يشهد القطاع اللوجستي في المغرب، كما في العالم بأسره، ثورة صامتة تقودها التقنيات الرقمية المتقدمة، وفي مقدمتها **إنترنت الأشياء**. فمع تسارع التجارة الدولية، وتنامي التجارة الإلكترونية، وتعقّد سلاسل الإمداد العالمية، أصبح الاعتماد على الحلول التقليدية في تتبّع الشحنات وإدارة المخزون وأسطول النقل غير كافٍ لضمان التنافسية والجاذبية اللوجستية. ومن هنا برز إنترنت الأشياء كمنظومة مترابطة من المجسّات والأجهزة والبرمجيات القادرة على جمع البيانات في الزمن الحقيقي، وتحويلها إلى قرارات عملية ترفع من مستوى الكفاءة والشفافية والأمن اللوجستي. تبيّن المعطيات التي تنشرها كبرى الشركات والمنظمات المتخصصة في اللوجستيك أنّ الاستثمارات في تقنيات إنترنت الأشياء داخل سلاسل الإمداد تشهد نموّاً متسارعاً، وأنها باتت تمسّ كل حلقات السلسلة؛ من المزرعة أو المصنع، مروراً بالموانئ والمخازن، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي هذا السياق، يطرح السؤال حول كيفية توظيف هذه الثورة الرقمية في **المنظومة اللوجستية المغربية**، خاصة مع بروز منصّات مهيكلة مثل ميناء طنجة المتوسّط، ومناطق الأنشطة اللوجستية في طنجة والقنيطرة والدارالبيضاء. تبرز أهم تطبيقات إنترنت الأشياء في تتبّع الشحنات، ومراقبة الحاويات، وتحسين إدارة المخزون، وإدارة أسطول المركبات، إلى جانب ما ينتج عن ذلك من فوائد مباشرة في خفض التكاليف وتحسين تجربة الزبون ورفع كفاءة العمليات. وسنحاول في هذا المقال تطوير هذه الأفكار، وتكييفها مع خصوصية السياق المغربي، بما يخدم النقاش العمومي حول التحوّل الرقمي في الخدمات اللوجستية. 1. الإطار المفاهيمي لإنترنت الأشياء في القطاع اللوجستي 1.1 تعريف إنترنت الأشياء وأبعاده التقنية يُقصد بإنترنت الأشياء منظومة من الأجهزة الفيزيائية المزوّدة بمجسّات ووحدات اتصال قادرة على جمع البيانات وتبادلها عبر شبكات الاتصالات، ثم إرسالها إلى منصّات سحابية أو نظم معلومات متخصّصة، حيث تُخزَّن وتُعالَج باستخدام تقنيات التحليل المتقدّم والذكاء الاصطناعي. هذه الأجهزة قد تكون شريحة صغيرة موضوعة على حاوية، أو حساساً داخل شاحنة مبردة، أو عدّاداً ذكياً في مستودع، أو بوابة إلكترونية عند مدخل الميناء. في المجال اللوجستي، تمثّل إنترنت الأشياء امتداداً طبيعياً لتطوّر نظم المعلومات، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على إدخال البيانات يدوياً في نظام تدبير الموارد أو نظام إدارة المستودعات، بل أصبحت الأشياء نفسها "تتكلّم" وتبثّ بيانات مستمرّة حول موقعها وحالتها ودرجة حرارتها ومستوى الاهتزاز أو الرطوبة المحيطة بها. وتتكامل هذه البيانات مع نظم تخطيط الموارد (ERP) ونظم إدارة النقل (TMS) ونظم إدارة المستودعات (WMS) لتوفير رؤية شاملة في الزمن الحقيقي لسلسلة الإمداد. ويتطلّب هذا النموذج بنية تحتية اتصالية متطورة، تشمل شبكات الجيل الرابع والخامس، وحلول الاتصالات بعيدة المدى ومنخفضة الاستهلاك للطاقة، إلى جانب منصّات سحابية قادرة على استيعاب كميات ضخمة من البيانات، وأدوات متقدّمة لتحليلها وتحويلها إلى مؤشرات تساعد متّخذي القرار على التدخّل السريع والفعّال. 1.2 التحوّل الرقمي في اللوجستيك العالمي والمغربي أصبح إنترنت الأشياء اليوم أحد الأعمدة الكبرى للتحوّل الرقمي في سلاسل الإمداد العالمية. فالشركات الدولية في مجالات النقل