يشهد النقاش التربوي المعاصر تحولا ملحوظا في النظر إلى التقويم، لم يعد باعتباره أداة للانتقاء أو التصنيف فحسب، بل باعتباره آلية للتطوير والتحسين المستمر. وفي هذا السياق، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح داخل المنظومة التعليمية بالمغرب، هل ما يزال الامتحان المهني بصيغته الكلاسيكية قادرا على قياس الكفاءة الحقيقية لهيئة التدريس، أم أن الحاجة أصبحت ملحة للانتقال من منطق "الاختبار اللحظي" إلى منطق "الأداء المستدام"؟. لقد تأسس الامتحان المهني تاريخيا باعتباره وسيلة موضوعية للترقية وضبط معايير الاستحقاق. غير أن تطور مفهوم الكفاءة المهنية، خاصة في ظل التحولات البيداغوجية الراهنة، كشف محدودية المقاربة التي تختزل التقييم في إنجاز كتابي ظرفي، مهما بلغت درجة ضبطه المنهجي. فالكفاءة ليست معرفة نظرية معزولة، ولا قدرة تحليلية عابرة، بل هي نسق من الأداءات المتكاملة التي تتجسد في الممارسة اليومية داخل الفصل والمؤسسة. إن المفارقة الأساسية التي تبرز في هذا السياق هي أن الامتحان، بصيغته التقليدية، يقيس القدرة على الإجابة، بينما الكفاءة المهنية تتجلى في القدرة على الإنجاز. وبين الإجابة والإنجاز مسافة نوعية تتعلق بطبيعة الفعل التربوي ذاته. فقد ينجح أستاذ في تحليل وضعية افتراضية على الورق، لكنه يعجز عن تدبير وضعية واقعية مركبة داخل قسمه. كما قد يقصى آخر لارتباك اصطلاحي عابر، رغم امتلاكه وعيا مهنيا راسخا وقدرة حقيقية على الابتكار والتطوير. إن التحول من الامتحان إلى الأداء لا يعني إلغاء التقويم، بل إعادة تعريفه. فبدل الاقتصار على اختبار كتابي موحد، يمكن اعتماد نموذج تقويم مهني مستدام، يقوم على تعدد الأدوات وتكاملها، ويستند إلى أثر الممارسة لا إلى لحظة الامتحان فقط. هذا النموذج يستحضر الأستاذ بوصفه فاعلا مهنيا باحثا، لا مجرد متلق للمضامين النظرية. في هذا الإطار، يمكن اقتراح اعتماد المشاريع البيداغوجية الديداكتيكية كآلية أساسية للتقويم، بحيث يطلب من الأستاذ تصميم مشروع تطبيقي مرتبط بسياقه المهني، يتضمن تشخيصا دقيقا لمشكلة أو ظاهرة ما، وتأطيرا نظريا واضحا، وخطة تدخل عملية، ثم تقييما للأثر على تعلمات المتعلمين. مثل هذا المشروع لا يقيس المعرفة المجردة، بل يقيس القدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة مؤثرة. كما يمكن إدماج البحوث التدخلية (الإجرائية) ضمن مسار الترقية المهنية، بما يعزز ثقافة "الممارس الباحث". فالأستاذ الذي يحدد إشكالا تربويا داخل قسمه، ويبني فرضيات، ويجرب تدخلات، ويحلل النتائج، يكون قد جسد جوهر الكفاءة المهنية "التفكير التأملي النقدي المرتبط بالفعل". وهذا النمط من التقويم لا يختبر الحفظ، بل يختبر القدرة على التغيير. من جهة أخرى، يمكن التفكير في مسابقات تربوية إبداعية، تقيم وفق معايير واضحة تتعلق بالابتكار، والأثر، والاستدامة، والعمل التعاوني. فالإبداع التربوي ليس ترفا، بل مؤشرا على حيوية الممارسة وقدرتها على التجدد. وحين يصبح التميز المهني مرتبطا بإنتاج حلول واقعية لمشكلات حقيقية، يتحول التقويم إلى رافعة تطوير لا إلى محطة قلق. إن اعتماد تقويم مهني مستدام