العتبة الأولى: المرأة والطموح السياسي في المغرب: المعركة الخفية بين الخاص والعام في المقالات السابقة، غالباً ما نركز على الأرقام، على مقاعد البرلمان، على القوانين، وعلى نسبة التمثيل في الأحزاب. لكن هناك "برلمان" آخر، لا تُعلَن نتائج انتخاباته في الجريدة الرسمية، ولا تُبث جلساته على الشاشات، ومع ذلك فهو يملك حق "الفيتو" الأقوى على المشاركة السياسية للمرأة المغربية. إنه "برلمان المنزل"، تلك المساحة الخاصة التي تبدأ منها المعركة الحقيقية قبل حتى الوصول إلى صناديق الاقتراع. إن الحديث عن المشاركة السياسية للمرأة في المغرب لا يكتمل إذا أغفلنا البعد السيكوسوسيولوجي للفضاء الخاص. فبينما نحتفل بتقدم المرأة في الفضاء العام، لا يزال الفضاء الخاص يحكمه عقد اجتماعي غير مكتوب، يعتمد في كثير من الأحيان على "الإذن الضمني" أو "الرضا العائلي". المرأة المغربية التي تطرق باب السياسة، لا تطرقه كفرد حر تماماً، بل تطرقه ك "امتداد" لأسرتها، وكممثلة لشرفها، وكحاملة لثقل نظرة المجتمع التي لا تغيب عن بال الزوج أو الأب أو الأخ. من منظور نفسي، تعيش العديد من النساء الطموحات سياسياً ما يمكن تسميته ب "إرهاق التفاوض المستمر". فقبل أن تتفاوض على برنامج انتخابي مع الناخبين، تتفاوض المرأة مع ذاتها ومع محيطها القريب لتبرير غيابها عن المنزل، لتبرير اختلاطها بالرجال في الاجتماعات المسائية، لتبرير "جرأتها" على خوض غمار يعتبره البعض حكراً على الذكور. هذا التفاوض المستمر يستنزف طاقة نفسية هائلة، طاقة كان من الممكن صرفها في الإنتاج السياسي الحقيقي. إنه ضريبة خفية تدفعها المرأة مقابل الحق في المشاركة، ضريبة لا يُطلب من الرجل دفعها بنفس القدر. وعلى مستوى سوسيولوجي، نلاحظ ظاهرة "الوصاية الناعمة". فحتى في الأسر المتعلمة والحديثة، قد تجد المرأة دعماً ظاهرياً لترشحها، لكن مصحوباً بشروط غير معلنة: "لا تتحدثي في قضايا حساسة"، "لا تظهري بشكل استفزازي"، "حافظي على توازنك الأسري". هذه الوصاية لا تأتي دائماً من منطلق القهر، بل أحياناً من منطلق "الحماية" أو الخوف على السمعة، مما يخلق صراعاً داخلياً لدى المرأة بين واجبها نحو ذاتها وواجبها نحو استقرار أسرتها. النتيجة هي غالباً "سياسة مخففة"، أو انسحاب صامت عندما يشتد العود. ولا يمكن إغفال الفجوة الجغرافية والطبقية في هذه المعادلة. فالمرأة في المدن الكبرى قد تواجه تحديات تتعلق بالتوازن بين العمل والأسرة، لكن المرأة في العالم القروي تواجه تحديات وجودية تتعلق ب "الشرعية" نفسها. في العديد من الجماعات القروية، لا تزال المشاركة السياسية للمرأة ينظر إليها بشك مجتمعي عميق، حيث يُعتبر صوتها في المجلس صوتاً "مستعاراً" عن رجل في الخلفية. هنا يتحول التمثيل السياسي إلى واجهة، وتبقى السلطة الفعلية بيد الشبكات الذكورية التقليدية التي تدير الشأن العام من وراء الكواليس. الأخطر من ذلك، هو تأثير هذا الواقع على "النموذج القدوة". عندما ترى الفتاة المغربية أمها أو خالتها تتراجع عن طموحها السياسي بسبب ضغوط المنزل، تترسخ لديها قناعة لا واعية بأن "السقف الحقيقي" ليس في الدستور، بل في عتبة الباب. هذا يولد ما يمكن تسميته ب "الإحباط المسبق"، حيث تمتنع كفاءات نسائية عديدة عن خوض التجربة من الأصل، اعتقاداً منها بأن الثمن الاجتماعي باهظ جداً مقارنة بالمكسب السياسي. إن تمكين المرأة سياسياً لا يبدأ بتعديل القوانين الانتخابية، بل يبدأ ب "دمقرطة العلاقات داخل الأسرة". نحن بحاجة إلى نقاش حقيقي حول تقاسم الأدوار، حول نظرة الرجل لشريكة حياته ك "شقيقة في الوطن" قبل أن تكون "مسؤولة عن المنزل". طالما أن السياسة تُعتبر "خروجاً" على المألوف بالنسبة للمرأة، وطالما أن مشاركتها تحتاج إلى "تبرير أخلاقي" إضافي، ستبقى الأرقام في البرلمان مجرد قشرة خارجية لا تعكس عمق التحول المطلوب. في الختام، المعركة الحقيقية للمرأة المغربية ليست فقط في الفوز بمقعد، بل في الفوز ب "الحق في الغياب" عن المنزل دون شعور بالذنب، والحق في الوجود في الفضاء العام دون الحاجة إلى درع عائلي يحميها. حينها فقط، ستتحول المشاركة السياسية من "امتياز ممنوح" إلى "حق ممارس"، وحينها سنعلم أن الديمقراطية قد بدأت من حيث يجب أن تبدأ: من داخل البيوت قبل أن تصل إلى المؤسسات. -باحث في العلوم السياسية