أوضح الخبير في العلوم الإنسانية عبد الله بوصوف أن "العديد من المراقبين يرون أن قمة المجموعة العشرين G20 ستكون مناسبة لتذويب الخلافات أو التمهيد لبناء علاقات دولية جديدة أو تحديد معالم العالم الجديد، سواء على مستوى التحالفات السياسية أو المصالح الاقتصادية. كما ستكون فرصة لاستعراض العضلات أو جس النبض بين التحالف الغربي بزعامة الولاياتالمتحدةالأمريكية وتحالف الشرق بزعامة روسياوالصين". وأشار بوصوف، في مقال له بعنوان "قمة جي 20 ببالي بين مخاض ولادة عالم جديد وفرصة جديدة للسلام"، إلى أنه "من المنتظر أن تكون الحرب الروسية/ الأوكرانية وكل تداعياتها، من تهديد للأمن الطاقي والغذائي وموجات الهجرة الجماعية، أحد الملفات التي ستحظى بنقاشات مطولة في قمة بالي لتعقد العلاقات بين تياريْ الحرب: تيار روسياوالصين وإيران من جهة، وتيار أوكرانيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا والناتو من جهة ثانية". وختم بوصوف مقاله بالإشارة إلى أن "قمة بالي ستكون نقطة فاصلة بين مرحلتين وبين تيارين، بعيدا عن صوت الرصاص والتهديد بالأسلحة النووية أو القذرة، وبعيدا عن توظيف سلاح التجويع الجماعي والظلام وقطع الكهرباء والتهديد بالعقوبات الاقتصادية، من جهة، وبين تيار ينتصر لصوت الحكمة وكل الطرق الديبلوماسية، وفي مقدمتها الديبلوماسية الناعمة، وينتصر للشرعية الدولية واحترام السيادة الوطنية للدول، من جهة ثانية، لأن قمة بالي يجب استثمارها كفرصة كبيرة للسلام". هذا نص المقال: ستجرى بمدينة بالي الأندونيسية قمة المجموعة العشرين G20 يومي 15 و16 نوفمبر الحالي، في وقت تتسارع فيه الأحداث ويتغير فيه الفاعلون السياسيون بعد كل الانتخابات التي عرفتها بعض الدول الأعضاء في المجموعة كانتخابات إيطالياوالبرازيل. ويذكر أن الإعداد لهذه القمة امتد شهورا عديدة ابتداء من شهر يوليوز الماضي، حيث اجتمع وزراء الخارجية من أجل الاتفاق على جدول أعمال ناجح لقمة تعقد في ظروف ساخنة. ويرى العديد من المراقبين أن هذه القمة ستكون مناسبة لتذويب الخلافات أو التمهيد لبناء علاقات دولية جديدة أو تحديد معالم العالم الجديد، سواء على مستوى التحالفات السياسية أو المصالح الاقتصادية. كما ستكون فرصة لاستعراض العضلات أو جس النبض بين التحالف الغربي بزعامة الولاياتالمتحدةالأمريكية وتحالف الشرق بزعامة روسياوالصين. الأكيد أن تداعيات كل من الأزمة الصحية جراء كوفيد- 19 وما تبعها من إنهاك اقتصادي وديمغرافي، والحرب الدائرة في أوكرانيا وما خلفته من أزمة طاقية وغذائية، بالإضافة إلى سلبيات التغيرات المناخية.. كلها عوامل ستكون حاضرة بقوة في قمة مدينة بالي. كما ستكون حاضرة توصيات المؤتمر العالمي حول المناخ المنعقد مؤخرا في شرم الشيخ بمصر ( كوب 27). لكننا نعرف أن قمة بالي هي أيضا مناسبة للقاءات المباشرة بين قادة العالم بعد التدابير الوقائية لكوفيد، وامتداد مساحة التوتر بين العديد من قادة بلدان جي 20. فالرئيس الأمريكي جو بايدن، مثلا، لم يلتق مباشرة بالرئيس الصيني شي جينبينغ منذ كان نائبًا للرئيس أوباما. لذلك فلقاؤهما على هامش قمة جي 20 بأندونيسيا سيكون حدثا سياسيا مهما في تاريخ العلاقات بين البلدين، التي ازدادت توترا مع رفع تسعيرة الجمارك في عهد الرئيس السابق ترامب، ثم حبس العالم أنفاسه أثناء زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة البرلمان الأمريكي، لجزيرة تايوان في غشت الماضي، ورد الصين عليها بتنظيم مناورات عسكرية غير مسبوقة في المنطقة. ورغم ما عرفته علاقات المملكة العربية السعودية بالولاياتالمتحدةالامريكية من مد وجزر في السابق، فإن عدم تصويت السعودية على قرار رفع إنتاج النفط في الاجتماع الأخير لمنظمة أوبك بلوس أزعج كثيرا الإدارة الأمريكية، خاصة أن القرار جاء في وقت تبحث فيه دول الغرب عن بديل لغاز روسيا. لذلك فلقاء الأمير السعودي محمد بن سلمان وبايدن من شأنه إذابة