لم يكن لتعيين زينب العدوي كأول والية في تاريخ المغرب منذ العام والنصف، دلالات سوى أنه تعبير من الجالس فوق العرش على المضي في التمكين للمرأة، داخل المناصب العليا التي تعرف بحساسيتها وظلت حكرا على الذكور، وتفعيلا لما نص عليه دستور 2011 حول مساواة في أفق المناصفة؛ وبما أن المسؤولية من الحساسية بما كان ولأن من عين على رأسها تكون امرأة، فإن اسم العدوي ظل يتصدر عناوين الصحف، لإثارتها الجدل، فيما ظلت محافظة على خرجاتها الرسمية بشكل مستمر. تعيين تاريخي يوم 21 يناير 2014، انتقلت العدوي، ابنة الجديدة، على غير عادتها إلى القصر الملكي بمراكش، حيث عينها العاهل المغربي والية على جهة الغرب الشراردة بني احسن، قبل أن تسارع الأوساط الإعلامية وحتى الرسمية إلى وصفها بأول امرأة والية في تاريخ المغرب، فيما قال بلاغ الديوان الملكي وقتها إن تعيين العدوي إلى جانب 14 واليا رجلا، يأتي لما تتوفر فيه من شروط "الكفاءة والاستحقاق والخبرة والاستقامة والحرص على خدمة الصالح العام". "هي دلالة على المكانة التي يريدها الملك للمرأة المغربية.. في ميدان كان حصرا على الرجال"، هكذا صرحت زينب يوم تنصيبها واليا على الجهة وعاملا على القنيطرة، مضيفة وقد اختارت كلماتها بدقة وهي تصرح لوسائل الإعلام، "جد فخورة.. وأعتبر اليوم مشهودا لأنه أول مرة في تاريخ المؤسسات المغربية تعين سيدة في هذا المنصب.. الذي سيمكنني من المساهمة في إرساء أسس عملية لورش الجهوية الموسعة استشرافا لمغرب المستقبل". المثير للاهتمام في "بروفايل" العدوي هو التصاق صفة "أول" بسيرتها، فهي كذلك أول امرأة مغربية تتولى منصب قاضية للحسابات بعد تعيينها عام 1984، حيث تروي العدوي كيف أنها حصلت على المراتب الأولى في اجتيازها للمباراة وامتحان التخرج، لتقول "كنت أول قاضية تؤنث قسم القضاء حيث رددت أقسم بالله العظيم أن أسلك مسلك القاضية النزيهة المخلصة". اسم مثير أسابيع فقط بعد هذا التعيين والاحتفاء بإدراج اسم نسائي بارز، يظهر اسم زينب العدوي مجددا، بعدما قررت المفتشية العامة للقوات المساعدة التشطيب النهائي على الكولونيل ميسور، القائد الجهوي السابق للجهاز بالقنيطرة، لرفضه مصافحة العدوي خلال اجتماع للجهة، بسبب ما قالت عنه وزارة الداخلية "خلافات شخصية معها"، إلا أن دائرة الجدل اتسعت، بعد انتقاد سياسيين للجوء المفتشية إلى فصل الكولونيل من الوظيفة العمومية دون عرضه على المجلس التأديبي. في شتنبر من العام الماضي، تطفو على سطح الوقائع قضية الوالي زينب العدوي، لكن هذه المرة مع خادمتها التي أدينت بالسجن 6 أشهر وغرامة 500 درهم بتهمة سرقة قطعة من اللحم وبعض الكؤوس من السكن الوظيفي لبيت الوالي العدوي، قبل أن تقوم الأخيرة بتوكيل محامي على نفقتها الخاصة للدفاع عن الخادمة، وتقدم على إثر ذلك تنازلا رسميا في القضية أمام القضاء. تعيين زينب العدوي واليا على جهة الغرب الشراردة بني حسن، وعاملا على القنيطرة، لم يكن أمرا عاديا لدى ساكنة المدينة الخضراء، حيث لم يكن مألوفا لديهم رؤية سيدة مسؤولة ترتدي البذلة الرسمية للولاة، وهو ما ظهر جليا حين