وسط الضجيج الذي يلف "سوق نجيبة" الشعبي في منطقة السواني بطنجة، يجد المتسوق صعوبة بالغة في شق طريقه بين الأكشاك المتراصة وعربات الباعة الجائلين التي تخنق الممرات. هنا، وقبل أيام من حلول شهر رمضان، يتحول البحث عن "ورقة البسطيلة" إلى مهمة شاقة وسط تدافع بشري لا يهدأ. وتحاصر الروائح المنبعثة من مواقد الغاز المارة، بينما يتصبب "المعلمون" عرقا خلف طاولات العمل، محاولين مجاراة نسق سريع من الطلبات. الأيادي تتحرك بخفة لمد العجين السائل على الصفائح النحاسية الساخنة، لكن الأكوام الجاهزة تختفي بمجرد نضجها، ملتقطة من قبل أياد ممدودة تتسابق للظفر بحصتها. في هذا الفضاء الذي تسوده الفوضى، لم يعد الصراخ أو التلويح بالنقود وسيلة ناجعة للشراء. أمام العجز عن تلبية الطوفان البشري المتدفق، لجأ أصحاب محلات الورقة إلى حل عملي لضبط الإيقاع: "البيع باللائحة". سجل وعد غدا يصرخ أحد العاملين في محل يقع في زاوية مزدحمة، محاولا إسماع صوته فوق جلبة السوق: "انتهى التسجيل اليوم.. اللائحة ممتلئة". يلوح بدفتر ورقي بات الوثيقة الأهم للحصول على الورقة في هذا التوقيت. ويقول صاحب المحل، مفضلا عدم ذكر اسمه وهو يمسح وجهه بكم قميصه: "السوق يغلي. لا يمكننا العمل بنظام الصف، الناس يتدافعون وتقع مشادات. الدفتر هو الحكم. من يسجل اسمه ويدفع عربون ضمان اليوم، يستلم سلعته غدا أو بعد غد". ويضيف بنبرة جافة: "نشتغل ساعات طوال يوميا، ومع ذلك نضطر لرد زبائن خائبين. الطلب يفوق قدرتنا وقدرة المحل الضيق بعشرات المرات". على بعد أمتار، تقف زهرة، ربة بيت أرهقها الانتظار وسط الزحام، تراقب بأسى حركة البيع المشروطة. تقول لطنجة 24: "جئت من حي بعيد ظنا مني أنني سأجد الورقة، لأصطدم بهذا الواقع. السوق عبارة عن خلية نحل لا تطاق، والباعة يفرضون شروطهم. سجلت اسمي لثلاثة كيلوغرامات، وعلي أن أخوض معركة الزحام هذه مرة أخرى غدا للاستلام". "الادريسية".. ضغط مماثل وتتمدد عدوى "الحجز المسبق" لتشمل نقاط بيع أخرى في أحياء تعرف كثافة سكانية قياسية، مثل حي "الإدريسية". على طول شارع طارق بن زياد، الشريان الرئيسي للحي الذي يتقاطع مع شارع مراكش قرب مقر قصر البلدية، يعيش المارة والمشاة نفس الأجواء. هنا، لا توجد واجهات زجاجية أو ديكورات عصرية؛ محلات "الورقة" عبارة عن فضاءات ضيقة مفتوحة مباشرة على الرصيف، تنفث سحب البخار نحو الشارع العام. يصطف العشرات أمام هذه المحلات التي تعمل بأبواب مشرعة، حيث يتابع الزبائن مباشرة عملية الطهي فوق صفائح النحاس. ويقول رشيد، شاب يبيع الورقة في محل يطل على الشارع: "الهوس برمضان يبدأ مبكرا كل سنة. الناس يخافون من انقطاع السلعة أو ارتفاع السعر ليلة الشك. هذا الخوف هو ما يخلق هذا الضغط الرهيب علينا الآن". ويوضح بينما يرتب طلبيات مسجلة بأسماء أصحابها في ركن من المحل: "العمل هنا لا يتوقف. الحرارة مرتفعة والطلب لا ينتهي، واضطررنا لتشغيل فرق ليلية لضمان توفير الطلبات المحجوزة". مخاوف من استغلال الفوضى ووسط هذا المناخ المشحون، تتزايد المخاوف من أن يشكل هذا "التهافت" غطاء للمضاربات. ويرى مراقبون للسوق المحلي أن غياب التنظيم وضعف المراقبة في الأسواق الشعبية المكتظة مثل "سوق نجيبة" أو الشوارع التجارية الكبرى كشارع طارق بن زياد، يفتح الباب أمام التلاعب بالأسعار. ويشير تاجر مواد غذائية بالجملة في السوق ذاته إلى أن "سعر الدقيق والزيت مستقر، لكن سعر الورقة قد يقفز فجأة بحجة كثرة الطلب". ويضيف: "نظام الحجز يخلق ندرة، والبعض يستغل هذا الوضع لبيع الورقة بأسعار مضاعفة للمتأخرين". وبين مطرقة الاكتظاظ وسندان "لائحة الانتظار"، يواصل المتسوق في طنجة رحلته اليومية الشاقة لتأمين مستلزمات مائدة الإفطار، في مشهد سنوي يعكس الوجه الآخر للاستعدادات الرمضانية: صخب، فوضى، وتنافس محموم على "الورقة".