لم يكن تنظيم المغرب للكأس الأفريقية في نسختها 35، تنظيماً لتظاهرة رياضية أو كروية عادية، بل كان تنظيماً يندرج ضمن سياق تنافس جيوستراتيجي حاد وتنافس إقليمي، خاصة مع الجزائر. ولعل إدراك النظام الجزائري لهذا المعطى دفع به إلى تعبئة كل آلياته الدعائية واللوجستيكية والسياسية لنسف كل الجهود اللوجستيكية والتنظيمية التي بذلها المغرب لإنجاح هذه التظاهرة. استضافة المغرب للكأس الأفريقية والاشعاع الإقليمي أشارت بعض الدراسات المختصة في المجال الرياضي إلى اتجاه الدول مؤخراً لاستخدام الرياضة كقوة ناعمة، وذلك عبر سعيها إلى استضافة الألعاب الرياضية واستخدام مثل هذه الأحداث لتنشيط الدبلوماسية العامة. فقد زاد تنافس الدول على استضافة التظاهرات الرياضية البارزة، وبالأخص اقصائيات كرة القدم القارية (الكأس الآسيوية، كأس أمريكا اللاتينية، الكأس الأفريقية) أو العالمية المتمثلة في التنافس على تنظيم كأس العالم. وفي هذا السياق، سعى المغرب إلى التنافس على استضافة الكأس الأفريقية أو الترشح للفوز بتنظيم كأس العالم لكرة القدم. إذ يبدو أن عودة المغرب للانضمام للاتحاد الأفريقي كان يندرج ضمن استراتيجية ملكية شمولية تقوم على تكريس المغرب كقوة إقليمية. فالمستجدات التي يعرفها العالم، سواء في تغير هرمية القوى العالمية، خاصة بصعود قوى عالمية جديدة على رأسها الصين، جعلت من أفريقيا رهاناً اقتصادياً واستراتيجياً، خاصة في بداية القرن 21. ولعل هذا المستجد هو الذي جعل المغرب يبلور استراتيجية خاصة بأفريقيا تتخذ عدة أبعاد اقتصادية ودينية وسياسية وأمنية وكذا رياضية. وبالتالي، شكلت بطولة كأس أفريقيا للأمم 2025 منعطفاً مهماً في مجال تنظيم التظاهرات الكروية الأفريقية، وذلك من خلال توفير 24 ملعباً لتداريب المنتخبات، وهو أمر لم يحدث قط في تاريخ هذه البطولة القارية العريقة. حيث تهدف هذه الآلية المبتكرة والمهيكلة إلى توفير ظروف إعداد مواتية للمنتخبات، مع الحرص على ضمان التكافؤ الرياضي والنجاعة اللوجيستية. فلأول مرة في تاريخ تنظيم كؤوس أفريقيا، خُصص لكل فريق من المنتخبات ال 24 المؤهلة إلى هذه النسخة ملعباً رسمياً للتداريب خاصاً به، يضم كل مستلزمات الإعداد البدني والتقني والتكتيكي، حيث جرى اختيار هذه الملاعب الموزعة على مختلف جهات المملكة حسب معايير حددتها الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم، لاسيما ما يتعلق بجودة البنيات التحتية وسهولة الولوج والأمن والقرب من ملاعب التباري. وقد ساهم هذا الإجراء اللوجستي على المستوى الرياضي في ضمان تقديم أداء كروي جيد. فوضع بنيات تدريبية رياضية عصرية مخصصة لهذه المنتخبات، مكنها من الاستعداد لمبارياتها في ظروف متشابهة، مما سيتيح لها سرعة التعافي البدني وانسجام المجموعة. كما ساهمت هذه البنيات في تقليص حدة العوائق المرتبطة بالتنقلات، والتي غالباً ما نُظر إليها في النسخ الماضية على أنها عامل مسبب للتعب. وبالإضافة إلى البعد الرياضي، لعبت هذه الملاعب التدريبية دوراً مركزياً في التنظيم اللوجيستي لكأس أفريقيا للأمم 2025، لأنها أتاحت وضع خطط أفضل لتحركات المنتخبات، وتنسيقاً فعالاً مع السلطات المحلية، وإدارة ناجعة للتدفقات، سواء بالنسبة للوفود أو المصالح الأمنية. كما أن هذه المقاربة ساهمت في انسيابية البطولة وضمان احترام المعايير الدولية. وهكذا، فإن تهيئة 24 ملعباً