في الوقت الذي كانت فيه جيوش الخلافة في المشرق توطد أركانها في مدائن كسرى وقصور قيصر، كانت "تيفيناغ" وجبال الأطلس في أقصى الغرب الإفريقي تهمس بلغة المقاومة. لم يكن الطريق إلى مغرب الشمس مفروشاً بالورود؛ بل كان مخاضاً عسيراً استغرق سبعة عقود من الزمن، وهي فجوة زمنية لم تكن مجرد أرقام في التقويم الهجري، بل كانت فاصلاً غيّر وجه التاريخ الديموغرافي للمنطقة. يرى المؤرخون أن تأخر وصول الفاتحين إلى المغرب — الذي تمّ بعد حوالي 70 عاماً من الهجرة — لم يكن صدفة جغرافية فحسب. لقد اجتمعت ثلاثة نيران في آن واحد: بعد الشُّقة عن مراكز القرار في دمشق والمدينة، والاضطرابات السياسية الكبرى (فتنة علي ومعاوية) التي شطرت الجسد الإسلامي، وأخيراً، البسالة الأمازيغية التي يصفها الخبراء بأنها كانت "المقاومة الأشرس" التي واجهها المسلمون في رحلتهم التوسعية. هذا التأخر تسبب في حرمان المغرب من "الجيل الذهبي"؛ فبينما كانت مصر والشام تعج بصحابة الرسول الذين نقلوا السُنّة مشافهة، كان المغرب ينتظر وصول التابعين وتابعي التابعين، مما خلق خصوصية دينية وثقافية فريدة لهذه البلاد. وتعد حملات عقبة بن نافع هي الكبرى من نوعها في مجال الفتح الاسلامي لبلاد المغرب، ومعه تمكن المسلمون من الوصول إلى أقصى نقطة في بلاد المغرب وهي طنجة التي فتحها عقبة في حملته الثانية الكبرى ما بين 62 و 64 هجرية. غير أن الفتح الاسلامي لم يثبت أقدامه في المغرب الأقصى إلا بعد مقتل عقبة ومجيء حسان بن النعمان الذي أرسى أسس الفتح الاسلامي في المغرب، ثم من بعده موسى بن نصير الذي أصبح في عهده المغرب بلدا إسلاميا وأبنائه من بين اقوى الجنود في الجيش الاسلامي الذي فتح الأندلس في 92 للهجرة بقيادة طارق بن زياد. وعند دخول الفاتحين المسلمين لطنجة وفتح الأندلس من بعد ذلك، صارت طنجة مركزا مهما في الخريطة الاسلامية جهة المغرب، فكانت مقصدا ومعبرا نحو الأندلس لأعداد كبير من العرب المسلمين القادمين من أرض الخلافة. من بين هؤلاء القادمين تسلط صحيفة "طنجة 24" الضوء في سلسلة خاصة على أسماء وسير الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذي دخلوا طنجة أو اتخذوها معبرا نحو الضفة الاندلسية مع ندرة هؤلاء نظرا للفارق الزمني بين عهد النبوة والفتح الاسلامي للمغرب كما سبق الذكر. وهذه السلسلة التي سيعلد نشرها عبر حلقات متفرقة خلال هذا الشهر المبارك هي من اسهامات المؤرخ الطنجاوي الدكتور رشيد العفاقي الذي سبق له أن تطرق إلى هذا الجانب في بعض بحوثه التاريخية، فارتأت "طنجة 24" أن تنشرها خلال شهر رمضان لما لها من فائدة للقراء الأوفياء. وتجدر الاشارة إلى أن موضوع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين دخلوا المغرب، أو عبروه نحو الاندلس يعد من المواضيع المهمة التي لم يتطرق لها الباحثون والمهتمون بالتاريخ الاسلامي بشكل كاف، وبالتالي فهنا تكمن أهمية هذه السلسلة التي تغطي جانبا من الخصاص في هذا الموضوع.