البحري والجوي والبري، وكبريات شركات التوزيع والتجارة الإلكترونية، تستثمر بكثافة في المجسّات الذكية، والأجهزة القابلة للاتصال، ومنصّات التحليل التنبّئي، بهدف تحقيق رؤية شاملة للسلع من لحظة مغادرتها نقطة المنشأ حتى تسليمها في نقطة الوصول. هذا التتبع الشامل يمكّن من تقليص التأخيرات، وخفض معدّلات السرقة والفقدان، وتحسين دقّة مواعيد التسليم. في المغرب، تتقاطع هذه التحوّلات العالمية مع جهود وطنية حثيثة لتطوير العرض اللوجستي وجعله رافعة أساسية للتنافسية الاقتصادية. فقد ساهمت الاستراتيجية الوطنية للتنافسية اللوجستية، وإطلاق عدد من مناطق الأنشطة اللوجستية، في جذب استثمارات مهمة في مجالات النقل والتخزين والتوزيع. كما أن بروز ميناء طنجة المتوسّط كمحور لوجستي عالمي، وتحوّل عدد من الموانئ إلى تبنّي حلول رقمية متقدّمة، يفتح المجال واسعاً أمام إدماج تقنيات إنترنت الأشياء في تدبير العمليات اليومية. وتشير دراسات أكاديمية متخصّصة إلى أنّ دمج إنترنت الأشياء في الموانئ المغربية يمكن أن يساهم في تحسين أداء العمليات المينائية، من خلال الرفع من سرعة معالجة الحاويات، وتحسين تدفّق المعلومات بين مختلف الفاعلين، وتطوير حلول الصيانة التنبّئية لمعدّات الشحن والرفع. كما تعمل منظمات دولية مثل مؤتمر الأممالمتحدة للتجارة والتنمية على مواكبة جهود الموانئ الإفريقية، ومن ضمنها ميناء طنجة المتوسّط، للتحوّل نحو نموذج "الميناء الذكي" الذي يعتمد على إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة. انطلاقاً من هذا الإطار، يصبح الحديث عن إنترنت الأشياء في الخدمات اللوجستية بالمغرب حديثاً عن رافعة استراتيجية يمكن أن تعزّز مكانة المملكة في شبكات التجارة الدولية، وتدعم تموقعها كبوابة بين إفريقيا وأوروبا. 2. استخدامات إنترنت الأشياء في الخدمات اللوجستية المغربية 2.1 تتبّع الشحنات ومراقبة الحاويات وإدارة المخزون تُستخدم حلول إنترنت الأشياء في إدارة سلاسل الإمداد من خلال إدارة المخزون، وتتبع الشحنات، وإدارة الأسطول، ومراقبة حالة الحاويات والصيانة المقررة، بحيث تستفيد شركات الشحن من هذه التطبيقات لتتبّع أصولها والاستفادة المثلى منها وإطالة عمرها الافتراضي. ويمكن إسقاط هذا المنطق على السياق المغربي، حيث تشكّل حركة الحاويات عبر الموانئ، وحركة البضائع عبر المستودعات ومحاور النقل الطرقي، أساساً لنجاح الصادرات والواردات. أولاً، يتيح إنترنت الأشياء **تحسين تتبّع الشحنات** بشكل غير مسبوق. فباستعمال الملصقات الذكية والأجهزة المزودة بتقنية تحديد الموقع والاتصال اللاسلكي، يصبح ممكناً معرفة موقع كل شحنة في الزمن الفعلي، سواء كانت داخل ميناء طنجة المتوسّط، أو في طريقها بين الدارالبيضاء ومراكش، أو على متن سفينة متجهة إلى أحد الموانئ الأوروبية. هذا التتبع الفوري يرفع مستوى الشفافية بين المصدّرين والمستوردين وشركات النقل، ويساعد على التنبّؤ بمواعيد الوصول، وإبلاغ الزبناء بأي تأخير محتمل قبل وقوعه. ثانياً، تشكّل **مراقبة الحاويات** نقطة حاسمة، خصوصاً بالنسبة للبضائع الحسّاسة مثل المنتوجات الفلاحية المبرّدة، والمنتجات الدوائية، والمواد الكيميائية. فبفضل المجسّات المثبتة داخل الحاويات أو على مستوى أبوابها، يمكن قياس درجة الحرارة والرطوبة والاهتزاز والضغط بشكل مستمر، وإرسال تنبيهات تلقائية في حال خروج هذه المؤشرات عن الحدود