سعيد رحم. مع انطلاق أشغال مشروع التطهير السائل لمدينة تيزنيت أخيرا، يبدو المشهد السياسي المحلي منقسما بين من يرفع شعار "دعاية الأحرار" ومن يدافع عن "سردية الاتحاديين". لكن وسط هذا الجدل والهرج، ثمة مرحلة كاملة تطوقها هالة من الصمت والتغاضي، هي مرحلة تدبير حزب العدالة والتنمية لجماعة تيزنيت بين سنتي 2015 و2021 وعلاقتها بهذا المشروع، حين كان على رأس الجماعة الأستاذ إبراهيم بوغضن. صحيح أن الأستاذ بوغضن نفسه في مقبعه الفكري ابتعد اليوم عن التدبير السياسي والتنظيمي لحزب العدالة والتنمية، لكن السؤال الذي نطرحه هو، أين موقف حزب العدالة والتنمية كمؤسسة من الدفاع عن حصيلة هذه المرحلة وملفاتها ومن نقاش اليوم؟ ولماذا يلتزم الحزب الصمت وكأنه غير معني بما يجري الآن من نقاش في ملف مشروع التطهير السائل بالغ الحيوية والذي ارتبط أيضا بمرحلة تسييرهم للجماعة؟ والأكثر إثارة للاستغراب أن فريق العدالة والتنمية حاليا داخل جماعة تيزنيت يتحدث عن كل شيء صوتا وصورة، ويناقش قضايا صغيرة وكبيرة، ويصدر بيانات ويعلق على مستجدات يومية، لكنه عندما يصل الأمر إلى ملفات حساسة أو مرحلة دقيقة مثل ملف التطهير السائل، يختفي تماما ويلتزم الصمت، وكأن لسانه معقود.. وكأن هناك داخل هذا الحزب نفسه جناحا يريد طمس معالم تجربة الأستاذ إبراهيم بوغضن ومحوها من ذاكرة تيزنيت الجماعية، لحسابات داخلية يختلط فيها الشخصي بالسياسي. والأهم أن النقاش لا يجب أن يبقى محصورا بين حزب الأحرار والاتحاديين، فهذا التبادل للاتهامات لن يكشف الحقيقة كاملة.. ما نحتاجه فعلا هو رواية طرفين آخرين كانا حاضرين في قلب الأحداث، رواية حزب العدالة والتنمية الذي كان على رأس الجماعة في مرحلة حاسمة من تدبير ملف التطهير السائل، وكان يروج لهذا الملف كأحد أبرز أوراقه السياسية والتنموية بالمدينة، ورواية حزب التقدم والاشتراكية الذي يعتبر شريكا في كل التحالفات والحاضر في تسيير كافة المجالس منذ ما يقرب من ثلاثين سنة. لكن لا يجب أن نغفل أن حزب التجمع الوطني للأحرار كان حاضرا أيضا داخل جماعة تيزنيت منذ سنة 2015 من موقع الأغلبية والتسيير وتدبير الملفات الكبرى، وليس فقط منذ 2021 كما يحاول أن يروج اليوم.. فالتجمع الوطني للأحرار يستثمر كعادته في النسيان والمناطق الرمادية، وفي عدم تتبع المواطن للشأن المحلي وضعف ذاكرته السياسية، وفي غياب مجتمع مدني يواكب وإعلام محلي مستقل يبحث عن المسكوت عنه والروايات الأخرى.. الأحرار يقدمون أنفسهم وكأنهم بدأوا تجربتهم في تدبير الجماعة فقط مع سنة 2021، بينما الحقيقة أنهم كانوا في التسيير والاغلبية منذ 2015، بل أكثر من ذلك، بل قاد أحد أعضائه أشرس حروب جيوب المقاومة ضد الرئيس بوغضن. وأتمنى أن يتحدث الأستاذ بوغضن يوما ما عن هذه المرحلة وخباياها وعلاقته بحليفه آنذاك الأحرار وعلاقته بسلطة الوصاية الداخلية بل وحتى عن بعض اعضاء حزبه محليا وجهويا.. كان الأحرار حاضرين أثناء تواجدهم في التسيير منذ 10 سنوات بأذرع نافذة في دهاليز الجماعة وجهازها الإداري والتقني، كانوا