الجليد وبناء علاقات جديدة على مقاسات المرحلة الجديدة. كما أن سلسلة توتر العلاقات بين أعضاء جي 20 تشمل أيضا فرنسا وتركيا بسبب تنافسهما أولا على دور الوسيط بين روسيا والغرب، وثانيا على مناطق بإفريقيا.. كما يشمل التوتر فرنساوإيطاليا بخصوص ملف الهجرة وفتح الموانئ أمام بواخر المنظمات الإنسانية المحملة بالمهاجرين غير النظاميين. لكن يبقى الغائب الأكبر عن قمة جي 20 هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سيعوضه وزير خارجيته سيرجي لافروف، ربما لانشغاله بإدارة الحرب في أوكرانيا، خاصة بعد قرار روسيا الانسحاب المفاجئ من منطقة خيرسون، التي تم ضمها إلى جانب ثلاث مناطق أخرى إلى السيادة الروسية بعد استفتاء شعبي في شهر شتنبر الماضي لاقى الكثير من الانتقاد والتشكيك في مصداقيته وقانونيته. الانسحاب الروسي من خيرسون الأوكرانية اعتبره البعض هزيمة قاسية لروسيا في الحرب على أوكرانيا، وأنه سيؤثر لا محالة على مجريات الحرب هناك، كما سيؤثر على سير المفاوضات القادمة، وأكثر من هذا سيهز ثقة القوات الروسية نظرا للموقع الاستراتيجي الهام للمنطقة. كما اعتبره البعض الآخر مقدمة لمفاوضات قد تقود إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين روسياوأوكرانيا. لذلك من المنتظر أن تكون الحرب الروسية/ الأوكرانية وكل تداعياتها، من تهديد للأمن الطاقي والغذائي وموجات الهجرة الجماعية، أحد الملفات التي ستحظى بنقاشات مطولة في قمة بالي لتعقد العلاقات بين تياريْ الحرب: تيار روسياوالصين وإيران من جهة، وتيار أوكرانيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا والناتو من جهة ثانية، ولتغييرات مهمة في منظمة البريكس BRICS ، حيث فاز اليساري لويس إيناسيو لولا بولاية ثالثة في البرازيل وأزاح بذلك اليميني جايير بولسونارو. وبالمناسبة فقد لوحظت في السنوات الأخيرة عودة قوية لما سمي في بداية سنوات 2000 ب"الموجة الحمراء" في أمريكا اللاتينية، حيث فاز اليسار في رئاسيات أكبر اقتصاديات أمريكا اللاتينية كالمكسيك والأرجنتين والشيلي وكولومبيا والبرازيل، بالإضافة إلى فنزويلا. وهو ما قد يعني تقديم طلب انضمام هذه الدول إلى منظمة البريكس، التي تحاول إقامة نظام عالمي بديل أو مقابل لكل مؤسسات العالم الحالي. وستحاول كل الدول الأعضاء في جي 20 الدفاع عن مصالحها الثنائية أو في إطار تحالفات كبرى سياسية أو اقتصادية. وهكذا لاحظنا تنظيم لقاءات وزيارات مجاملة بين الأعضاء كلقاء الألماني أولاف شولز بالصيني شي جينبينغ، أو إطلاق تهديدات مبطنة واستعدادات للحرب كتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمدينة تولون يوم 9 نوفمبر بخصوص الخطوط العريضة للاستراتيجية العسكرية الجديدة للبلاد، أو ظهور الرئيس الصيني ببذلة عسكرية في اليوم نفسه، وحديثه عن تعزيز قدرات الجيش والاستعداد للقتال. في الوقت الذي طار فيه الرئيس جو بايدن إلى مصر للمشاركة في أعمال "كوب 27" مباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي التي جرت في فاتح نوفمبر الحالي، ومنها إلى كامبوديا للمشاركة في اجتماع "آسيان" يومي 12 و13 نوفمبر، ثم إلى أندونيسيا للمشاركة في قمة جي 20. أما الرئيس الصيني فسيطير إلى مدينة بانكوك بالتايلاند لمشاركة القادة الاقتصاديين APEC بعد قمة جي 20، حيث من المنتظر لقاؤه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضا. ويبدو أن قمة بالي في نوفمبر 2022 ستكون نقطة فاصلة بين مرحلتين وبين تيارين، بعيدا عن صوت الرصاص والتهديد بالأسلحة النووية أو القذرة، وبعيدا عن توظيف سلاح التجويع الجماعي والظلام وقطع الكهرباء والتهديد بالعقوبات الاقتصادية من جهة، وبين تيار ينتصر لصوت الحكمة وكل الطرق الديبلوماسية، وفي مقدمتها الديبلوماسية الناعمة، وينتصر للشرعية الدولية واحترام السيادة الوطنية للدول من جهة ثانية، لأن قمة بالي يجب استثمارها كفرصة كبيرة للسلام.