لم تعد مقاومة التغيير مجرد تصرف عفوي يصدر عن الموظف المُسنّ الذي أمضى عقوداً خلف مكتبه، بل تحولت إلى ظاهرة منهجية تنسج خيوطها الدقيقة في أروقة الإدارات العامة والخاصة على حد سواء. ترى الإدارة تُطلق مبادرات إصلاحية بحفاوة، وتُوزع المذكرات بتوصيات ملحة، ثم تكتشف بعد أشهر أن لا شيء تغيّر فعلياً – كأنما مرت عاصفة في وادٍ خالٍ. فما الذي يجعل المؤسسات، التي يفترض أنها كيانات عقلانية، تتشبث بالروتين حتى عندما يُثبت فشله؟ جذور المقاومة: بين النفس والمؤسسة المقاومة ليست مجرد "كسل" أو "جمود"، بل هي رد فعل معقد تتقاطع فيه ثلاثة أنساق: البعد النفسي: الإنسان كائن يطلب الأمان قبل كل شيء. التغيير يُحدث اهتزازاً في "منطقة الراحة"، فيُفقد الموظف ثقته المؤقتة بقدراته، ويصبح معرضاً للخطأ في بيئة جديدة لا يعرف قواعدها بعد. هنا تتحول المقاومة إلى آلية دفاع لا شعورية، فالأمس المألوف، ولو كان معيباً، يبدو أفضل من غدٍ مجهول. البعد التنظيمي: كثيراً ما تُفرض التغييرات من الأعلى دون مشاركة الفاعلين المباشرين. يُطلب من الموظف تطبيق نظام رقمي جديد بينما لم يُستشر في اختياره، ولم يُدرّب عليه تدريباً كافياً. حينها لا تصبح المقاومة عناداً، بل احتجاجاً صامتاً على غياب الكرامة المهنية. فالإنسان لا يرفض التقدم، بل يرفض أن يُعامَل كأداة منفذة لا كشريك في البناء. البعد الثقافي: في مجتمعاتنا، تُقدّس الخبرة الطويلة، ويُنظر إلى "الطرق القديمة" باعتبارها حكمة مكتسبة. من يقترح تغييراً جذرياً قد يُتهم بأنه "يفتقر للتجربة" أو "يتخلى عن الأصالة". هذه الثقافة الضمنية تُغلف المقاومة برداء احترام التقاليد، مما يجعل نقدها أمراً حساساً. ميكانيزمات المقاومة الخفية لا تظهر المقاومة دائماً كرفض صريح، غالباً ما تتخذ أشكالاً ذكية تُربك المخططين: التأويل المفرط: يُطبّق القرار حرفياً بما يُفقدُه روحه. مثلاً: يُطلب "تبسيط الإجراءات"، فيُلغى الموظف خطوة مهمة بحجة التبسيط، مما يولّد فراغاً إدارياً أخطر من البيروقراطية الأصلية. الاستسلام الظاهري: توافق الإدارة على التغيير رسمياً، لكنها تُبطئ تطبيقه عبر طلبات توضيح لا تنتهي، أو عبر توزيع المهام على لجان متعددة تتقاذف الملفات. الاستشهاد بالاستثناءات: يُقدّم كل تغيير مقترح ك "مثالي نظرياً لكنه غير قابل للتطبيق في واقعنا". تُستحضر حالة استثنائية نادرة لتُعمّم على كل الحالات، فيُقتل الإصلاح تحت وطأة "الخصوصية". عندما تصبح المقاومة مشروعة من الظلم اعتبار كل مقاومة سلوكاً سلبياً. فكثيراً ما تكون مقاومة الموظفين الميدانيين إنذاراً مبكراً بأن التغيير مصمم في غرف مغلقة بعيداً عن الواقع. الموظف الذي يرفض نظاماً رقمياً جديداً قد لا يرفض التكنولوجيا، بل يرفض أن يُطلب منه إدخال بيانات مزدوجة لأن النظام الجديد لا يتكامل مع القديم. هنا المقاومة ليست عرقلة، بل هي صوت الخبرة التي تُذكّر صنّاع القرار بأن الإصلاح الناجح يُبنى مع الناس، لا عليهم. نحو إدارة ذكية للتغيير الحل ليس في كسر المقاومة بالقسر، بل في فهمها وتحويلها إلى طاقة بناءة: اجعل الموظف شريكاً لا مستهدفاً: شاركه في تصميم التغيير، استمع إلى مخاوفه، واجعله يرى كيف سيسهم التغيير في تخفيف عبئه لا زيادته. قدّم "جسراً" لا "قفزة": التغيير التدريجي الذي يحافظ على بعض الثوابت يمنح النفس البشرية وقتاً للتأقلم. لا تطلب من موظف اعتاد الورق أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى خبير رقمي. احتفل بالنجاحات الصغيرة: عندما ينجح تطبيق جزئي للتغيير، اجعله قصة يُحتفى بها داخلياً. هذا يبني ثقة تراكمية تذيب الجليد تدريجياً. خاتمة: التغيير ليس هدفاً بذاته المؤسسة التي تغيّر من أجل التغيير ستجد نفسها في دوامة لا تنتهي من المقاومة. أما التي تغيّر لأنها ترى بوضوح كيف سيسهم هذا التغيير في خدمة رسالتها في تحسين خدمة للمواطن، أو في تخفيف عبء عن الموظف، فسوف تجد حلفاء حيث توقعت معارضين. لأن الإنسان، في جوهره، لا يرفض التقدم، بل يرفض أن يُجرّ إلى مجهول دون أن يفهم لماذا، ودون أن يشعر بأن كرامته جزء من المعادلة. المقاومة إذن ليست عدواً يجب سحقه، بل هي مرآة تعكس لنا: هل صممنا تغييرنا بحكمة؟ أم أننا أردنا أن نُحدث ثورة دون أن نزرع بذورها في تربة بشرية خصبة؟ -باحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي