تعليقًا على "مأساة مساء الأحد"، بسبب تصرفات الفريق "الرابح"، كتب الإعلاميون والكتاب في الخارج بعض انطباعاتهم التي مزجت بين الإنصاف والأسف. وينتظر في الآتي من الأيام أن تتجاوز تعليقات الإعلام في الداخل التشريح الكروي التكتيكي السطحي، لتتناول ما انكشف من الأسرار وما لا يجوز أن يمحوه النهار؛ بمعنى، ما لا يجوز أن يسكت عنه مغربي أو مغربية بعد اليوم. ومن جملة من علق في الخارج، الصحافية المغربية الألمانية سعاد مخنت التي تعمل في كبريات الصحف الأمريكية، فقد كتبت في حسابها الشخصي تقول: "ليس الرابح حصريًا هو من يسجل الأهداف، لكن الرابح هو الذي يشِّرف اللعب بسلوك يتميز بالإنصاف وباللطافة والأنفة والكرامة". وقد نقلت عنها هذا التعليق في حسابها الشخصي وبنفس المناسبة، البطلة الدولية الشهيرة في لعبة التنس، مارتينا نافراتيلوفا Martina Navratilova. لا ينتظر من الإعلام المغربي، وهو يحلل الموضوع في ما يأتي من الأيام، أن يحرج الدولة وهي حريصة على العلاقات "الطيبة" مع البلدان الأخرى، حفاظًا على المصالح وعلى اللياقة؛ لكن، لا الدولة ولا المواطنون يمكن أن يقبلوا النزول إلى الدرك الأسفل من التصرفات على أرضنا وفي ضيافتنا التي لم تفرط في أوجه الإكرام؛ لكن، لا الدولة ولا المواطنون يمكن أن يقبلوا الدسيسة والإهانة؛ لكن، لا الدولة ولا المواطنون يمكن أن يقبلوا العنف والتخريب؛ لكن، لا الدولة ولا المواطنون يمكن أن يقبلوا مثل هذا الثمن للانخراط في هيئات تضطرنا إلى التعامل مع أطراف لا تتردد في اللجوء إلى المكر والنذالة. كيفما كانت العقوبات التي ستعلن عنها الهيئة المنظمة (الفيفا والكاف)، فإن هذه العقوبات لا تعفي مما ينتظر المغاربة من محاسبة أنفسهم ومحاسبة غيرهم في ما يتعلق بالمواقف التي ستؤخذ مستقبلًا. أما العداوة، فلا تملك الدولة ولا المواطنون أن ينزعوها من نفوس الذين تسكنهم؛ ولكن التعبير عنها بالكذب أو بالشتم أو بالتخريب، فذلك أمر لا تسمح مشاعر المواطنة بجرنا إلى الانخراط فيه. لقد تحولت المنافسة الشريفة في كرة القدم، التي احتضنها المغرب وهيأ لها ما انبهر له العالم، تحولت إلى مؤامرة خبيثة. بدأت بخروج رائحة الكذب الكريهة من أفواه الذين قالوا إن إسكانهم كان في "فندق رديء تعرضوا فيه لأكل الناموس". فقد أخطأوا في اختيار عناصر الكذبة؛ لأن الفنادق من الصنف الذي نزلوا فيه لا يكون فيها الناموس حتى في الصيف، فما بالك بفصل الشتاء والأمطار تتهاطل. فيحق لناموس بلدهم أن يرفع بهم الدعوى؛ لأنهم جعلوه يهاجر في غير وقت الهجرة إلى الشمال، بل مسخوه بتشبيهه بناموس المغرب المسالم الذي حتى إن عض في الصيف لا يلحق بجسم الإنسان مرضًا عضالًا. بدت هذه العداوة من أفواه بعض اللاعبين وبعض المدربين، وبدت من بعض "المشجعين" الذين حضروا إلى المغرب، وبدت من آخرين في بعض بلدان الفرق المشاركة، ومن آخرين في بعض بلدان الهجرة. جهة واحدة قامت لحد الآن بتصريحات تصحيحية هي مصر، التي بينت جامعتها لكرة القدم أنها لا تقبل التصريحات التي ظهرت فيها قلة الحياء. ومن حق المواطنين، بهذا الصدد، أن يتابعوا إجراءات السلطات السنيغالية التي سجلت شرطتها محاضر حول تصرفات مواطنيها الذين اتجهوا تلك الليلة إلى مقهى بداكار يمتلكه مغربي، وكان فيه مواطنون مغاربة لمتابعة المباراة. فقام المهاجمون السنيغاليون، يساعدهم أشخاص من جنسية أخرى، قاموا باحتجاز المتفرجين المغاربة وبمنعهم من الخروج في انتظار النتيجة. ويُظهر تسجيل على الفيديو شخصًا مغربيًا من هؤلاء المحتجزين وهو ينظر إلى لقطة اللاعب دياز قبل أن يقذف الضربة الفاشلة، والمغربي المحتجز يصرخ ويقول ويعيد: "يا رب ما يسجلها". كان يقول ذلك؛ لأنه كان يتوقع كل أنواع الشر لو وقع أن غلب المغرب بتلك الضربة. وشاهد الناس مناظر هستيرية في شوارع بلدان أخرى، لم تقف عند ما يجوز من الفرح "على فرض أنه مستحق"، بل تجاوزته إلى القيام بتصرفات وعبارات تظهر العداء للمغرب. شهد العقلاء من إعلاميين وغيرهم للمغرب بالإكرام والكرامة والمقدرة في تنظيم هذه الدورة، وهو أمر لا تقدر عليه الجهات المسعورة. ولكن المغاربة