سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
معركة التحرير ... لتحقيق الاستقلال الثاني: 20 فبراير كانت جرس يقظة و"الاصلاحات الكبرى" لعب كبير يفهمه الراسخون في علم السياسة وتدبير الاوطان وقيادة الشعوب
ما يعيشه المغرب منذ فبراير من سنة 2011 ليس أمرا سهلا على الإطلاق، ولا يمكن وصفه بأي حال على أنه مجرد تفاعل طبيعي مع مسار دخلته المنطقة وربما العالم بأسره، ذلك أن التحولات التي يشهدها والمعبّر عنها بالديناميةالتي يعرفها المشهد السياسي بالخصوص على اعتبار أنه الحامل لكل التحولات، تشير أن شيئا عميقا يحدث يمس الحاضر والمستقبل. فترة الحراك المنسوب تأريخاً لشهر فبراير 2011، كان ايذانا بانطلاق هذه التحولات، وكان لحظة اليقظة الأولى التي يبدو أن المغرب بدأ يستفيق منها في اتجاه الصحوة الكلية ليتلمس طريقة تحت الأضواء، بعد أن اصطدم بحواجز كثيرة بفعل "صدمة" اليقظة.
لحظة اليقظة كانت جَرسا رنّ بقوة في أذن المغاربة وعدد من نخبهم، جعلهم ينظرون إلى الخلف بتأمل، وينظرون إلى ما حولهم بتدبّر، ويستشرفون المستقبل بأمل في استعادة المغرب الأول واسترداده من المستعمِر الجديد الذي لم يكن جيشا ولا دولة أجنبية، وإنما كان ثقافة سائدة ومنهجا في الحكم ولوبيات مُتسلّطة لم تأخذ عن الاستعمار إلا حرفة نهب ثروات البلاد والتحكم في العباد.
وقد لا يكون من المبالغة وصف ما يعيشه المغرب هذه المرحلة، بمعركة تحرير جديدة في أفق تحقيق الاستقلالالثاني، تحرير من ثقافة تربى عليها المجتمع أفسدت قيما ونشرت سلوكات تنتصر للقوي والغني مهما كان مصدر قوته وغناه، وثقافة جعلت المجتمع في خدمة الدولة عوض العكس، وأهملت المستقبل لصالح الحاضر، وميّزت بين المواطنين بناء على معايير غير مُنصِفة، فانتشر الظلم بمختلف أنواعه حتى جعلت الناس يحسون أن الظلم أصبح مقننا في وطنهم.
إنها فعلا معركة تحرير لا تختلف كثيرا عن تحرير تراب الوطن، إلا بكونها تسعى إلى تحرير عقول المغاربة من أوهامترسخت لديهم، وتحرير الإدارة من عقلية جامدة تتحرك في اتجاه واحد فقط، وتحرير إعلام ناطق بغير هويتهم،وتحرير اقتصاد أنهكه الريع....
هذه الثقافة التي سادت بين المواطنين، أفقدت الكثرين منهم الثقة في بلدهم، وأحبطت آخرين، رغم الجهود التي بُذلت لايقاف انتشارها واكتساحها، لكنها في المقابل كانت حافزا لعدد آخر من المغاربة من أجل كشفها وتعريتها أمام الجميع والتدافع مع من يريدون استدامتها، والترافع من أجل استبدالها بثقافة أخرى يُعبّر عنها اليومب"الإصلاحات الكبرى"، التي تتجه نحو المنبع لتفكيك ما بُني على باطل وإعادة تركيبه وِفق ثقافة جديدة تجعل من تاريخ المغرب بوصلة ومن الديمقراطية منهجا، وسيكون من الإجحاف نسبتها لحزب العدالة والتنمية فقط أو للحكومةفقط، بل يلعب فيها الملك أيضا دورا رئيسيا تجلى جزء منه في خطاب 9 مارس 2011 وأشّرت عليه أحداث أخرى من بينها زياراته إلى دول افريقية كان آخرها زيارة تونس.
إننا ازاء "لعب كبير" يفهمه الراسخون في علم السياسة وتدبير الأوطان وقيادة الشعوب، لذلك يحاولون ايقافالزحف، وتغيير اتجاه المعركة، لحسابات فيها معطيات الداخل والخارج، معطيات الداخل تتعلق بالصراع حولالسلطة، ومعطيات الخارج تتعلق بالتبعية وربح مواقع النفوذ.
معركة التحرير هاته سيكون من نتائجها إذا ما استوعبتها النخب الصادقة وانخرطت فيها، تحقيق الاستقلالالثاني، استقلال عن الماضي القريب وما علِق بالمغرب بسببه من شوائب لم تسلم منها كل القطاعات وكل المجالات،استقلال عن الآخر الغريب عن بيئتنا، مع إبقاء مساحة التفاعل معه بما يخدم الوطن أولا.
ولا شك أن تحقيق الاستقلال الثاني سيحتاج إلى تضحيات كبيرة، من خلال تحمل ضريبته لأنه سيكون فعلاً فيالتاريخ، لن يمر ببساطة، وسيجلب المتاعب لكل مؤمن به ولكل عامل من أجله، ولذلك تظهر بين الحين والآخر أزمة هناوهناك، وتحرش من هذه الجهة أو تلك، لعل أقربها تحرش فرنسا المتواصل.