تدريبياً عكست كذلك طموح المملكة في جعل كأس أفريقيا للأمم 2025 نسخة مرجعية. فلتعزيز الحضور الجماهيري خلال هذه التظاهرة، أطلقت السلطات المغربية سلسلة من التدابير المبتكرة، من أبرزها اعتماد تأشيرة مجانية عبر تطبيق "يلا" تمكن حاملي تذاكر المباريات وبطاقات المشجعين (Fan ID) من ولوج التراب الوطني بسهولة ويسر. كما تم تعزيز البنية التحتية والخدمات اللوجستية وتطوير المنصات الرقمية لضمان انسيابية تنقل الجماهير داخل وخارج الملاعب، ومواكبة الأعداد المتزايدة من الزوار في أفضل الظروف. وبهذا الصدد، تم إحداث خلية للتواصل والتنسيق بين اللجنة المحلية والبعثات الدبلوماسية الأفريقية، بهدف حل الإشكالات وتبسيط المساطر المرتبطة بتنقل وإقامة المنتخبات وجميع الترتيبات اللوجستيكية المصاحبة. غير أن ما أثار إشادة المنتخبات المشاركة في هذه البطولة الأفريقية واستحسان الكثير من عشاق كرة القدم، هو عدم تأثر أرضية الملاعب المغربية بالتساقطات المطرية التي هطلت بغزارة خلال بعض مباريات النسخة الحالية من كأس أفريقيا 2025، خاصة بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط الذي احتضن حفل افتتاح البطولة وكذلك المباراة الأولى بين المغرب وجزر القمر، حيث ظلت أرضية الملعب صالحة للعب بشكل كامل. وتكرر الأمر نفسه خلال مباراة تونس وأوغندا التي جرت على الملعب الأولمبي بالرباط، حيث لم يواجه اللاعبون أي مشاكل في أرضية الملعب رغم السيول التي ضربت المدينة، فغابت البرك المائية وتحركت الكرة بشكل طبيعي وكأن شيئاً لم يحدث. حيث يرجع الفضل في هذا الأمر إلى نظام تكنولوجي متطور اسمه "ساب إير" (SubAir)، يتيح امتصاص المياه بكفاءة عالية ويحافظ على جودة العشب من خلال ضبط معايير مختلفة مثل التهوية والتصريف والتنظيم الحراري لأرضية الملعب. المخطط الجزائري لتبخيس نجاحات تنظيم المغرب للكان إن انخراط المملكة في مشاريع تنموية استراتيجية همت، على الخصوص، تطوير البنيات التحتية الرياضية ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، كان يهدف إلى تقديم بطولة غير مسبوقة تترك إرثاً قارياً طويل الأمد. لتكون كأس أمم أفريقيا المغرب 2025 أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم، فهي تتجه لتكون احتفالاً قارياً، ولحظة فارقة تجسد الوحدة الأفريقية، وواجهة تبرز القدرات التنظيمية لمغرب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويطمح إلى عرض نسخة نموذجية قارياً، تليق بتاريخه الضارب في القدم وبشغفه العميق بكرة القدم. كما لا يقتصر رهان "كان 2025" على الجانب الرياضي فحسب، بل كان يمثل أيضاً فرصة للمغرب لتأكيد مكانته كقطب رياضي أفريقي رائد. من خلال احتضان المملكة خلال السنوات الأخيرة عددا من المنافسات الكبرى، أبرزها كأس العالم للأندية (2022)، وكأس أمم أفريقيا للاعبين المحليين (2018)، وكأس أمم أفريقيا للسيدات (2022 و2024)، فضلاً عن كأس أمم أفريقيا لأقل من 17 سنة، وكأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة (2025). وبالتالي، فقد عكست هذه الدينامية تحويل هذا الموعد القاري إلى فرصة استثنائية لإبراز المكانة الإقليمية للمملكة على الصعيد القاري رياضياً وسياسياً، خاصة في إطار تعبئة المملكة لجهودها الدبلوماسية والسياسية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي التي أقرها مجلس الأمن من خلال