلطات من مختلف التلوينات (السلطات الدركية والمحلية والأجهزة الأمنية الموازية، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية ...). ولم يسبق بالمناسبة أن عرفت مسارح الجريمة بتراب إقليم الجديدة، استنفارا أمنيا مماثلا، أو إنزالا مكثفا للقوات العمومية، على متن العشرات من الدوريات المحمولة، التي كانت مستوقفة على جنبات الطريق، على امتداد كيلومتر تقريبا في الاتجاهين، ناهيك عن عربات مستعملي الطريق.
التحريات التي أجراها المحققون الدركيون في مسرح النازلة، لم تكن مثمرة، نظرا لكون الجاني، على ما يبدو كان ذكيا، واستفاد من الظلام الدامس، ومن غابة الحوزية، كثيفة الأشجار، وكذا، من الضباب الكثيف الذي كان يخيم على المنطقة. إذ استطاع أن يضلل المحققين، وحتى الكلاب المدربة، ويتلاعب بأعصابهم. فحتى هاتف الضحية النقال الذي استحوذ عليه، من جيل الهواتف الذكية، والذي يمكن تحديد موقعه ب"جي بي إس"، عمد بذكاء إلى إزالة بطارية شحنه.
هذا، وبعد أن أيقن الشرطيان أن القاتل ليس سوى (الكونترولور) الذي أقلاه إلى أزمور، أخبرا، صباح الاثنين الماضي، رؤساءهم بأمن الجديدة. ودخلت من ثمة المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية على الخط. حيث شكل رئيسها فريقا أمنيا، توجه بمؤازرة رئيس الدائرة الأمنية الثالثة، بعد تحديد مكان تواجد الهدف (الجاني)، إلى محطة الحافلات المتوجهة عبر الخط 4، إلى أزمور، والكائنة على مقربة من المركز الصحي سيدي يحيى، على الطريق المؤدية جنوبا إلى مراكش. إذ تم ترصد له المتدخلون الأمنيون، وحاصروه من جميع المنافذ، قبل أن يشلوا حركته، رغم المقاومة الشرسة التي أبداها في حقهم.
وعند إخضاعه للبحث في سرية تامة بمقر أمن الجديدة، والذي أشرف عليه رئيس المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية، حاول الجاني الإنكار. لكنه عجز عن الإجابة عن وابل الأسئلة المحرجة التي كان كبير المحققين يواجهه بها، من قبيل استعمال زمنه، لحظة ارتكاب الجريمة، وتبرير تواجده في مسرحها (...)، قبل أن تتم مواجهته بهاتف الضحية الذي كانت زوجته تتحوز به، والذي استرجعه رئيس المصلحة الأمنية، جراء عملية تفتيش بمنزل الجاني [ازمور. ومن ثمة، انهار واعترف تلقائيا وتفصيليا بظروف وملابسات جريمة الدم البشعة التي ارتكبها.
وهكذا، تكون "التكنولوجية المغربية" ممثلة في يقظة الشرطة وحرصها على استتباب الأمن وإحساس المواطنين بالأمان والاستقرار، قد فاقت وتفوقت على تكنولوجيا الغرب وال"جي بي إس"، ووضعت، من خلال الشرطيين محمد حسان (مقدم رئيس)، وعبد العالي الهراس (ضابط أمن)، ورئيس المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية، ورئيس الدائرة الأمنية الثالثة، الذين يستحقون عن جدارة التنويه، (وضعت) حدا لحالة "لابسيكوز" التي سادت بتراب إقليم الجديدة. فقد أفضت جهود الأمنيين المثمرة إلى فك لغز جريمة الدم البشعة والمحيرة، و"النوعية" ذات الطبيعة والطابع الخاصين، والتي استأثرت باهتمام الرأي العام، وشغلت بال المواطنين، ومتابعة الجهات الرسمية العليا، لأبعادها الخطيرة. جريمة كادت أن ستنضاف إلى أرشيف الجرائم التي استعصى فك لغزها، بالنظر إلى ذكاء ودهاء الجاني وتخطيطه وتنفيذه المحكمين، واندثار معالم الجريمة في مسرحها، بسبب الظروف المناخية والطبيعية، وانعدام أي خيط ولو "تافه"، يمكن استغلاله في التحريات المستحيلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.