يتوجب عليهم أن يميزوا الخبيث من الطيب؛ فهم مسئولون عن إفهام أبنائهم المهتمين بكرة القدم حتى يعرفوا العدو من الصديق. والمغاربة مسؤولون حتى عن الاعتذار لبعضهم البعض عن حسن النية لمن لا يقابلها بالمثل، وعن حسن الضيافة لمن يقابلها بالكفران، بل حتى عن البشاشة في وجه الغادرين؛ فما بالك بالتضحية مع من لا يملكون حتى الإحسان إلى أنفسهم والخروج من ورطاتهم. مسرحية يوم الأحد مساء، مسرحية مفضوحة بكل ما وقع فيها من التخبط. ولا شك أن الخبث الذي صاحبها من الأول إلى الأخير قد أضعف معنوية اللاعبين المغاربة عن المواجهة. ولا شك أن ما وقع فيها من العنف الدامي قد أجهز على جزء من معنوية الفريق المغربي؛ فليس من قام بالتحضير للعدوان كمن فوجئ به. للمغرب شهود في العالمين، ولكنهم لن يعذروه إذا استمر في سذاجته وإهذار طيب مشاعره ووقته وإمكاناته. من واجب المحللين والكتاب المغاربة أن يعتبروا ما وقع لحظة فارقة، وأن يسهموا في إبراز عمق دلالاتها؛ حتى يزيد المغرب معرفة بمحيطه، ويتقي شر الحاقدين والعنصريين. لا فرق بين هذا وذاك إلا ما ظهر مساء الأحد. فلا عذر بعد اليوم في الأخطاء، سواء تسترت بالحساب أو بالأحساب أو بالانتساب أو بالجوار. فالحدث من حيث طبيعته لا يعدو أن يكون لعبة كرة، ولكن ظهر فيه مع الكرة ما وراءها. فلرب نقمة في طيها نعمة. والحمد لله على أن الجمهور المغربي لم يحس بهزيمة، ولكنه أحس بنكسة في مشاعره المضيافة وطيبوبته المتدفقة. ولكن لا يحق للمرء أن يلدغ من جحر مرتين. وبعد، فما هي تدابير الاحتياط من أجل كف تبذير الرصيد المعنوي للمغاربة؟ كيف يكون ذلك؟ التعاون على إيجاد الجواب هو مسؤولية الجميع، وتجاوز هذه المسؤولية منذر بشر أكبر من الذي وقع. والذي لا يجوز أن يفوت المغاربة هو استخلاص بعض الدروس، والعمل بمقتضى الاستنتاجات في المستقبل. لقد استضاف المغرب هذه الدورة وأحسن الاستضافة بالتنظيم والعناية والترحيب. لاعبونا الطيبون احترف معظمهم في أندية أجنبية ذات شهرة عالمية، في بيئة تحترم فيها المعايير الأخلاقية الإنسانية والمهنية. وفوق ذلك، سبقت لهؤلاء اللاعبين تجارب مع أبطال كبار أمثال رونالدو وغيره. غلبهم هؤلاء اللاعبون باسم المغرب، فما تذمروا ولا سخطوا ولا ضربوا ولا جرحوا ولا اتهموا ولا أسلم المغلوبون وجمهورهم للغرائز الوحشية المدمرة، وإنما خضعوا لما يسمى عند الفضلاء ب"قواعد اللعب". أخيار ربحناهم، وما تصنعوا الألاعيب البائسة. إن مما يتوجب على الإعلام تنوير الرأي العام في شأن تصرفات المتآمرين، وأنها مرتبطة بخلفيات منها على الخصوص العداء لوحدتنا الترابية. ففي كل بلد من البلدان توجد طغمة قابلة للتحريك من مصدر العداء الأصلي، وكانت هذه فرصة سانحة للتحريك سواء في بلدان جنوبي الصحراء أو بلدان الشرق الأوسط أو في بعض البلدان الأوروبية. فالذي ظهر ليس عجبًا، ولكنه تعبير عن إظهار تصرفات المنافسة الخبيثة في هامش منافسة نظمناها على أساس أنها منافسة شريفة. فعلينا أن نتخذ ما يلزم، ولكن لا يجوز لنا أن نتخذ تلك التحريكات العدائية على أنها مواقف شعوب نحبها وتحبنا. وحكمة المغاربة الأصيلة الكامنة في وجدان الشعب ظهرت في رد الفعل بعد نهاية المقابلة الشقية. فقد كان المغاربة كلهم يستعدون لاحتفالات غامرة بعواطف جياشة، فلما آل الأمر إلى ما آل إليه، انصرفوا من الملعب ومن المقاهي ومن الشوارع إلى بيوتهم وقد نزلت علهم حرقة، باطل فيها سكينة، وكأن الذي وقع في الزمن الماضي من جملة نوائب الدهر وغوائل الحدثان. لكن هذه السكينة يمكن أن تفرز كل شيء إلا النسيان؛ لأننا إن نسينا ولم نخرج بالعبرة اللازمة للمواجهة خارج "اللعب"، ستتحول سمعتنا إلى ما لا نحب، سمعة أناس قابلين للخداع. وقد جاء في الحكمة: "لستُ بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني". Je ne suis pas dupe, et le dupe ne peut point me tromper. فمزيد البيان الحكيم الذي يتوقف عليه المواطنون، من الآن فصاعدًا، بخصوص هذا الموضوع، هو البيان المنتظر من جهة الإعلام ومن الغيورين النبهاء من ذوي الأقلام. فعلى الفهم الصحيح يتوقف نجاحنا بلا خيبة أمل.