استفاق العالم، صباح السبت 3 يناير الجاري، على صدمة سياسية غير متوقعة، حين تحول خبر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في قلب العاصمة كاراكاس من لدن عناصر قوة دلتا التابعة للجيش الأمريكي في عملية معقدة ومنسقة وترحيلهما إلى الولاياتالمتحدة حيث سيواجهان صك اتهامات ثقيلة إلى العنوان الأبرز على شاشات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، لتنطلق معه التكهنات حول تبعات لحظة نهاية حقبة مادورو الذي حكم فنزويلا بقبضة من حديد لأكثر من عقد من الزمن وحول آثار هذا التطور على خريطة القوة في أمريكا اللاتينية. ولد نيكولاس مادورو موروس، وهذا هو اسمه الكامل، في الثاني من شهر نونبر من العام 1962 في العاصمة كاراكاس. بدأ حياته السياسية في سن مبكرة من خلال الانخراط في العمل النقابي والسياسي، الذي تعلم أُسسه ومبادئه في كوبا. انخرط مبكرا في الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي (PSUV)، إذ كان من أبرز المقربين من الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز أو "القائد الأسطوري" كما يحلو للفنزويليين تسميته. اللافت في مسيرة مادورو هو أنه بدأ حياته المهنية كسائق حافلة، وبرز في الأنشطة النقابية حينها وفي الدفاع عن حقوق العمال؛ ما ساعده على تسلق سلم السياسة بسرعة كبيرة، وشغل مناصب كبيرة عديدة؛ منها منصب رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) ما بين عامي 2005 و2006، ثم وزير الخارجية من هذه السنة الأخيرة إلى غاية سنة 2012، ثم نائب الرئيس وصولا إلى دخول "قصر ميرافلوريس" (القصر الرئاسي) في سنة 2013 بعد الانتخابات التي أجريت بعد وفاة تشافيز، إلى غاية اعتقاله في العملية الأمريكية التي أُطلق عليها اسم "العزم المطلق". امتدت فترة حكم مادورو، المتزوج من المحامية سيليا فلوريس التي تُعد أول امرأة تشغل منصب رئاسة الجمعية الوطنية في فنزويلا، لأكثر من اثني عشر عاما. وكانت هذه المدة بالنسبة للعديد من الفنزويليين تجربة مليئة بالأزمات، إذ شهدت البلاد التي تتوفر على واحد من أكبر احتياطات النفط في العالم خلال تلك السنوات انهيارا اقتصاديا غير مسبوق وتضخما مفرطا أرهق الأسر، ونقصا حادا في السلع الأساسية، وتفاقم البطالة والفقر إلى مستويات قياسية. وفي عهده، شهدت العلاقات الدبلوماسية لفنزويلا مع الدول الغربية، وخاصة الولاياتالمتحدةالأمريكية، توترا كبيرا. وتشكك أمريكا في شرعية إعادة انتخابه رئيسا للبلاد للمرة الثالثة على التوالي، وتتهمه بانتهاك حقوق الإنسان ومصادرة الحريات العامة وقمع المعارضة، إلى جانب تورطه في قضايا تهريب مخدرات. وانعكس هذا التوتر بين البلدين في شكل عقوبات اقتصادية فرضتها الخزانة الأمريكية على مادورو وعلى كبار المسؤولين الفنزويليين على امتداد السنوات الماضية؛ ما عزز العزلة الدولية لهذا البلد وجعله في مواجهة شبه مستمرة مع القوى الغربية، وأدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية بشكل مباشر. ولم يقتصر تأثير مادورو على الداخل الفنزويلي، بل امتدت يد تأثيره إلى الصراعات الإقليمية؛ فبرز كأحد أبرز المساندين لجبهة "البوليساريو" الانفصالية، إذ دافع بلا تردد عن مواقفها ضد المملكة المغربية مستغلا الرصيد السياسي لبلاده في أمريكا اللاتينية لتقويض السيادة المغربية على الصحراء، وتعزيز وجود "البوليساريو" في المنطقة بتنسيق مع الجزائر حليفته في شمال إفريقيا، التي صمتت عن اعتقاله ولم يصدر عنها أي بيان إلى حدود كتابة هذه الأسطر. المواقف العدائية لنظام مادورو ضد المغرب دفعت الرباط في سنة 2009 إلى نقل سفارتها في هذا البلد إلى جمهورية الدومينيكان، ردا على ما وصفه بلاغ وزارة الخارجية المغربية حينها ب"العداء المتصاعد للسلطات الفنزويلية إزاء قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وإجراءات التأييد التي اتخذتها مؤخرا حكومة هذا البلد لفائدة الجمهورية الصحراوية المزعومة". وفي سنة 2019، عبرت المملكة المغربية عن دعمها الرسمي لإعلان رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية، المعارض خوان غوايدو، رئيسا مؤقتا للبلاد؛ فقد عبّر ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، حينها، خلال مكالمة هاتفية مع غوايدو، عن دعم الرباط لكل التدابير المتخذة من أجل الاستجابة للتطلعات الشرعية للشعب الفنزويلي للديمقراطية والتغيير. وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت في غشت من العام 2024، والتي أعلن نيكولاس مادورو فوزه فيها وسط تشكيك دولي واسع النطاق إثر إعلان المعارضة الفنزويلية، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، عدم الاعتراف بنتائجها واندلاع احتجاجات عارمة في البلاد، أصدرت دول عديدة، من بينها المغرب، بيانا مشتركا دعت من خلاله إلى احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع الفنزويليين، منددة في الوقت ذاته بالاعتقالات التعسفية التي طالت مكونات المعارضة على يد السلطات.