لم يكن المغرب بلدًا بياضًا من حيث أجهزته الإدارية الترابية عندما أخضعته سلطات فرنسا الاستعمارية لنظام حمايتها مطلع القرن؛ فما كان قائمًا في هذا الإطار من إرث محلي هو ما توجهت إليه بالعناية لاعتماده ركيزةً لتدبير شأن البلاد، ضمن ما عُرف مكرًا ب"سياسة التهدئة". ولعل برؤيتها وخلفيتها الترابية هذه، تمكنت سلطات الحماية من توظيف ما كان يتوزع من سلطة ونفوذ رمزي هنا وهناك بمدن وبوادي، لتيسير توغلها وتثبيت وجودها بما يحقق مشروعها الاستعماري. وقد استفاد ما حصل من احتلال تدريجي، إن تجاه المدن أو جوارها، من كائن بنيات بشرية تقليدية من قبيل المحلي من أعيان وزعامات، لإنجاح توغلها وتحكمها وفرض أمر واقعها. ويُسجل أن ممن كان لهم أثر في تثبيت نظام الحماية بمدن البلاد، نجد الباشوات الذين كان لهم دور هام في تدبير شؤونها ومراقبتها تحت سلطة الإقامة العامة. ولعل مؤسسة "الباشا" زمن مغرب الحماية كانت ذات أهمية من حيث سلطتها ورمزيتها وهيبتها، علمًا أن الباشوات عمومًا خلال هذه الفترة كانوا من الأعيان، وممن لهم مكانة اجتماعية ومادية ودينية، فضلًا عما يحظون به من احترام. ونظرًا لما وضعه نظام الحماية لدى هؤلاء من سلطة، فقد كانوا يختارون مساعدين وأعوانًا لهم من المنتمين محليًا لعائلات مخزنية. هكذا تم تأثيث أجهزة نظام الحماية بالمغرب بما هو محلي، بجعله تابعًا مخلصًا منفذًا لما يوجه إليه من قرارات عن الإدارة الفرنسية والمخزن مركزيًا. ومن ثَم، عبر هذا الجهاز الإداري تم فرض الأمن وبسط السلطة الاستعمارية، فضلًا عن تحكم فعلي ترابي عبر إدارة مستوحاة من تراث وذاكرة وتاريخ محلي. عندما تم اعتماد زعماء وأعيان محليين لهم نفوذهم الرمزي، قدموا ما قدموا من خدمة على هذا المستوى وذاك، إن لمخزن ما قبل فرض الحماية على البلاد أو للسلطات الاستعمارية خلالها بعد 1912. ومن هؤلاء الأعيان والزعماء من كان له أثر ممهد لاحتلال مدن هنا وهناك، من قبيل ما حصل بتازة، وعليه عُينوا باشوات مكافأةً لإخلاصهم وتضحياتهم وإفادتهم. علمًا أن هذا التعيين، بقدر ما كان بظهير (مرسوم سلطاني)، بقدر ما قام على معايير انتقاء واختيار من إدارة الحماية. وعما حصل من التجارب في هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن تازة زمن الحماية دون ذكر أحد أبرز رموز هذه الفترة، ويتعلق الأمر بالباشا "هاشم السملالي"، الذي بقدر ما طبعه من إخلاص للسلطات الاستعمارية، بقدر ما أحيط به من احترام وأوسمة ومرتبة، إن في حياته أو عند وفاته. ما يظهر منه طبيعة ما كان من علاقة بين باشوات مدن مغرب الحماية وإدارتها من مشترك مصلحة، بحيث على قدر إخلاصهم وتمكنهم وقدرتهم على ضبط محيطهم وتعاونهم، كانت استفادتهم وامتيازاتهم وسلطتهم وهيبتهم التي حرصت فرنسا على حفظها لهم وضمانها. علمًا أنهم كانوا تابعين لمراقبين مدنيين فرنسيين، وكذا لرؤساء المصالح البلدية، وأن ظهير تعيينهم كان يجعلهم عمليًا وإداريًا في ارتباط بإدارة سلطات الحماية، من حيث ممارسة السلطة التنظيمية وتنفيذ نصوص القانون، فضلًا عن القرارات الوزارية. عن باشوات مدن مغرب الحماية خلال القرن الماضي، ارتأينا ورقة