يملكون خيوط الملفات الكبرى وكواليسها.. يملكون المفاتيح وقشور الموز في مواجهة حليفهم العدالة والتنمية، إلى درجة أن هناك من يصف ما كان يحدث آنذاك بأنه "مجلس ظل" داخل جماعة تيزنيت كان يترأسه الأحرار منذ 2015. أما حزب التقدم والاشتراكية، الذي كان حاضرا كشريك في التحالف خلال ولاية 2015-2021، وما زال حاضرا داخل المجلس إلى اليوم، فيبدو وكأنه "شاهد ما شافش حاجة" في مسرحية عادل إمام.. هذا الحزب الذي شارك في تدبير الجماعة لعقود، ويمتلك خبرة تراكمية في التحالفات المتقلبة، لم يقدم حتى الآن أي رواية أو توضيح حول ما جرى في ملف التطهير السائل. فرغم أنه حاليا يبدو مجرد ديكور داخل المجلس لا تسمع له ركزا ولا موقفا، فإنه مطالب بأن يجيب على سؤال ملف التطهير السائل وأسباب تعثره منذ أكثر من عقد. أم أنه كان شريكا صامتا وشكليا، خاصة في ظل وجود "مجلس ظل" يقوده الأحرار ويوجه الأمور من وراء الستار في ولاية العدالة والتنمية؟ الرأي العام في تيزنيت لا يريد أن يبقى رهينة للمزايدات الانتخابية بين الأحرار والاتحاديين.. الرأي العام يريد معرفة الحقيقة كاملة، لأن هناك شبهة حقيقية بهدر زمن تنموي ثمين بالمدينة. بل إن التأخر الطويل في إنجاز مشروع حيوي بهذا الحجم يطرح تساؤلات أعمق، هل يمكن أن تكون هناك شبهة تبديد للمال العام أيضا جراء هذا التأخر؟ فكل سنة تمر دون إنجاز تعني تكاليف إضافية، وأضرارا بيئية وصحية، وفرصا ضائعة للتنمية.. من المسؤول الحقيقي عن هذا التعطيل؟ ومن هي الأيادي الخفية التي وقفت وراء إرباك المشروع طوال سنوات، وتتحين الفرصة للاستثمار فيه سياسيا وانتخابيا في الوقت الذي تريد؟ ولماذا لم تتم محاسبة أي مسؤول عن هذا التأخير؟ لا يمكن اليوم تجاوز مرحلة 2015-2021 وكأنها لم تكن، ولا يمكن اختزال النقاش في صراع بين فريقين سياسيين يتنافسان على الدعاية الانتخابية في الزمن الانتخابي.. تيزنيت تنتظر من حزب العدالة والتنمية أن يخرج عن صمته الداخلي وأن يتجاوز حالة الانقسام الظاهرة بين جناح يريد الكشف وجناح يريد طمس تجربة بوغضن، وتنتظر من الحزب أن يقدم روايته كاملة غير منقوصة. كما تنتظر من حزب التقدم والاشتراكية أن يتحدث، فهو الشريك الحاضر في كل التحالفات والشاهد على "العصر" في تيزنيت وكل التفاصيل، بما فيها تفاصيل "مجلس الظل" الذي قاده الأحرار طوال سنوات. والصمت في هذه المرحلة لم يعد مقبولا، لأن ما يترتب عليه أكبر من حسابات حزبية ضيقة. إنه حق المدينة في التنمية والتدبير الجيد للزمن التنموي، وحق المواطنين في بنية تحتية جيدة، وحق المال العام في الحماية من أي تبديد أو هدر.. تيزنيت تأبى النسيان، والتاريخ وحده كفيل بإنصاف الحقيقة رغم أنف المزايدات..فلا يمن علينا أحد في مشروع التطهير السائل، فهو ممول من جيوب دافعي الضرائب، وحق من حقوق الناس والمدينة.. ولكن من حقنا البحث عن الرواية الأخرى في خضم هذا الهرج، رواية مساءلة الذاكرة والتعثر والهدر والمزايدات…{وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} فإن هناك رواية أخرى!