المسموح بها. وهكذا يستطيع المصدّر المغربي أن يتدخّل بسرعة لتصحيح الخلل، سواء بتغيير مسار الشحنة، أو إعادة تبريد الحاوية، أو اتخاذ قرار بإيقاف الشحنة حفاظاً على سلامة المستهلك النهائي. ثالثاً، يفتح إنترنت الأشياء آفاقاً واسعة أمام **تحسين إدارة المخزون** داخل المستودعات ومراكز التوزيع. فالأرفف الذكية المزودة بقارئات آلية، والبطاقات ذات التعريف بالترددات الراديوية، والمجسّات التي تقيس مستوى الامتلاء في الوقت الحقيقي، كلها أدوات تمكّن من معرفة الكمية المتاحة من كل منتج، ومعدل دوران المخزون، وتحديد المناطق التي تشهد حركة ضعيفة أو قوية داخل المستودع. هذا النوع من البيانات يساعد مسيّري سلاسل الإمداد على وضع خطط دقيقة لإعادة التموين، وتفادي ظاهرتي نفاد المخزون أو تضخّم المخزون الجامد الذي يكلّف الشركات المغربية رأسمالاً مجمّداً ومساحات تخزين إضافية. إن عدداً من الشركات في المغرب بدأ بالفعل في اعتماد حلول رقمية متقدّمة لإدارة المستودعات وسلاسل التوريد، تجمع بين أنظمة إدارة المخزون التقليدية وتقنيات الاستشعار والتعرّف الآلي على المنتجات. ومع تطوّر هذه التجارب، يمكن لإنترنت الأشياء أن يتحوّل إلى العمود الفقري لكل عمليات الجرد والتتبع والمراقبة داخل المخازن والمنصات متعددة الأنماط. 2.2 إدارة أسطول المركبات والعمليات في الموانئ والمناطق اللوجستية تمكّن حلول إنترنت الأشياء من **إدارة أسطول المركبات** عبر تتبّع مواقع الشاحنات وحالاتها الفنية في الزمن الفعلي، بما يساهم في تحسين كفاءة استخدام الأسطول وتخطيط مسارات أكثر فاعلية وتقليل استهلاك الوقود، إلى جانب الصيانة الوقائية للمركبات. هذه الوظيفة تكتسي أهمية خاصة في المغرب، حيث يشكّل النقل الطرقي العمود الفقري لحركة البضائع بين الموانئ والمناطق الصناعية والداخل الوطني. عندما تُجهَّز الشاحنات المغربية بأجهزة تتبع ذكية، تصبح إدارة الأسطول أكثر مهنية وشفافية. فشركة النقل قادرة على معرفة مكان كل شاحنة، وسرعتها، وتوقفاتها، وحالة المحرّك واستهلاك الوقود، كما يمكنها مقارنة المسارات والبحث عن المسار الأمثل زمنياً ومالياً. ويسمح هذا النوع من الحلول بمكافحة الاستعمال غير المشروع للشاحنات، وتحديد المسؤوليات في حالة الحوادث، وتخفيض المسافات الفارغة التي تقطعها المركبات دون حمولة. وتبرز أهمية إنترنت الأشياء أيضاً في **العمليات المينائية والمناطق اللوجستية**. فالموانئ الذكية تعتمد بشكل متزايد على المجسّات والكاميرات المتصلة والأجهزة الآلية لتدبير حركة الحاويات والرافعات والمركبات داخل الرصيف. وبفضل الدمج بين إنترنت الأشياء والخوارزميات التنبؤية، يمكن وضع جداول ديناميكية للرسوّ والشحن والتفريغ، والتقليل من زمن بقاء الحاويات في الميناء، وتحسين التنسيق بين الفاعلين: من سلطات الميناء والجمارك إلى شركات المناولة والنقل الطرقي. في المناطق اللوجستية المندمجة، يمكن أن تمتدّ هذه الرؤية الذكية إلى كل المكوّنات: البوابات، ومواقف الشاحنات، ومستودعات التخزين، ومراكز الفرز، بحيث تتحوّل المنصة اللوجستية إلى فضاء مترابط تُدار فيه حركة البضائع والوسائل بشكل آلي شبه كامل. وهنا يبرز دور الشركات الناشئة المغربية ومراكز البحث الجامعية في تطوير حلول محلية تناسب احتياجات الفاعلين الوطنيين وتُراعي الإكراهات التنظيمية والتشريعية. 