قراره 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025. ولعل هذا ما دفع النظام الجزائري إلى حشد كل آلياته الدعائية والاستخباراتية لمحاولة نسف مختلف هذه الإنجازات. فبعدما فشلت الجزائر في الفوز بتنظيم هذه التظاهرة الكروية الأفريقية، واختيار المغرب كدولة منظمة لهذه النسخة، سعى الإعلام الجزائري الرسمي إلى الترويج بأن المغرب ليس مستعداً لتنظيم الكان، في حين انخرط الذباب الإلكتروني الجزائري بشكل كبير في تأجيج احتجاجات جيل Z بغرض إجهاض تنظيم المغرب لهذه التظاهرة التي لم يتبقى على موعدها سوى شهرين. لكن هذا المخطط كان فاشلاً لا في مضمونه ولا في توقيته ولا في أساليبه؛ خاصة مع تنامي الوعي الشعبي للمغاربة، وخاصة الشباب، وحنكة السلطات العمومية. وقد انعكس ذلك من خلال افتتاح ملعب الأمير مولاي عبدالله وإنجازه في ظرف قياسي من طرف شركات مغربية 100%. ومع افتتاح هذه التظاهرة الكروية الأفريقية، عمل المخطط الجزائري على تأليب الرأي العام الجزائري ضد المغرب والمغاربة، واختلاق مجموعة من الأكاذيب، كادعاء انقطاع الكهرباء عن الملاعب أو غرق أرضيتها بسبب هطول الأمطار، والتبول في المدرجات من طرف بعض المؤثرين الجزائريين، وتهافت الصحفيين الجزائريين على مشتقات الحليب، والتهجم على الحكام... الخ) وهي أحداث سمحت للمغرب (خاصة الأمن والمنظمين) بتسجيل نقاط مهمة في إطار حرب الصورة. فعكس مخطط النظام الجزائري، فقد سمح حضور عدد من الجماهير الجزائرية القادمة من أوروبا بنقل الصورة الحقيقية للتطور الذي حققه المغرب، وللسلوك الحضاري والمعاملة الراقية للمغاربة اتجاه الجزائريين، وهو ما سبب صدمة أخرى للنظام الجزائري وأفشل خططه التخريبية في التشويه وقلب الحقائق... المخطط الجزائري لنسف التقارب المغربي السنغالي عرفت المباراة النهائية التي جمعت المنتخب السنغالي والمنتخب المغربي البلد المنظم، اندلاع أحداث عنف مباشرة بعد احتجاج عدد من مشجعي المنتخب السنغالي على قرار الحكم الكنغولي احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي، وقرار مدرب السنغال بدعوة اللاعبين إلى الانسحاب. مما نجم عنه خسائر مادية جراء تخريب المقاعد والشاشات والتجهيزات الداخلية، قُدرت قيمتها ما بين 300 ألف و700 ألف يورو. ولولا تضييع اللاعب دياز ركلة الجزاء، وتتويج المنتخب السنغالي باللقب عقب فوزه على نظيره المغربي بهدف دون رد، لتحولت المباراة النهائية إلى مجزرة دموية بين مشجعي المنتخبين. إذ على الرغم من إلقاء الشرطة المغربية القبض على 18 مشجعاً سنغالياً بالإضافة إلى مشجع جزائري، للاشتباه في تورطهم بأعمال الشغب، فقد تم استغلال هذا الوضع، خاصة من طرف الدعاية الجزائرية ووسائل التواصل الاجتماعي بالجزائر، لتسميم الأجواء بين البلدين ومحاولة دق إسفين الفرقة السياسية والدبلوماسية بين السنغال والمغرب. خاصة وأن السنغال شكل منذ عقود حليفاً استراتيجياً للمغرب بأفريقيا ومسانداً للموقف المغربي بشأن استرجاع أقاليمه الصحراوية، وكان من بين أول الدول الأفريقية التي اعترفت بمغربية الصحراء، حيث اختارت السنغال التي تتواجد جالية مهمة من مواطنيها بمختلف مناطق المملكة، مدينة الداخلة لفتح قنصلية عامة. ولاحتواء هذا الوضع، وتفويت فرصة توظيفه سياسياً ودبلوماسياً من طرف أجهزة النظام الجزائري، سارع الديوان الملكي إلى إصدار بلاغ يؤكد على إعادة الأمور إلى