إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتمويل سلاسل التوريد    سوق عام    "أسبوع المعتقل": مركز حقوقي بنيويورك يطالب المغرب بالإفراج الفوري عن معتقلي الرأي    مربو التعليم الأولي يقررون الاعتصام أمام وزارة التربية الوطنية احتجاجا على "التهميش"    العقود الآجلة للنفط تتجاوز 101 دولار للبرميل بارتفاع 3 بالمئة    معرض الفلاحة .. "المثمر" يستعرض ابتكارات من التربة إلى تربية الماشية    المديرة التنفيذية: انضمام المغرب إلى "المجلس الدولي للتمور" قيمة مضافة نوعية تعزز مكانة المجلس    المديرة التنفيذية للرابطة الدولية للإصلاحيات والسجون: الاكتظاظ داخل السجون واقع ملموس يعيشه كل الفاعلين في القطاع    أخنوش: حققنا 50 إنجازاً .. والكسابة مطالبون بعدم ترك المجال ل"الشناقة"    بورصة البيضاء تنهي التداولات باستقرار    الرباط وفيينا ترسخان حواراً استراتيجياً    توقيف مروجَي أقراص مهلوسة بتزنيت    انطلاق برنامج «رياضة وصحة» بمدارس قروية بخنيفرة لتعزيز الاستثمار في الأجيال الصاعدة    الكوكب يطوي صفحة الخلاف مع الدميعي ويؤكد استقرار أجوائه    الجيش الملكي يعترض رسميا على توقيت نهائي أبطال إفريقيا    أمانديس وجمعية مدرسي علوم الحياة والأرض توحدان الجهود لحماية البيئة بطنجة وتطوان    وداعا همس الورد.. وداعا ظل الفراشة .. عبد النبي دشين درويش الطريقة والطريق    رشيد العلوي يقرأ العلاقة بين الدين والسياسة في زمن العولمة    دار الشعر بمراكش تنظم الدورة الأولى ل «ملتقى مراكش للإبداع النسائي»    مهرجان كان يكشف عن الملصق الرسمي للنسخة التاسعة والسبعين للعرس السينمائي العالمي    إدانة الكاتب كمال داود بثلاث سنوات سجنا نافذا في الجزائر    مناهضو التطبيع بمراكش يحتجون بباب دكالة بسبب أداء طقوس يهودية    محامو "العدل والإحسان" ينتقدون توسيع نفوذ النيابة العامة داخل الأجهزة المنظمة للمهنة    إيران تقول إن الحصار البحري الأميركي لم يؤثر كثيرا على إمدادات الغذاء    اليقظة النفسية" بجامعة محمد الخامس... مبادرة جديدة لكسر الطابوه وتعزيز توازن الطلبة    الصين تحذّر من أن الشرق الأوسط أمام "مرحلة حرجة" بعد تمديد ترامب وقف إطلاق النار    زلزال قوي يضرب شمال شرق اليابان... تحذيرات من تسونامي يصل إلى 3 أمتار وحالة تأهب قصوى    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    الزلزولي يفرض نفسه نجما في فوز مثير لبيتيس على جيرونا    نجمة التنس التونسية أنس جابر تحتفي بأول مولود        إيران تعلن احتجاز سفينتين إحداها "مرتبطة بإسرائيل"    فصيل"الشارك" يدعو إلى تشييد ملعب جديد بآسفي ويجدد مطالبته باسترجاع جثمان ياسين دزاز من الجزائر    الملك محمد السادس وبن زايد يبحثان تطورات الشرق الأوسط    الوزير عبد الصمد قيوح يكشف عن ثورة سككية في المغرب            رصاص الأمن يشل حركة صاحب سوابق عرض أمن المواطنين وسلامة عناصر الشرطة للخطر باستعمال السلاح الأبيض    المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ينظم ندوة علمية دولية حول «الكتابة المسرحية والإخراج    تجديد رفض الرأي الاستشاري لمجلس المنافسة    مطالب بعقد دورة استثنائية لإحداث مستشفى للأمراض النفسية والعقلية بالعرائش    الريال يعود لسكة الانتصارات على حساب ألافيس (2-1) في الدوري الإسباني    إصابة في العضلة الضامة تحرم بلعمري من استكمال موسمه مع الأهلي        تصريحات إعلامية تثير جدلاً بشأن منع كبير جنرالات أمريكا ترامب من استخدام "الشيفرات النووية"    أكاديمية المملكة تبحث عن نظرية معرفية بين "الإنسان والذكاء الاصطناعي"    عرض خاص لفيلم "أبي لم يمت" لعادل الفاضلي بقصر الفنون بطنجة احتفاءً بالسينما المغربية        مساهمة الاتحاد الاشتراكي في مسار المكتسبات الدستورية للنساء    34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    معراج الحلاج    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انتخابات 2026
نشر في هسبريس يوم 22 - 04 - 2026

تستعد وزارة الداخلية لاستحقاقات 2026 بمنطق الهندسة السياسية التي تعتمد في جوهرها على ترسانة من القوانين والآليات التقنية الصارمة، محاولةً حصر المزاج الشعبي المتقلب في معادلات إحصائية ونسب مئوية جافة. غير أن هذا الاستغراق في التقنية يسقط في مأزق بنيوي حين يغفل أن الناخب المغربي ليس مجرد وحدة إحصائية في قاعدة بيانات أو رقم تسلسلي في سجلات الحالة المدنية، بل هو فاعل اجتماعي مركب تحركه دوافع سيكولوجية وخلفيات ثقافية لا تخضع لمنطق الآلة الحاسبة. إن حصر العملية الانتخابية في جوانبها اللوجيستيكية والإدارية المحضة يحول دون فهم العمق السوسيولوجي الذي يوجه إرادة المواطنين في اللحظات الحاسمة، ويجعل الدولة تقف حائرة أمام نتائج غير متوقعة تعجز النماذج الرياضية عن التنبؤ بها لأنها افتقدت لشرط الأنسنة في التحليل.
تحتاج وزارة الداخلية اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استبدال نظاراتها الإدارية التي ترى المجتمع ككتلة قابلة للضبط بمنظار أنثروبولوجي ينفذ إلى جوهر التفاعلات الإنسانية ويفكك الروابط غير المرئية. فبينما يركز الخبراء التقنيون على نسب المشاركة والعزوف كمؤشرات عددية باردة، تفشل هذه المقاربة في رصد التحولات العميقة في تمثلات المغاربة للسلطة والسياسة في مغرب 2026. الأنثروبولوجيا وحدها قادرة على فك شفرة المواطنة المحلية التي لا تزال تعطي الأولوية للانتماءات الأولية، من قبيلة وعائلة ممتدة وطرق صوفية، على حساب الانتماء الحزبي الإيديولوجي الجاف. إن الانتقال من الإحصاء إلى الاستقصاء الثقافي سيتيح للوزارة فهم لماذا يصوت المغربي في القرية بشكل مختلف عن المدينة، ليس بسبب نقص الوعي بل بسبب اختلاف المرجعيات القيمية التي تحكم فعل الاختيار.
لطالما اعتمدت الإدارة الترابية على التقطيع الانتخابي كأداة هندسية ورياضية لضمان توازنات سياسية أو لضمان تمثيلية جغرافية معينة، وهي في جوهرها عملية حسابية ترسم الحدود على الخرائط الورقية. لكن المنظار الأنثروبولوجي يكشف أن هذه الحدود الإدارية غالباً ما تتصادم مع الحدود الرمزية للولاءات التاريخية والقبلية. فالناخب في المغرب العميق قد يصوت بضراوة ضد منطق الجغرافيا الإدارية المفروضة إذا تعارضت مع مصلحة الجماعة السلالية أو نفوذ الوجيه المحلي. هنا، تنهزم الآلة الحاسبة أمام قوة العصبية التي لا يمكن ترويضها بالتقاسيم الهندسية، مما يجعل النتائج تخرج بصورة تعيد إنتاج الهياكل التقليدية للمجتمع، ضاربةً عرض الحائط بكل التوقعات التقنية التي بُنيت على فرضية الناخب الحديث المنفصل عن جذوره.
تتعامل الإدارة الترابية مع الأعيان كفاعلين تقنيين يمتلكون القدرة على تحريك الخزانات الانتخابية وضمان استقرار النتائج، لكنها تفتقر لتحليل أنثروبولوجي رصين يفهم لماذا يظل هؤلاء الأعيان صامدين بل ومتجددين أمام رياح التحديث الحزبي. إن فهم الانتخابات كسوق للرموز والخدمات المتبادلة يفسر لماذا تفشل البرامج السياسية العصرية في إقناع الناخب البسيط الذي يرى في صوته أمانة أو ديناً لصالح الشخص الذي يجسد دور الوسيط مع السلطة. هذا المنطق التبادلي الذي يسميه الأنثروبولوجيون الزبونية السياسية، ليس مجرد فساد انتخابي بل هو نظام اجتماعي متكامل لا ترصده البرمجيات الإحصائية، وفهمه هو السبيل الوحيد لوزارة الداخلية لتدبير مرحلة 2026 بواقعية بعيداً عن الشعارات الجوفاء.
تقف وزارة الداخلية في كل محطة انتخابية حائرة أمام لغز العزوف، وتحاول جاهدة تفسيره بضعف التواصل الحزبي أو غياب الحماس لدى الشباب، وهي تفسيرات سطحية تنبع من عجز المقاربة الرياضية. في المقابل، يرى المنظار الأنثروبولوجي في العزوف طقساً احتجاجياً صامتاً يعبر عن قطيعة وجدانية وثقافية مع مؤسسات لا تشبه واقع الناس ولا تتحدث لغتهم اليومية. الصمت الانتخابي في مغرب 2026 هو لغة سياسية بليغة بحد ذاتها، وفهمه يتطلب الغوص في سيكولوجيا الإحباط الجمعي وتآكل الثقة في الجدوى، وهي مفاهيم نوعية لا يمكن قياسها بمساطر الوزارة التقليدية بل تتطلب إنصاتاً عميقاً لنبض الشارع في الأسواق والمقاهي والفضاءات غير الرسمية.
مع الهيمنة المتصاعدة للتكنولوجيا، يبرز الفضاء الرقمي كفاعل جديد يربك الحسابات التقنية لوزارة الداخلية. فبينما تحاول الإدارة ضبط الحملات في الميدان الفيزيائي، تنفلت منها القبائل الرقمية والمؤثرون الذين يصنعون الرأي العام في فضاءات مشفرة. الأنثروبولوجيا الرقمية توضح أن المغاربة لا يتخلون عن تقاليدهم في الفضاء الافتراضي بل يعيدون إنتاج العصبية والولاءات والنميمة السياسية داخل مجموعات الواتساب والفايسبوك. فالخطر يكمن في أن الخبير التقني يحلل عدد التفاعلات، بينما الأنثروبولوجي يحلل نوعية الخطاب وكيف يتم توجيه القطيع الانتخابي عبر شحنات عاطفية ورمزية، مما يجعل التحكم الرياضي التقليدي في توجيه أو توقع سلوك الناخبين أمراً متجاوزاً ومحدود الأثر.
إن الدعوة لاستبدال الآلة الحاسبة بالمنظار الأنثروبولوجي في تدبير انتخابات 2026 ليست ترفاً فكرياً أو نقداً أكاديمياً، بل هي ضرورة استراتيجية لضمان استقرار المؤسسات الوطنية. لكي تكون هذه الاستحقاقات معبرة بحق عن إرادة المغاربة، يجب على وزارة الداخلية أن تفتح قنواتها للباحثين في سوسيولوجيا الإنسان المغربي، لفهم النبض الحقيقي الذي لا تسجله محاضر التصويت. إن الدولة التي تفهم شعبها أنثروبولوجياً هي الأقدر على بناء نموذج ديمقراطي متجذر في التربة المحلية لا يكتفي بملء الصناديق بالأوراق بل يملأ الفراغ الرمزي والمؤسساتي بين المواطن ودولته، محولة العملية الانتخابية من مجرد تمرين حسابي إلى لحظة تاريخية لبناء الثقة والتعاقد الاجتماعي الجديد.
أولاً: نمط الاقتراع باللائحة
تخطئ المقاربة التقنية لوزارة الداخلية حين تختزل العملية الانتخابية في هندسة أرقام وضبط عتبات، متجاهلة أن الناخب المغربي يتحرك وفق نسق أنثروبولوجي يقدس الروابط المباشرة والوجاهة الملموسة. فالداخلية تراهن على التمثيل النسبي لتوزيع الحصص السياسية، لكنها تفشل في استيعاب أن الصوت في المتخيل الشعبي ليس رقماً في كسر عشري، بل هو بيعة مصلحية أو رابطة ولاء لشخص يجسد الحماية والوساطة. هذا الفصام جعل النمط اللائحي مجرد تمرين رياضي بارد يفتقد للحرارة السياسية والشرعية الاجتماعية.
إن حصر النقاش في نمط الاقتراع كمعادلة تقنية أدى إلى نوع من التنميط القسري لمجتمع متعدد البنيات. فالمقاربة الإدارية تفترض أن اللائحة ستقوي الأحزاب، لكن القراءة الأنثروبولوجية تكشف أنها أضعفت السياسة لصالح الزبونية المقننة. لقد حولت المقاربة الحسابية الدوائر الانتخابية إلى خزانات أرقام، بينما هي في الأصل فضاءات عصبية تتصارع فيها الوجاهات التقليدية. الفشل هنا يكمن في اعتقاد الداخلية أن تحديث الأداة (اللائحة) سيؤدي تلقائياً إلى تحديث الفاعل، بينما الواقع يؤكد أن الأداة الرياضية تم ترويضها لتكريس نفوذ الأعيان بأسلوب مؤسساتي.
تعتمد الداخلية نمط التمثيل النسبي كأداة لهندسة الخريطة ومنع الهيمنة، وهي مقاربة أمنية-رياضية تهدف إلى الاستقرار العددي لا الفعالية السياسية. من منظور أنثروبولوجي، هذا التشتيت العمدي للأصوات عبر نمط اللائحة يقتل الزعامة الطبيعية ويخلق نخباً هجينة تدين بالفضل للرياضيات الانتخابية أكثر مما تدين للقواعد الشعبية. إن خطأ المقاربة الإدارية يكمن في ظنها أن الاستقرار ينبع من توازن المقاعد، بينما الاستقرار الحقيقي ينبع من صدق التمثيل، وهو ما لا يمكن تحقيقه بنمط اقتراع يرى في المجتمع جدول بيانات بدلاً من نسيج بشري.
ثانياً: التقطيع الانتخابي
تتعامل الإدارة مع التقطيع الانتخابي كعملية رسم حدود جغرافية تهدف إلى موازنة عدد السكان، لكنها أنثروبولوجياً تمارس نوعاً من البتر السوسيولوجي. فعندما يتم إلحاق قبيلة بأخرى أو فصل حي عن امتداده الطبيعي لغرض حسابي، يتم تدمير العصبيات الإيجابية والروابط التاريخية. هذا التقطيع الإداري يجعل المرشح والناخب في حالة ضياع، حيث يضطر الوجيه للبحث عن أصوات في فضاءات لا ينتمي إليها رمزياً، مما يفتح الباب على مصراعيه للمال السياسي كجسر وحيد لردم الهوة التي صنعها التقطيع.
الخطأ الأنثروبولوجي القاتل في مقاربة الداخلية هو اعتقادها أن تحويل الدوائر من فردية صغيرة إلى لوائح إقليمية كبرى سيعزز التصويت السياسي. الواقع أثبت العكس، فالتقطيع الواسع جعل التواصل البشري مستحيلاً، مما دفع الأعيان إلى تأسيس كونفدراليات مصلحية. فبدلاً من أن يكون لدينا ممثل يعبر عن هوية مجالية منسجمة، أصبح لدينا تحالف أعيان يتقاسمون خارطة التقطيع كغنائم، حيث يسيطر كل واحد منهم على جيوب سوسيولوجية معينة داخل نفس الدائرة، مما أفرغ الانتخابات من معناها كفعل انتماء للمجال.
غالباً ما يُستخدم التقطيع كأداة لتحييد الكتل الناخبة المزعجة (كالأحياء الحضرية المسيسة) عبر تذويبها في كتل قروية محافظة. هذه المقاربة الرياضية تهدف إلى الضبط القبلي للنتائج، لكنها من منظور أنثروبولوجي تخنق التطور الطبيعي للمجتمع. إنها تفرض على المثقف أو المناضل الحضري الخضوع لمنطق الوجاهة القروية لكي ينجح، مما يعيد إنتاج التقليدانية في قلب الحداثة. فالتقطيع بهذا المعنى ليس مجرد خطوط على الخريطة، بل هو تسييج يمنع بروز نخب جديدة لا تخضع لمنطق الخزان الانتخابي التقليدي.
ثالثاً: القاسم الانتخابي والعتبة
تخطئ المقاربة الإدارية حين تحتسب القاسم الانتخابي بناءً على المسجلين لا المصوتين، فهي بذلك تلغي القيمة الأنثروبولوجية لفعل التصويت. من منظور سوسيولوجي، التصويت هو شهادة وانخراط واعٍ، لكن تحويله إلى عملية قسمة تضم حتى المقاطعين أو الأموات أو غير المهتمين يجعل صوت الناخب الفعلي بلا قيمة تقريرية. هذا النمط الحسابي يقتل التنافسية ويحول الانتخابات من صراع إرادات إلى توزيع حصص ثابتة سلفاً، مما يعمق شعور المواطن بأن جدوى صوته تتلاشى أمام جبروت المعادلات الرياضية.
بينما يُنظر للعتبة (سواء خُفضت أو أُلغيت) كأداة لمنع الهيمنة، فإن القراءة الأنثروبولوجية تكشف أنها أدت إلى بلقنة التمثيلية. المقاربة الحسابية للداخلية تهدف إلى خلق برلمان فسيفسائي لا تسيطر فيه جهة واحدة، لكنها بذلك تشرعن صعود أشباه النخب الذين ينجحون بكسور حسابية بسيطة. هذا التفتيت يمنع بروز كتلة تاريخية أو زعامات قوية قادرة على إحداث تغيير حقيقي، ويجعل من المؤسسة التشريعية مجرد تجميع لوجاهات محلية صغيرة لا يجمعها مشروع وطني، بل تجمعها حسابات العتبة.
أكبر خطأ في تغييب الأنثروبولوجيا هو إعدام منطق العقاب الانتخابي. في أي مجتمع، الانتخابات هي لحظة لمحاسبة الفاشل ومكافأة الناجح. لكن القاسم الانتخابي الجديد وإلغاء العتبة عملياً يجعلان الحزب الفاشل يضمن مقعداً بفضل الرياضيات، والحزب الناجح يُسقف طموحه بالقانون. هذا التساوي القسري في النتائج يحول الانتخابات من حدث مفصلي إلى إجراء روتيني ممل، حيث يشعر الناخب أن الجسم الانتخابي المغربي بكل تعقيداته وتطلعاته قد تم اختزاله في خوارزمية باردة تضمن استمرار نفس الوجوه ونفس التوازنات.
رابعاً: العزوف والاحتجاج الصامت
عندما تتعامل وزارة الداخلية مع الانتخابات كمعادلات جافة (قاسم انتخابي، عتبة، نمط لائحة)، فإنها تغفل أن الناخب يمارس العزوف كنوع من المقاومة الأنثروبولوجية. المواطن يشعر أن صوته قد تم تنميطه مسبقاً ليخدم توازنات رقمية لا تعكس وزنه الحقيقي. هذا الاحتجاج الصامت هو صرخة ضد إفراغ السياسة من معناها، فالناخب يفضل الانسحاب على أن يكون وقوداً لمعادلة رياضية تمنح الشرعية لوجوه يراها بعيدة عن انشغالاته السوسيو-ثقافية اليومية.
من منظور أنثروبولوجي، بُنيت العلاقة بين الدولة والمجتمع تاريخياً على الوساطة، لكن التقطيع الانتخابي الحالي ونمط اللائحة حطما الوساطة الطبيعية وعوضاها بوساطة تقنية باردة. فالعزوف هنا هو نتاج لشعور الاغتراب، حيث يرى المواطن أن المؤسسات المنتخبة لا تشبهه ولا تتحدث لغته. فالاحتجاج الصامت في 2026 ليس جهلاً بالسياسة، بل هو إدراك شعبي بأن المسرح الانتخابي مصمم لإعادة إنتاج الأعيان بأسماء أحزاب مختلفة، مما يجعل المقاطعة هي الخيار الوحيد للحفاظ على الكرامة السياسية.
تخطئ الداخلية حين تعتقد أن تسهيل عملية التصويت تقنياً سيقلص العزوف، لأن المشكلة تكمن في القطيعة الوجدانية. فالإدارة تتحرك في زمن رياضي يهدف لضبط المقاعد، بينما المجتمع يعيش في زمن أنثروبولوجي مثقل بالانتظارات والإحباطات. هذا الاحتجاج الصامت يحول يوم الاقتراع من عرس ديمقراطي إلى لحظة انكشاف للفجوة بين المغرب الرسمي والمغرب العميق. إن العزوف هو الدليل الأكبر على أن "هندسة الخوف من الهيمنة" (عبر القاسم والعتبة) قد تحولت إلى هندسة لليأس من التغيير عبر الصندوق.
خامساً: الأوراق الملغاة
تخطئ وزارة الداخلية حين تصنف الأوراق الملغاة كأخطاء مادية ناتجة عن نقص الوعي، بينما هي في العمق فعل سياسي واعٍ يمارسه الناخب كآخر وسيلة للتمرد. إن لحظة دخول المواطن إلى المعزل هي اللحظة الوحيدة التي يتحرر فيها من الضبط الإداري ومن ضغط الأعيان، ليحول ورقة التصويت من أداة للمشاركة إلى منشور احتجاجي. وضع علامات ساخرة أو شعارات رافضة ليس جهلاً بالتقنية، بل هو إعلان صريح عن رفض العرض السياسي جملة وتفصيلاً، وتحويل الصفر الحسابي إلى أعلى درجات المعنى السوسيولوجي.
وتمثل الورقة الملغاة في انتخابات 2026 ذروة التصادم بين ذكاء المواطن وجمود الخوارزمية الانتخابية. فبينما تحاول الداخلية عقلنة المشهد عبر القاسم الانتخابي ونمط اللائحة لضمان توزيع حصص مريح، يأتي الناخب ليفسد هذه الهندسة عبر الإلغاء العمدي. هذا النوع من الاحتجاج هو سخرية سوداء من جدوى العملية برمتها. فالناخب يدرك أن صوته في ظل النمط الحالي قد يذهب لمرشح لا يريده، فيختار الانتحار الانتخابي بورقة ملغاة ليحرم النسق والسياق من شرعية صوته، معبراً عن استهزائه بآلية تحول الإرادة الشعبية إلى كسور عشرية.
إن استمرار التعامل مع الأوراق الملغاة كهدر تقني يعكس أبوية إدارية ترفض الاعتراف بأن المواطن المغربي قد نضج سياسياً لدرجة رفض اللعبة بقواعدها الحالية. فالورقة الملغاة هي المرآة التي ترفض الإدارة النظر إليها، لأنها تكشف عن وجود كتلة ناخبة حضرت جسدياً لكنها غابت وجدانياً، وقررت أن تترك بصمتها كشاهد عيان على زيف التعددية. تجاهل هذه الإشارات الأنثروبولوجية والاكتفاء بالنشوة الإحصائية لنسب المشاركة لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين مغرب الأرقام ومغرب الواقع، حيث تظل المؤسسات قائمة على شرعية حسابية هشة تفتقر إلى السند الوجداني الحقيقي.
سادساً: الكوطا واللوائح الإضافية
تخطئ المقاربة الحسابية لوزارة الداخلية حين تكتفي برصد النسب المئوية لحضور النساء والشباب في البرلمان، متجاهلة الجينالوجيا السياسية لهؤلاء المرشحين. فمن منظور أنثروبولوجي، لم تعد اللوائح الجهوية جسراً للكفاءات بل تحولت إلى ممرات عائلية آمنة. فالأعيان الذين يسيطرون على الدوائر المحلية عمدوا إلى استعمار اللوائح الجهوية عبر ترشيح بناتهم وزوجاتهم، لضمان مراكمة المقاعد داخل نفس العصبية. هنا تخدم الكوطا الأبوية السياسية بدلاً من أن تحرر النخب الجديدة، مما يجعل التحديث مجرد تغيير في الجنس والسن مع بقاء الولاء لنفس المركز.
تخلق اللوائح الإضافية وهماً بصعود نخب شبابية ونسائية، لكن القراءة السوسيولوجية تكشف عن ظاهرة التمثيل بالنيابة. هؤلاء الفاعلون الجدد لا يستمدون شرعيتهم من نضال ميداني أو كفاءة حزبية، بل من الرأسمال الرمزي للعائلة أو القرب من مركز القرار الحزبي. المفارقة الصارخة هي أن الأرقام توحي بتقدم حقوقي يرضي المنظمات الدولية والمؤشرات التقنية، بينما البنية الحقيقية تكرس الزبونية. هذا النمط حوّل الكوطا إلى ريع سياسي يُوزع كغنائم انتخابية، مما أفرغ فكرة التمييز الإيجابي من محتواها الديمقراطي وحوّلها إلى أداة لترسيخ التوريث السياسي بآليات حديثة.
إن إصرار الدولة على مقاربة الكوطا كمعادلة لضمان التنوع العددي يعكس استمرار الانفصام بين المساطر والواقع. الأنثروبولوجيا السياسية في المغرب تثبت أن القبيلة قادرة على ابتلاع أي إصلاح تقني وتكييفه لصالحها. فبدلاً من أن تساهم اللوائح الجهوية في تسييس الجهة، ساهمت في تقبيل (من القبيلة) الحزب. فانتخابات 2026، في ظل هذا المنطق، ستنتج برلماناً شاباً ونسوياً في المظهر، لكنه محكوم بعقليات الوجاهة التقليدية في الجوهر، حيث تظل السلطة الفعلية والقرار السياسي في يد الأعيان الذين استخدموا الرياضيات الانتخابية كدرع لحماية نفوذهم العائلي من الاندثار.
خاتمة
تثبت القراءة المتأنية للمشهد السياسي ل2026 أن الرهان الإداري على المساطر الحسابية لتطوير الحقل الحزبي هو رهان يفتقد للعمق. فوزارة الداخلية، وإن برعت وأبدعت في ضبط التوازنات عبر القاسم الانتخابي والتقطيع الموجه، تظل عاجزة عن صياغة مشروعية مجتمعية حقيقية. إن انتخابات 2026 بآلياتها الرقمية المتضخمة ستبقى مجرد غلاف حداثي هش يصطدم بصلابة الولاءات التقليدية، مما يؤكد أن المنطق الأنثروبولوجي القائم على الوجاهة والقرب لا يزال يمتلك اليد العليا على كل المعادلات الجافة التي تُهندس في المكاتب المركزية.
إن اتساع الهوة بين مغرب الأرقام الصماء ومغرب الواقع المتغير يضعنا أمام معضلة الاغتراب الشعبي. فحين تتحول العملية الانتخابية من فرصة للتغيير إلى مجرد تمرين حسابي لتوزيع المقاعد، يتآكل منسوب الثقة في المؤسسات، ويتحول العزوف والأوراق الملغاة إلى خطاب سياسي بديل شديد اللهجة. هذا الانفصام يُنتج برلماناً يمتلك صك الفوز بفضل الرياضيات الإدارية، لكنه يفتقر إلى روح التمثيل والارتباط الوجداني بالقواعد الشعبية، مما يعمق أزمة الوساطة بين الدولة والمجتمع.
لقد نجحت القوى التقليدية في احتواء الآليات الحديثة مثل الكوطا واللوائح الجهوية وتحويلها إلى وسائل لترسيخ الإقطاع العائلي. فما تُسوقه الإدارة كتقدم حقوقي وتجديد للنخب، يكشف التحليل الأنثروبولوجي كونه ريعاً سياسياً يعيد إنتاج الأب الوجيه عبر وجوه نسائية وشبابية تدين بالولاء للقرابة لا للحزب. هذا التحديث الصوري لا يخرج عن كونه استمراراً للأبوية السياسية، مما يجعل المسار الديمقراطي يبدو كعملية دوران في المكان تحمي مصالح الأعيان خلف مسميات مؤسساتية براقة.
إن العبور الآمن بانتخابات 2026 وما يتبعها يستوجب الانتقال الجذري من هندسة المقاعد إلى هندسة الثقة، وهو مسار يمر حتماً عبر إدماج المتغير السوسيولوجي في القوانين المنظمة. لا يمكن الاستمرار في معاملة المجتمع المغربي ككتلة إحصائية جافة، بل يجب الاعتراف بخصوصيته كنسيج معقد من الهويات والروابط. إن المصالحة الأنثروبولوجية تتطلب نمط اقتراع يحترم ذكاء الناخب ويقطع مع الوصاية الحسابية، ليكون الصندوق مرآة تعكس تطلعات المجتمع الحقيقية لا مجرد آلة لإعادة تدوير النفوذ التقليدي.
– أستاذ الأنثروبولوجية السياسية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.