3. مكاسب وتحديات إنترنت الأشياء بالنسبة للوجستيك المغربي 3.1 المزايا الاقتصادية والتجارية والاستدامية تجمع مختلف الدراسات المتخصصة على أن إدماج إنترنت الأشياء في سلاسل الإمداد يحقق مجموعة من المكاسب المتكاملة، ويمكن تلخيصها، في أربعة محاور رئيسية. المحور الأول هو **تقليل التكاليف**. فالاستخدام الأمثل للموارد اللوجستية، من شاحنات ومستودعات وتجهيزات، يقلّل من الهدر في الوقت والوقود والطاقة واليد العاملة. وعندما تُدار عمليات الشحن والتفريغ وتخطيط المسارات بناءً على بيانات دقيقة في الزمن الفعلي، يصبح بالإمكان تقليص عدد الرحلات غير الضرورية، وتفادي الانتظار الطويل في الموانئ أو على بوابات المناطق الصناعية، وهو ما ينعكس مباشرة على فاتورة النقل والتخزين. المحور الثاني هو **تحسين تجربة العملاء**. فالزبون – سواء كان شركة أو فرداً – أصبح يتوقّع خدمة شفافة تمكّنه من تتبّع طلبياته خطوة بخطوة، والحصول على إشعارات فورية بحالة الشحنة وموقعها وموعد وصولها التقريبي. إن القدرة على تقديم هذه المعلومات الدقيقة ترفع من مستوى الثقة في مقدّمي الخدمات اللوجستية بالمغرب، وتعزّز صورة المملكة كمنصة موثوقة للشحن وإعادة الشحن نحو إفريقيا وأوروبا. أما المحور الثالث فيتعلّق ب **زيادة كفاءة العمليات الداخلية**. فالبيانات المتدفقة من المجسّات والأجهزة المتصلة تتيح للشركات بناء لوحات قيادة متقدّمة ترصد أداء سلاسل الإمداد لحظة بلحظة. ومن خلال تحليل هذه البيانات، يمكن التعرف على الاختناقات المتكررة في الموانئ أو على الطرق الوطنية أو داخل المستودعات، واتخاذ قرارات مبنية على الأدلة لمعالجتها. كما تسمح تقنيات التحليل التنبّئي بتوقّع الطلب الموسمي على بعض المنتجات، وتكييف قدرات النقل والتخزين وفقاً لذلك. المحور الرابع يرتبط ب **تحليل البيانات والاستدامة**. فالأجهزة المتصلة لا تجمع البيانات التشغيلية فحسب، بل تمكّن أيضاً من قياس الأثر البيئي للعمليات اللوجستية. ويمكن على سبيل المثال ربط استهلاك الوقود بمستوى الانبعاثات الكربونية، أو مراقبة استهلاك الطاقة في المستودعات، ثم اعتماد حلول تقنية وتنظيمية لتقليص هذا الأثر. وهذا يتماشى مع التوجهات العالمية نحو لوجستيك أخضر، ويمنح الشركات المغربية ميزة تنافسية في الأسواق التي تضع معايير صارمة في ما يخص البصمة الكربونية لسلاسل الإمداد. من هذا المنظور، لا يُنظر إلى إنترنت الأشياء كترف تكنولوجي، بل كاستثمار استراتيجي يعزّز تنافسية الاقتصاد الوطني، ويُسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية، ويخلق فرص عمل جديدة في مجالات الهندسة الرقمية وتحليل البيانات والأمن السيبراني. 3.2 التحديات وآفاق التطوير في المغرب رغم الفرص الواعدة التي يتيحها إنترنت الأشياء في الخدمات اللوجستية، فإن الطريق نحو تعميم هذه الحلول في المغرب لا يخلو من تحديات. أول هذه التحديات يتصل بالبنية التحتية للاتصال، خاصة في بعض المحاور الطرقية والمناطق الداخلية التي لا تزال تعاني من تغطية ضعيفة أو متذبذبة لشبكات الاتصال ذات السرعة العالية. ويؤثر ذلك مباشرة في قدرة الأجهزة المتصلة على إرسال البيانات في الزمن الفعلي. التحدي الثاني يتعلق ب **الكفاءات البشرية**. فنجاح مشاريع إنترنت الأشياء يتطلب فرقاً متعددة الاختصاصات تجمع بين معرفة دقيقة باللوجستيك وسلاسل الإمداد، وخبرة تقنية في الإلكترونيات والبرمجة والاتصالات وتحليل البيانات. ويتعيّن على