: رؤى وتقاطعات وجهات نظر في شأن التفتيش بفرنسا وخارجها من المهم والمفيد مناقشة دور المفتش في أوروبا من منظورٍ مقارن. يكتسب هذا المنظور المقارن أهميةً بالغةً في ظلّ التغييرات التي نشهدها حاليًا في مهنة التدريس، والتي تبدو في تطوّرٍ مستمرّ وعميق. هناك العديد من المنشورات حول هذا الموضوع، بما في ذلك مجلة الإدارة والتعليم المتميزة في فرنسا، الصادرة عن الرابطة الفرنسية لأصحاب المصلحة في التعليم (AFAE)، والتي خصّص عددها الأخير الصادر في مارس 2016 للمفتشين الإقليميين، وسطاء التغيير. فالطبيعة المتغيرة للمهنة تجعلنا نتساءل في شأن: هل يتبلور نموذج أوروبي للتفتيش؟ تقدم شبكة يوريديس (eurydice) الأوروبية التحليل الأكثر تفصيلاً للممارسات الأوروبية. وقد سلطت تقاريرها الأخيرة الضوء على عدد من أوجه التقارب: ففي غالبية الدول الست والعشرين التي شملتها الدراسة، والتي تمثل أحد وثلاثين نظامًا تعليميًا، يُمارس التقييم الخارجي للمدارس (بما في ذلك فرنسا)، استنادًا إلى معايير موحدة وباتباع إجراءات مماثلة. وبتعبير أدق: تحليل أولي للبيانات المقدمة من المدرسة، وزيارة ميدانية تستغرق يومًا أو أكثر، وتقديم التقرير والملاحظات إلى المدرسة. وتجدر الإشارة أيضًا إلى الأهمية المتزايدة للتقييم الذاتي: فهو إلزامي في ثلثي الدول التي شملها تقرير يوريديس، وموصى به في الدول الأخرى، مع إجراءات شديدة التباين حسب الدولة، مما يمنح المؤسسات درجات متفاوتة من الاستقلالية. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر اسكتلندا، حيث اعتمدت جميع المؤسسات إطارًا موحدًا للتقييم الخارجي بناءً على توافق وطني. وفي معظم البلدان، تتوفر للمؤسسات أدلة وكتيبات إرشادية لدعمها في هذه العملية. وتُستخدم نتائج هذه التقييمات الذاتية عمومًا في عملية التقييم الخارجي. ومن نقاط التقارب الأخرى الرغبة المتزايدة في تحسين التواصل مع الجهات المعنية في النظام التعليمي، ولا سيما المدارس الخاضعة للتفتيش (في بعض الولايات الألمانية، يشارك مديرو المدارس في تحديد النقاط الرئيسية للتفتيش؛ وفي ويلز وأيرلندا الشمالية واسكتلندا، يشارك مديرو المدارس أو العاملون فيها بشكل وثيق: ممثلون، ومفتشون مساعدون في أيرلندا الشمالية؛ ومفتشون نظراء في ويلز. لكن ثمة اختلافات بلا شك، بعضها جوهري. في الواقع، هناك عاملان حاسمان: درجة لامركزية المسؤولية التعليمية (السلطات المركزية والمحلية) والمفهوم السياسي للتعليم في البلد المعني. ولذلك، سنميز، وإن كان ذلك تبسيطًابين نوعين من المناهج: المنهج الليبرالي: يُلزم المدارس بالمساءلة أمام الجمهور أو (السوق التعليمي). وهو يمنح أولياء الأمور عمومًا حرية اختيار المدرسة، بناءً على معرفتهم بأداء المدرسة. وتشمل هذه الفئة المجتمع المحلي. (فلاندرز في بلجيكا، وهولندا، وليتوانيا، وأيرلندا، والمملكة المتحدة -باستثناء اسكتلندا-). أما منهج الخدمة العامة: يعتبر أن من مسؤولية السلطات العامة ضمان حسن سير عمل النظام التعليمي، وبالتالي اتخاذ التدابير اللازمة لتحسين النتائج عند الحاجة. عمومًا، توفر هذه الأنظمة للسلطات المختصة عددًا من أدوات الإدارة: العقوبات، والدعم المالي أو اللوجستيكي، وما إلى ذلك. تندرج فرنسا ضمن هذه الفئة، ولكنها ليست الوحيدة: فالمجتمع الفرنسي في بلجيكا وإيطاليا وإسبانيا وقبرص تعمل بنفس النهج. تتقاطع العديد من الدول الأوروبية في اعتماد النهجين، لكن بدرجات متفاوتة من الدقة: من جهة أخرى، تتفاوت أدوار المفتشين بشكل كبير، بدءًا من عمليات التحقق البسيطة