يقتضي، بطبيعة الحال، بناء منظومة معايير دقيقة وشفافة، تضمن العدالة وتكافؤ الفرص. ويمكن أن يتخذ هذا النموذج شكل ملف مهني (Portfolio) يوثق المسار التطوري للأستاذ، مرفقا بتقارير تحليلية، وشهادات مهنية، وعرض شفهي أمام لجنة مختصة. وبهذا يتحول التقويم من لحظة حكم إلى مسار مصاحبة. إن الرهان في النهاية ليس إداريا، بل تربوي بالأساس. فالمنظومة التي تجعل من الترقية فرصة لإنتاج معرفة تربوية تطبيقية، وتشجع على البحث داخل القسم، وتربط الاعتراف المهني بالأثر الفعلي على التعلمات، هي منظومة تؤسس لثقافة الجودة المستدامة. أما الاكتفاء بصيغ كلاسيكية مغلقة، فإنه يظل عاجزا عن مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها حقل التربية. إن الانتقال من الامتحان إلى الأداء ليس قرارا تقنيا بسيطا، بل هو اختيار فلسفي يعكس تصورا جديدا للأستاذ؛ ليس حافظا للنظريات، بل صانعا للممارسة؛ ليس مجيبا عن الأسئلة، بل منتجا للحلول؛ ليس موضوعا للتقويم فحسب، بل شريكا في تطوير المنظومة. فالأستاذ المغربي، في عمق تجربته المهنية، مبدع وفي وضعية استعداد دائم؛ كيف لا وهو الذي يتكيف مع مختلف السياقات التربوية والمجالية، في المدينة كما في البادية والجبل، ويشتغل داخل شروط متباينة تتطلب مرونة فكرية ومهنية عالية. إن هذا التكيف المستمر، وهذه القدرة على إعادة ابتكار الفعل التربوي حسب خصوصية المتعلمين والبيئات، هي في حد ذاتها مؤشر على كفاءة لا تختزل في اختبار ظرفي، بل تتجلى في الأداء اليومي المتراكم. وحين يصبح الأداء المستدام معيار الاعتراف المهني، فإن التقويم يتحول من أداة انتقاء إلى أداة بناء، ومن لحظة قلق إلى مسار ارتقاء، ومن إجراء إداري إلى رافعة حقيقية لتجويد الممارسة داخل المدرسة المغربية. إن الدعوة إلى الانتقال من الامتحان إلى الأداء ليست موقفا انفعاليا ضد الصيغ الكلاسيكية للتقويم، بل هي امتداد منطقي لتحولات عميقة في مفهوم الكفاءة المهنية ذاته. فالكفاية، في منظورها الحديث، ليست امتلاكا للمعرفة، بل قدرة على تعبئتها داخل سياقات مركبة ومتغيرة، وإنتاج أثر قابل للملاحظة والقياس. ومن موقعي كمكوّن بيداغوجي، أعاين يوميا أن الفارق بين الأستاذ الذي ينجح في الامتحان والأستاذ الذي ينجح في القسم ليس دائما متطابقا؛ إذ قد تتجلى الكفاءة الحقيقية في القدرة على التشخيص، والتكيف، والابتكار، والتأمل النقدي، وهي أبعاد يصعب اختزالها في اختبار كتابي محدود الزمن. إن المنظومة التي تطمح إلى تجويد الممارسة لا يكفيها أن تنتقي، بل ينبغي أن تطور، وأن تجعل من الترقية المهنية مسارا لإنتاج معرفة تطبيقية داخل الأقسام، لا مجرد عبور نحو درجة إدارية أعلى. وعليه، فإن إرساء تقويم مهني مستدام، متعدد الأدوات، قائم على الأثر والبحث والتجريب، لا يمثل ترفا تنظيريا، بل خيارا استراتيجيا ينسجم مع فلسفة الجودة ومع الرهانات الإصلاحية الكبرى، ويؤسس لثقافة مهنية تجعل الأداء الحقيقي هو معيار الارتقاء. – باحث ومكون بيداغوجي في علوم التربية، مختص في البيداغوجيا السياقية، والتوجيه التربوي القائم على المشروع الشخصي للمتعلم. يشتغل على التقويم القائم على الأثر والأداء المهني المستدام.