الجامعات ومؤسسات التكوين المهني في المغرب مواكبة هذه المتطلبات، عبر تطوير مسارات تكوين جديدة في مجالات اللوجستيك الرقمي، والهندسة الصناعية 4.0، والذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد. أما التحدي الثالث فهو **حكامة البيانات والأمن السيبراني**. فكلما ازداد عدد الأجهزة المتصلة داخل الشاحنات والمستودعات والموانئ، تضخّم حجم البيانات الحسّاسة التي تُجمع وتُنقل وتُخزَّن. ويتطلّب ذلك وضع أطر واضحة لحماية المعطيات الشخصية والتجارية، وتحديد من يملك حق الولوج إلى البيانات، وكيفية استعمالها، وضمان عدم تعرّضها للاختراق أو التلاعب. كما يستدعي الأمر اعتماد معايير دولية للتشغيل البيني بين مختلف الأنظمة والمنصّات حتى لا تتحوّل كثرة الحلول التقنية إلى جزر معلوماتية معزولة. التحدي الرابع يرتبط بجانب **الاستثمار والتمويل**. فالحلول المتقدّمة لإنترنت الأشياء تستلزم اقتناء تجهيزات حساسة، وبناء منصّات سحابية، وتطوير تطبيقات متخصّصة، وهو ما قد يمثّل عبئاً مالياً على المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل جزءاً كبيراً من النسيج اللوجستي المغربي. ومن هنا تبرز أهمية برامج الدعم الحكومية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وحلول التمويل المبتكرة، لتسهيل ولوج هذه الفئة من المقاولات إلى التحوّل الرقمي. ورغم هذه التحديات، فإن آفاق التطوير تبقى واعدة. فالمغرب يمتلك اليوم تجارب رائدة في مجالات الموانئ الذكية والمناطق الصناعية المندمجة، ويمكن البناء عليها لتشكيل منظومة وطنية لإنترنت الأشياء في اللوجستيك. كما أن انخراط المملكة في المبادرات الإفريقية والدولية الخاصة بالموانئ المستدامة والذكية يتيح إمكان تبادل الخبرات وتبنّي أفضل الممارسات العالمية. الخاتمة يبدو جلياً أن **إنترنت الأشياء في القطاع اللوجستي المغربي** لم يعد مجرد خيار مستقبلي، بل أصبح ضرورة حتمية لمواكبة التحوّلات العميقة في التجارة الدولية وسلاسل الإمداد. فالتطبيقات العملية لهذه التقنية – من تتبّع الشحنات ومراقبة الحاويات إلى إدارة المخزون وأسطول المركبات – توفّر للشركات المغربية رؤية دقيقة ومتكاملة عن تدفق البضائع والموارد، وتساعدها على خفض التكاليف، وتحسين جودة الخدمة، وتعزيز استدامة عملياتها. إن نجاح المغرب في استغلال الإمكانات الكاملة لإنترنت الأشياء يمرّ عبر رؤية استراتيجية متكاملة تُشرك الدولة والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والجامعة، وتعمل على توفير البنية التحتية اللازمة، وتكوين الكفاءات، وتأطير الجوانب القانونية والتنظيمية. كما يتطلّب الأمر ثقافة مؤسسية جديدة تنظر إلى البيانات باعتبارها أصلاً استراتيجياً لا يقلّ أهمية عن الأصول المادية. في المحصلة، يمكن القول إن إنترنت الأشياء يمنح المغرب فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعه داخل خريطة اللوجستيك العالمية. فإذا ما أُحسن استغلال هذه الفرصة، وتمّ الاستثمار في الحلول الذكية الملائمة لخصوصيات المنظومة المغربية، فإن المملكة قادرة على ترسيخ مكانتها كبوابة لوجستية ذكية تربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم، وتحوّل اللوجستيك من مركز كلفة إلى مصدر حقيقي للقيمة المضافة والتنمية الاقتصادية المستدامة. -أستاذ باحث – المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير – سطات