من الامتثال (كما في النرويج) وصولًا إلى إصدار التوصيات، أو حتى الأوامر القضائية (كما في المملكة المتحدة). ومن جهة ثانية، لا تملك بعض الدول نظامًا للتفتيش الفردي أو المؤسسي، كما هو الحال في كرواتياوبلغاريا، مع أن بلغاريا تشهد حاليًا إصلاحًا. بينما تركز دول أخرى على التفتيش الفردي للمعلمين، مثل اليونان وقبرص ولوكسمبورغ. وفي فنلندا، لا يحدد الإطار العام أي توجيهات أو التزامات بشأن مؤسسة التفتيش وأساليبه، بل يقتصر على تحديد التزام السلطات المحلية بتقييم التعليم الذي تقدمه، تاركًا لها حرية تحديد الأساليب. في هذا السياق، هل يمكننا الحديث عن أداء غير نمطي في فرنسا؟ يبقى التفتيش الفردي العنصر الأساسي في العملية. هيئة التفتيش في فرنسا متمسكة به بشدة لأنه جزء من تاريخ فرنسا وثقافتها، ولأن الهيئة في فرنسا راكمت خبرة منذ عام 1802. لذا يؤكد العديد داخل هيئة التفتيش الفرنسية أنه من غير الحكمة التخلي عن هذا الجهاز. ويعود سبب هذا التمسك أيضًا إلى اعتماد فرنسا على علم التربية والديدكتيك كقوة دافعة وراء جودة تعليمها. يُعتبر تأثير المدرس على نجاح المتعلمين بالغ الأهمية. بخلاف التوجه الأمريكي الذي يقلص من دور المدرس بعد اعتماد سردية (OCDE) وعلوم التعلم التي تحصر مشاكل التعليم في أمور تقنية. ومع ذلك، فقد شهد نظام التفتيش والتقييم في فرنسا تطورًا ملحوظًا، إذ بات يشمل العديد من الأدوات الأخرى، ولا سيما تقييم المدارس والسياسات التعليمية، على المستويين الإقليمي والوطني. وباتت عمليات التفتيش الفردية جزءًا من هدف أوسع نطاقًا يتجاوز مجرد إدارة المسار الوظيفي للمدرس الخاضع للتفتيش، ليشمل تقييم الممارسات التدريسية، وتدريب فريق المواد الدراسية في المدرسة، والمساهمة في إدارة المدرسة، وقبل كل شيء، في إدارة هيئة التعليم الإقليمية التي يعمل بها المفتش. لكن يشهد النظام التعليمي في فرنسا، الذي يتسم بمركزية شديدة، تغييرات جوهرية تؤثر على دور المفتشين: إذ يُمنح أصحاب المصلحة المحليون دورًا أكبر، ويُصبح دور مفتشي التعليم الإقليميين جزءًا من سياق تزايد استقلالية المدارس، على الرغم من بقاء عدد من الجوانب الأساسية من مسؤولية الحكومة المركزية، كالمناهج الدراسية والتوظيف ورواتب الموظفين. لذا، لا تُمثل فرنسا فئة فريدة، بل تنتمي إلى مجموعة لطالما تبنت نهج الخدمة العامة في التعليم، حيث تُدير السلطات الوطنية والمحلية النظام. كما أنها تُشارك في المناقشات الأوروبية حول دور التفتيش وتنظيمه، وبشكل أوسع، التقييم الخارجي. وختامًا، يُمكننا القول إن المفتش الفرنسي يتشارك مع نظرائه الأوروبيين في العديد من الجوانب: أهداف مشتركة: الجودة في كل مكان وللجميع؛ النقاش ضمن منتديات مهنية متخصصة؛ والتزام بتطوير ممارسات التفتيش لدعم المدارس والمعلمين بشكل أفضل في مساعدة الطلاب على النجاح. مفاهيم متباينة للغاية بخصوص مهنة المفتش 2-1- المفتش المقوِّم يؤمن المفتش المُقوِّم بأن النهج التأملي ضروري للتقدم، ويسعى إلى تيسير التفكير النقدي القائم على تحليل الممارسات. وهو يُبادر بصياغة التوصيات أو إصدار التوجيهات. وهو ملتزم بعمليات التفتيش الفردية. وفي شكله الحديث، يدعم حججه بالاستناد إلى نتائج التلاميذ أو يُفضِّل نهجًا أكثر جماعية من خلال بناء تحليله على أساس مؤشرات قابلة للقياس الكمي. 2-2- المفتش الداعم يركز المفتش الداعم على بناء مستقبلٍ مستدام، ويبذل قصارى جهده لتجاوز طبيعة تدخلاته الفردية. يهتم بجودة العلاقات الإنسانية ويؤمن بقدرة الشبكات على توسيع نطاق تأثيره. وبصفته داعمًا لاستقلالية فرق التدريس، يسعى جاهدًا لبناء علاقات ثقة مع مديري المدارس أو رؤساء الأقسام. 