بمختصر مفيد حول "هاشم السملالي" الذي عُين باشا على مدينة تازة بعد احتلالها مباشرةً يوم 10 ماي 1914. ولعله ابن الحاج المدني السملالي بن محمد بن الحاج عبد الله السملالي، وُلد في قرية "واركًين" بجوار تازة ضمن تراب قبيلة غياتة سنة 1875. مع أهمية الإشارة إلى أنه ينحدر أيضًا من أسرة أبي الحسين علي السملالي الشهير بأبي حسون، عن بلدة تزروالت بمنطقة سوس جنوب البلاد، حيث موسم "سيدي حماد أموسى" الشهير الذي يُنظم سنويًا بالمنطقة. ويُسجل في هذا السياق أنه لظروف تاريخية وتحولات مع نشأة وتأسيس الدولة العلوية تحديدًا ستينات وسبعينات القرن السابع عشر، تفرق شرفاء سعديون عن بلاد تافيلالت صوب جهات عدة جنوب البلاد وجنوبها الشرقي. وكان الشريف محمد بن عبد الله السملالي جد باشا تازة المذكور، قد اختار الاستقرار زمن السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام حيث القرن التاسع عشر، بمنطقة تازة تحديدًا من مجالها الواسع آنذاك بلدة "المرادة" (Marada) شرقًا غير بعيد عن جرسيف حيث قبيلة أحلاف هوارة. تلك التي بها أنشأ زاوية له قبل انتقاله إلى بلاد قبيلة غياتة جنوب شرق تازة تحديدًا بلدة "واركًين"، وقبل أيضًا أن يتوجه للحج حيث توفي ودُفن في مكان بين المدينة ومكة يعرف ب"رحاير"، وكان يبلغ من العمر حوالي الخمسين سنة. محمد بن عبد الله السملالي هذا، ترك أربعة أبناء هم: أحمد، وعبد الله، ومحمد، ثم المدني، وهذا الأخير الأصغر هو الذي ورث امتيازه الروحي وزاوية "واركًين" التي تكفل بها رفقة إخوته، وقد كان بها آنذاك حوالي سبعين من الأتباع (الطلبة)، حيث تحول المدني السملالي (ابن واركًين) كما سبقت الإشارة إلى شيخ مستقل. ومع مطلع القرن الماضي استجاب لطلب مخزني من أجل انضمامه لحملة محاربة الفقيه الجيلالي الزرهوني (بوحمارة)، إثر رسالة من السلطان مولاي عبد العزيز لمحلة تازة كي تلتحق بوجدة خريف سنة 1903. هكذا توجه "المدني السملالي" رفقة ابنه هاشم على رأس متعاونين مقاتلين، ضمن حملة خاض فيها معارك ضد الزرهوني بالمغرب الشرقي، حيث منطقة العيون سيدي ملوك، واد أسلي، بني زناسن، تافوغالت وغيرها، قبل أن يتعرض لهزيمة رفقة متعاونيه في منطقة "بورديم" ناحية بركان، لدرجة أن عددًا هامًا من القتلى تركوا أرضًا في ماي من سنة 1903، وأن الناجين من جماعته لجأوا إلى قصبة السعيدية، علمًا أنه في هذه العملية سقط المدني السملالي قتيلًا، لينقل جثمانه إلى وجدة ويدفن في مقبرة "باب الغربي". وبعد الحملة على "بوحمارة" خلال هذه الفترة التي اضطربت فيها أوضاع المغرب الشرقي، قام ابنه "هاشم" (الذي سيعين لاحقًا باشا على تازة) بطلب لجوء إلى وجدة، حيث حصل اتصال له مع السلطات الفرنسية، فضلًا عن صداقة مع قائد عسكري فرنسي "لويس موجان"، الذي تحول إلى مساعد له فظل بجانبه ولم يغادر وجدة إلا سنة 1913، ليستقر معه بمركز/ قصبة مسون، في وقت كانت فيه تازة هدفًا للاحتلال عبر عمل سياسي وآخر عسكري. وهنا كان دور ونشاط "هاشم السملالي" الذي وضع طاقته وتأثيره العائلي رهن إشارة قيادة الحملة، ميسرًا الاتصال بقبائل المنطقة من قبيل: بني وجان، بني بوقيطون، غياتة