نصابها، مشيراً إلى أن "ما وقع في المباراة النهائية لبطولة كأس أمم أفريقيا بين المنتخبين المغربي والسنغالي لن ينال من التقارب الذي نُسج على مدى قرون بين الشعوب الأفريقية، فإنه رغم ما وقع في الدقائق الأخيرة من نهائي كأس أفريقيا من أحداث مؤسفة، فإنه بمجرد أن تتراجع حدة الانفعال والعواطف، ستنتصر روابط الأخوة الأفريقية بشكل طبيعي، حيث إن هذا النجاح المغربي هو أيضا نجاح لأفريقيا كلها". مضيفاً بأنه "إزاء التشهير وبعض محاولات النيل من المصداقية" فالمغرب "يظل على اقتناع بأن المخططات المعادية لن تبلغ أبداً مرادها، وأن الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور، ولن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة". "فالمملكة المغربية كانت وستظل بلداً أفريقياً كبيراً وفياً لروح الأخوة والتضامن والاحترام الذي كرسه على الدوام تجاه قارته"، و"سيواصل التزامه الراسخ والثابت لفائدة أفريقيا موحدة ومزدهرة، لا سيما عبر التقاسم المشترك لتجاربه وخبرته ومهاراته". وفي سياق هذا التوجه الملكي لتهدئة الأوضاع بين الدولتين والحفاظ على الروابط التاريخية وعرى التقارب الاقتصادي والديني بين البلدين، أجرى رئيس الحكومة عزيز أخنوش اتصالاً هاتفياً مع نظيره السنغالي أوسمان سونكو، حيث اتفق الطرفان على عقد الدورة 15 للجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية السنغالية، كما كان مبرمجاً لها يومي 26 و27 يناير 2026 في الرباط. وخلال اجتماع هذه اللجنة، وقع المغرب والسنغال 17 اتفاقية تعاون تشمل عدة قطاعات، من بينها الفلاحة والصناعة والتشغيل والتعليم والبنيات التحتية والاقتصاد الرقمي. إلى جانب ذلك، وُقع محضر اجتماع وبيان مشترك، عكسا متانة العلاقات الثنائية ورغبة البلدين في توسيع مجالات الشراكة الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بالمبادرة الأطلسية. كما تخللت أشغال هذه اللجنة إقامة مأدبة غذاء على شرف الوزير الأول السنغالي والوفد المرافق له، والتي عادةً، ووفق البروتوكول المخزني، لا تُقام هذه المآدب إلا على شرف رؤساء الدول والملوك والأمراء، أي على مستوى رأس الدولة، لا على مستوى رؤساء الحكومات أو الوزراء الأوائل. مما يبعث رسالة سياسية من المملكة إلى السنغال تبطن ترسخ التحالف الاستراتيجي بين البلدين، قوامه الثقة السياسية والتقارب الشعبي والعمق الأفريقي المشترك. وعموماً، فعلى الرغم من بعض التداعيات السلبية الناجمة عن المباراة النهائية، فقد خرج المغرب من خلال تنظيم الكان رابحاً على كل المستويات: اقتصادياً: حيث أعلن وزير الصناعة عن ربح مليار دولار من التنظيم مع مستويات استهلاك مرتفعة ونشاط سياحي استثنائي أوصل المغرب إلى سقف 20 مليون سائح سنة 2025. ورياضياً: من خلال تبوأ المنتخب المغربي المرتبة الثامنة عالمياً في ترتيب الفيفا وبلوغ النهائي، مع ربح المغرب لعدد من العناصر الشابة التي ستمكنه من الاستعداد الجيد لكأسي العالم القادمين. وتنظيمياً: من خلال نجاح المغرب في تنظيم الكان بشهادة الإعلام الدولي ومسؤولي الفيفا والكاف، وإظهار استعداده للمشاركة في تنظيم كأس العالم لسنة 2030. إعلامياً: حيث استطاع المغرب تسويق صورة جيدة جداً عن المملكة وعن التطور الحاصل من حيث التنمية وجودة البنية التحتية الرياضية والسياحية والعمرانية ومنظومة النقل العصرية والمتطورة تسويقاً عالمياً.