2-3- المفتش المُيسِّر يؤمن المفتش المُيسِّر بأن الدينامية الجماعية وحدها قادرة على التأثير في ممارسات التدريس، لذا يُبنى عمله على اجتماعات جماعية تُثري فكره. وهو ملتزم بدعم تنفيذ الإصلاحات الجارية، ويُظهر ولاءً راسخًا للمؤسسة. كما أنه منفتح على العمل متعدد التخصصات ويسعى إلى تعزيز المناهج التعاونية مع زملائه المفتشين. 2-4- المفتش الخبير يُعرَف المفتش الخبير بمستوى تأهيله العالي في تخصصه أو بإتقانه التربوي، ويحافظ على مكانته من خلال مواكبة أحدث المعارف. يُطالب الموظفين -الذين يتوقع منهم الالتزام- بالتطوير المهني، وببذل الجهد، مدفوعين برغبةٍ في تحفيز الشغف الفكري للمتعلمين من خلال شغفهم بالمادة التي يُدرّسونها. 2-5- المفتش المتعدد التخصصات يُنظر إليه أحيانًا على أنه مفتش بين-تخصصي، فهو مسؤول عن مشروع أو أكثر يتجاوز نطاق تخصصه الأصلي. يستند إلى خبرته الواسعة لضمان إدارة فعّالة تراعي واقع عمل المدارس والمؤسسات. قد يعمل مستشارًا لمدير الجامعة أو مدير الخدمات الأكاديمية في وزارة التربية الوطنية، أو رئيسًا لقسم أكاديمي. قد يغفل أحيانًا (لانشغاله بمسؤولياته) عن المعرفة العملية التي كانت نقطة قوته. الهيكل التنظيمي والمهام الوظيفية للخدمة العامة للتفتيش التربوي ببلجيكا تُعد الخدمة العامة للتفتيش الركيزة السيادية لضمان جودة المنظومة التعليمية في المجتمع الفرنسي ببلجيكا. وقد أُنشئت هذه الخدمة بموجب مرسوم 10 يناير 2019، لتعمل كأداة استراتيجية تضمن الامتثال للتشريعات التربوية وتحقيق أهداف ميثاق التميز التعليمي. وتتجلى أهميتها في التحول من الرقابة التقليدية إلى نظام القيادة بالتغذية الراجعة، مما يعزز التوازن بين استقلالية المؤسسات التعليمية وبين ضرورة المساءلة العامة. 3-1- الإطار المؤسسي والهيكلية التنظيمية لخدمة التفتيش تتأسس الخدمة وفق بناء هرمي متطور يضمن مركزية الرقابة بالتوازي مع لامركزية التنفيذ، حيث يرتبط الجهاز مباشرة بالحكومة لضمان حياده. وتتحدد المستويات القيادية فيما يلي: المفتش العام المنسق: هو المسؤول الأول أمام الحكومة عن قيادة الخدمة وتنسيقها. المفتشون العامون: يتولون إدارة القطاعات الكبرى ويُشرفون على المفتشين المنسقين. المفتشون المنسقون: يتولون توجيه التعليمات الميدانية وتنسيق الأعمال داخل كل قطاع. المفتشون: الأطر التنفيذية المسؤولة عن الممارسة الرقابية الميدانية. 3-2- مهام التفتيش تحول المرسوم في مادته الرابعة إلى دليل إجرائي دقيق يحدد أنواع التدخلات والمدد الزمنية الملزمة: مهمة الافتحاص والتدقيق: تتولاها خلية التنسيق عند عجز مدرسة عن وضع خطة توجيهية أو وجود فجوات أداء. (التقرير ملزم خلال 15 يوماً من الإغلاق). مهمة التقييم: تركز على تنفيذ الأدوات البيداغوجية والسياسات الحكومية. (التقرير ملزم خلال 30 يوماً). مهمة الرقابة النوعية (Contrôle spécifique) تهدف إلى معالجة الاختلالات مثل: آليات الفصل والتمييز، وانتهاك حيادية التعليم، ونقص التجهيزات، أو عدم احترام برامج التكوين المستمر. (التقرير ملزم خلال 15 يوما). مهمة الخبرة البيداغوجية والدعم: المساهمة في تصميم التقييمات الخارجية (الشهادات) وتحليل النتائج الميدانية لتقديم دعم نوعي للمدارس. 