الغربية، فضلًا عن أهل الثلث بقبيلة بني وراين. ومكافأةً لما قدمه من عمل لفائدة السلطات الاستعمارية من أجل سير ونجاح الحملة واحتلال تازة، عُين بظهير 22 جمادى الأولى 1332 ه / 10 ماي 1914 باشا على المدينة، مع إسناده أيضًا رتبة ضابط في فرقة الشرف للحرب. يُذكر من أسرة السملالي بتازة وإخوة هاشم، هناك "أحمد" الذي عُين قائدًا على بلدة "كًلدمان" (غياتة)، وقد قُتل من قبل شخص من قبيلة بني وراين صيف سنة 1919. أما إدريس السملالي الذي حل محل أخيه في القيادة، فقد قُتل سنة 1923 في معارك احتلال قبيلة بني وراين، تحديدًا منطقة بني جليماسن وبني بوزرت. ونذكر أيضًا عبد السلام السملالي الذي كان كاتبًا لأخيه هاشم الباشا، فضلًا عن "جلول السملالي" الذي عمل خليفةً بتازة ثم إبراهيم. وفي علاقة لأسرة السملالي بأحداث تازة مطلع القرن الماضي إثر حركة الفقيه الزرهوني (بوحمارة) الذي اتخذ المدينة مقرًا له، وبعد القتال الأول معه وما حصل للجيش العزيزي من كبوة، وعندما توجه (بوحمارة) صوب وجدة، حلت بتازة قوات المخزن التي كان دخولها إليها بأثر مقلق عنيف. بحيث عن نصوص تاريخية من جملة ما جاء، أنه حصل هجوم على ملاح تازة وعلى ساكنتها من المسلمين أيضًا، وأنه عبث جيش غير مضبوط بما عبث، وأنه في هذه الظروف الصعبة التحق بالمخزن "الشريف المدني السملالي" الذي انتهب بوحمارة داره وزاويته. وأن السملالي هذا رافق الجيش العزيزي إلى وجدة، بل هو من حث القائد المنبهي على احتلال قصبة مسون خوفًا من سبق (بوحمارة) إليها، ولعله ما حصل حيث اختير السملالي رئيسًا مشرفًا على عملية الاحتلال. وعن هذه الفترة الحرجة من زمن مغرب مطلع القرن الماضي، ورد أيضًا: "ثم احتل الجيش تازا... وامتلأت الأيدي بالأسلاب، بعد أن قطعت الرؤوس وقصفت الأصولاب... وكان احتلال تلك المدينة على العنيد نقمة". بل مما جاء في كتاب "الإتحاف" وهو مصدر مخزني: "ودخلت الجنود المخزنية مدينة تازة عنوة، وفعلت بالمستضعفين من أهل البلاد الأفعال التي تخجل منها المروءة ولا ترضاها الإنسانية، فقد افتضت الأبكار وهدمت الديار، وذلك في شهر صفر الخير سنة 1321، وكان دخول المنبهي... بجنوده لتازا، بمساعدة الشيخ أبي هاشم المدني الوركًيني السملالي الحسني المعتمد عند أولائك القبائل النافذ الكلمة فيها". بعض من زمن تازة الحديث وذاكرتها، في علاقتها بأحداث كبرى طبعت البلاد مطلع القرن الماضي من قبيل حركة الفقيه الزرهوني (بوحمارة)، وفي علاقتها أيضًا بفترة مغرب الحماية وما كان بها من صدى أسماء إدارة مخزنية وحضور وسلطة لها هنا وهناك بين مدن وبوادي، فضلًا عن نفوذ وصورة ورواية عنها، من قبيل أول باشا عُين بتازة "هاشم السملالي" منذ أزيد من مائة سنة. وهذا الذي وافته المنية أواخر خريف سنة 1928، بقدر ما أنيط به من حرص على مهام تنظيمية إدارية تخص المدينة، بقدر ما أحيط بطيب ذكر واحترام وفق ما لا يزال ممتدًا من رواية، إثر ما حافظ عليه من خيط ناظم وعلاقة بالساكنة، ليبقى المشهد في كل الأحوال جزءًا من ذاكرة تازة وأرشيفها اللامادي، وأثرًا من زخم تاريخ حديث محلي. -رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث