نود التوقف عند موضوع تزايد حضور النقاب واللباس الشرقي في فضاء المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، والإشكال الذي يطرحه ذلك على المستوى المدني والثقافي والسياسي. لكن مقاربتي الأنثربولوجية تتوخى توضيح أبعاد الإشكال في علاقة بتحولات المجتمعات وتطورها وتحقق مفهوم العمومية التي هي من أسس الحياة المدنية والديمقراطية المعاصرة، وذلك دون الدخول في النقاش الديني والفقهي الذي يروم احتكار الرأي والإفتاء في الموضوع، رغم أنه بدوره يبقى منقسما بين المذاهب والآراء الفقهية المتنورة منها والسلفية أو الدوغمائية، ودون اختزال الموضوع في مستوى الاختيار الشخصي لأنه يطرح سؤال المدنية وصار ظاهرة ومعبرا اجتماعيا عن تيار وخطاب سياسي وثقافي في المجتمع. يرتبط مفهوم المدنية باحترام مبادئ اللياقة والاحترام المتبادل في العلاقات الاجتماعية والفضاء العام، انطلاقا من تقدير الآخر والإيمان بالاختلاف ومراعاة متطلبات الوجود الجمعي والعيش المشترك في فضاء المجتمع . ومن منظور أنثربولوجي، يعتبر ظهور مفهوم الفضاء العام من أهم تحولات المجتمعات البشرية وتجليات انتقالها من التقليدانية إلى المعاصرة، حيث تعتبر المجتمعات التقليدية مجتمعات تفتقد إلى "الظهورية" والعمومية بمعناها الثقافي والسياسي والمدني الذي نشأ مع التطور الاجتماعي في العصر الحديث، لهذا يتم اعتبارها مجتمعات السرية والإنعزالية والطائفية والحريم، فيما يتم اعتبار المجتمعات المعاصرة مجتمعات العمومية التي صار فيها النقاش والفعل السياسي وإبداء الرأي والحضور في الفضاء وتقاسم المجال...شأنا عاما وعموميا. وإذا عدنا إلى تجليات ظهور الفضاء العام باعتباره مجالا للوجود الاجتماعي والثقافي، وللحياة المدنية والممارسة السياسية والفكرية، وإنتاج الآراء والأفكار والخطابات، يتضح أن حضور الإنسان وتواصله وتنقله، سواء الجسدي والفيزيقي أو الفكري والمعنوي، هو من أهم علامات ومدلولات هذا التحول الاجتماعي والسياسي، حيث شمل التحول حضور الجسد ذاته وبلاغته من خلال خروجه من السرية ودوائر الحريم وأشكال العزل أو التوجس التقليدية إلى الظهور والعلن والفضاء العام، وما صاحب ذلك من تطور في الهيئة واللباس وظهور مظاهر الأناقة والاعتناء بالمظهر والموضة، وتنوع الألبسة حسب الوظائف والأدوار الاجتماعية، إلى غير ذلك من خصائص تطور الجسد المعاصر. لكن الأهم من كل ذلك هو انتقال الجسد البشري ذاته إلى كائن عمومي، أي خروجه من دائرة الطائفية والعزلة والحجاب والسرية والاستجابة لضوابط المدنية وتقاسم الفضاء العام والتواصل. وبذلك صار النظر المتبادل وتواصل الوجوه وتعرف الأشخاص لبعضهم البعض، بل وتبادل التحايا والابتسامات واللباقة وآداب التواصل، من أهم علامات المساواة والكرامة والتحضر البشري، والعيش المشترك وتقاسم الفضاء العام وتحقق الاطمئنان والأمان والاحترام المتبادل. يعتبر الوجه مدخل هوية الإنسان الجسدية والمدنية، فعبره يتم تعرف الأشخاص والتفريق بين الجنسين من ذكور وإناث، وبين الأعمار من أطفال وكهول وشيوخ، وبين الأفراد والأسماء والألقاب، مما يجعل من انكشافه وظهوره شرطا لتحقق مدنية الأفراد وهويتهم الاجتماعية. وبهذا المعنى، فمن حق الأفراد أن يتعرفوا بعضهم البعض في الفضاء العام، أي أن يكشف ويميز بعضهم البعض عبر هويته الجسدية وملامح وجهه، وبلاغة هيئته وحركاته ونظراته، كما من حقهم الاستمتاع بجمالية الفضاء، ذلك أن "ظهورية" الهوية الجسدية للأفراد عبر وجوههم هي الشرط الأساس للتواصل ولتحقق قيم الاطمئنان والأمان والانتماء المشترك إلى فضاء المدنية والمواطنة. انطلاقا من هذا التحليل، يتضح أن تنامي ظاهرة النقاب في المجتمع المغربي بشكل خاص خلال السنوات الأخيرة، والحضور المتزايد للباس الأفغاني والشرقي من خمار وبرقع وأغطية الجسد السوداء في الشوارع والأمكنة العامة والإدارات...، بل وفرضه على الأطفال الصغار، يطرح فعلا إشكال مسؤولية الدولة والمجتمع على المستوى التربوي والتنشيئي والأمني، وتحقيق العمومية وحمايتها، بما في ذلك الحق في التواصل وانكشاف هوية الأشخاص وتعرف بعضهم البعض، واطمئنان بعضهم للبعض في الفضاء العام. وإضافة إلى مضاعفات تنامي ظاهرة النقاب والبرقع والخفاء الهوياتي والجسدي، وما يفضي إليه ذلك من تنافر وتباعد مدني وصراع ثقافي وقيمي في الفضاء العام، فإنه يطرح أيضا إشكال الأمن والتعارف اللذان هما مسؤولية عمومية وشرط للوجود الفردي والجمعي وللحياة الديمقراطية وللعيش المشترك. فكيف يمكن مثلا تعرف هوية الشخص المنقب في الفضاء العام وفي الإدارات والمؤسسات، وجنسه وانتمائه العمري، بل وقصده وتجرده الجسدي والمدني؟ فسواء تعلق الأمر بتلميذة أو موظفة أو سائقة، ومرتادة شاطئ أو إدارة أو مقهى أو حمام عمومي...، يطرح الجسد المنقب، الخفي الوجه والهوية وعديم التعريف، إشكالا حقوقيا ومدنيا فعليا لكونه يتنافى وقيم العمومية والتواصل والتعريف والتقدير الجمالي والاطمئنان المتبادل...، التي تقوم عليها الحياة المدنية والديمقراطية في المجتمعات المعاصرة .