3-3- المبادئ التوجيهية والالتزامات المهنية يفرض النظام استقلالية مطلقة لجهاز التفتيش لضمان نزاهة التقارير، خاصة في سياق التعددية التعليمية (الرسمي والحر). الاستقلالية تجاه السلطات المنظمة: يجب على المفتش ممارسة مهامه باستقلالية تامة عن الجهات التي تدير المدارس. تضارب المصالح والقيود السياسية: يُمنع المفتش من ممارسة أي مهام سياسية أو نقابية داخل النطاق الجغرافي لعمله لضمان الحياد الوظيفي. الحرية التعليمية: يوازن المفتش بين سلطته الرقابية وبين احترام الحرية البيداغوجية للمؤسسات؛ فدوره هو التأكد من تحقيق النتائج والالتزام بالمناهج، دون التدخل في الطريقة التي تختارها المؤسسة طالما أنها مشروعة. 4 – مهام المفتش في النظام التعليمي المغربي تتولى هذه الأطر القيام بالمهام التالية حسب ما نصت عليه المادة 28 من النظام الأساسي: المساهمة في تتبع وتقويم التعلمات: ويشمل ذلك التعليم الأولي، والتعليم الابتدائي، والثانوي الإعدادي، والثانوي التأهيلي، وأسلاك ما بعد البكالوريا. التفتيش والافتحاص. التأطير والمواكبة. المساهمة في تتبع وتقييم مردودية مؤسسات التربية والتعليم في المجال التربوي. المراقبة والتقييم. البحث والتكوين في المجال التربوي. إضافة إلى هذه المهام العامة، هناك أدوار ومسؤوليات تكميلية نص عليها النظام الأساسي: تقييم الأداء المهني: يتولى المفتش التربوي المختص، إلى جانب مدير المؤسسة، عملية تقييم الأداء المهني السنوي لأطر التدريس. تنسيق التفتيش: يمكن تكليف المفتشين المرتبين في الدرجة الممتازة والذين قضوا 15 سنة من الخدمة الفعلية بمهام تنسيق التفتيش المركزي أو الجهوي. تنظيم أعمال الهيئة: يتم تنظيم وتنسيق أعمال هيئة التفتيش في إطار لجان تخصصية أو مجالس إقليمية وجهوية ومركزية تحدد مهامها بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الهيئة تضم أطراً متنوعة تشمل مفتشي التعليم الابتدائي، والثانوي الإعدادي، والثانوي التأهيلي، وأسلاك ما بعد البكالوريا. 5- سبل التطوير أ- مأسسة التنسيق بين التفتيش وقيادة المنظومة اعتماد "خلية بينية للتنسيق تضمن الربط المباشر بين المصلحة العامة للتفتيش والمصلحة العامة لقيادة المؤسسات. التطوير المقترح: يمكن تعزيز هذا التنسيق من خلال ربط مهام هيئة التفتيش بآليات مشروع المؤسسة المندمج بشكل أكثر صرامة، بحيث لا يقتصر دور المفتش على المراقبة التربوية، بل يمتد ليكون شريكاً في عقود الأهداف التي تبرمها المؤسسات. ب – تدقيق التخصصات في مجالات الدعم النفسي والاجتماعي إيجاد مصلحة تفتيش مستقلة وخاصة ب "المراكز النفسية والطبية والاجتماعية" التطوير المقترح: بينما يتوزع التفتيش بين التوجيه والتخطيط، يمكن تطوير النموذج بإحداث تخصص تفتيش دقيق يعنى حصراً ب "المواكبة النفسية والاجتماعية والصحية" للمتعلمين، وهي المهام المسندة حالياً للأطر المختصة، لضمان مراقبة جودة هذه الخدمات الحساسة. ج- التمييز الإجرائي بين التدقيق والتقييم البيداغوجي الفصل بوضوح بين أربعة أنواع من المهمات: الافتحاص (Audit) للمؤسسات، التقييم للأنظمة التعليمية، المراقبة المحددة للاختلالات، وتقدير الأهلية المهنية للأفراد. التطوير المقترح: تدقيق المساطر القانونية لكل مهمة على حدة، بحيث تكون مهمة الافتحاص (Audit) لها منهجية محددة تختلف عن منهجية التأطير والمواكبة، مما يمنح المفتش أدوات أكثر تخصصاً عند تقييم مردودية المؤسسات. د – تعزيز استقلالية المفتش تمتيع هيئة التفتيش بالاستقلالية ضمانا لمصداقية مهامها الرقابية التطوير المقترح: التنصيص بشكل صريح على استقلالية المفتش في تقييمه المهني بعيداً عن السلطة الإدارية (مثل الأكاديميات والمديريات الإقليمية) سيمنح تقارير التفتيش مصداقية وموضوعية أكبر.