أثار ظهورها ببذلة عسكرية، في غمرة الاحتفال بعيد العرش، فضول وتعجب الحاضرين والمواطنين، الذين سارعوا لأخذ صور تذكارية معها. غضبة ملكية!! مطلع شهر ماي المنصرم، تناقلت وسائل إعلام مغربية إلغاء الملك محمد السادس لزيارة ملكية كان سيقوم بها لمدينة القنيطرة بغرض استكمال تدشين بعض المشاريع، وذلك لأخطاء ارتكبتها زينب العدوي، حينما أشرت على مشاريع شيدت بطريقة عشوائية ضمن لائحة الأنشطة التي ستحظى بالتدشين الملكي، وهو ما جعل الوالية أمام أول غضبة ملكية، دفعت البعض إلى تسريب حديث عن إعفائها من منصبها. بعد ذلك بأيام، خرجت زينب العدوي للرأي العام بافتتاحها للدورة 13 لمعرض الصناعة التقليدية بالقنيطرة، مكذبة إشاعة الإعفاء، فيما نقل مقربون لها غضبها مما قالوا إنها "حملات مغرضة" تتعرض لها من طرف جهات سياسية، تستهدف شعبيتها و"توجهاتها في التنمية ومحاربة الفساد والمفسدين" بالجهة والمدينة. حزم وجدية هي أشهر نساء "مغرب العهد الجديد"، ممن يعتبرن جيلا جديدا الذي بصم على انخراطه بشكل جدي في صناعة هذا المغرب، حتى أن مصادر قريبة من العدوي نقلت ردها المفاجئ على سؤال لأحد المنتخبين في مدينة القنيطرة، حين قال لها "أتمنى ألا يتوقف برنامجك الجديد على الأحلام"، فأجابته بشكل أسكتت معه قاعة اجتماع نظم أسابيع بعد تعيينها، "أنا لست هنا لأحلم.. أنا هنا ﻷعمل". في دجنبر من العام 2014، وفي عز الفيضانات التي ضربت عددا من مناطق المغرب، ألغت زينب العدوي دعوة لحضور حفل تسلمها "جائزة التميز" التي منحت لها من طرف منتدى المفكرين العالميين المتواجد بلندن، حيث ظهرت ببذلة عسكرية وهي تقوم بزيارات تفقدية يومية لمراكز ودوائر الإقليم، مشرفة على التدابير الاحترازية للاضطرابات الجوية على مستوى الجهة، وتتبع للتنفيذ الميداني للتعليمات الرسمية تفاديا للكوارث الطبيعية المحتملة في المنطقة. ولا تخفي العدوي انشغالها بتغيير واقع الجهة خاصة القنيطرة التي تعد عاصمتها الترابية، فملامح "قنيطرة الغد" كما تصفها، تتمثل في "تنمية حقيقة.. هي حلم أجيال من القنيطريين"، حيث قالت العدوي، وهي تتكلم بحضور امحند العنصر وزير التعمير وإعداد التراب الوطني بمناسبة تخليد الذكرى المئوية لصدور أول قانون للتعمير بالمغرب، إن أبرز تلك الملامح تتجسد في مشاريع الميناء الأطلسي والمحطة الصناعية المندمجة والخط السككي فائق السرعة والمحطة السياحية المهدية. مسار السجل العلمي للعدوي، ابنة الجديدة والتي تبلغ 55 عاما، أهلها ﻷن تعين قاضية للحسابات عام 1984، كأول امرأة مغربية تتقلد هذا المنصب، فهي حاصلة على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية، تخصص الاقتصاد العام، وتحضر أطروحة دكتوراه الدولة حول "مجلس الحسابات المغربي: من مراقبة المشروعية إلى مراقبة جودة الأداء، أية فعالية؟"، إلى جانب حصولها على شهادة "المراقبة المندمجة" من مكتب مصالح التدقيق الكندي، وشهادة البرنامج الأمريكي للزوار الدوليين "النساء الرئدات في ميدان الإقتصاد والأعمال". قبل 2014، كانت العدوي رئيسة للمجلس الجهوي للحسابات بالرباط، المنصب الذي عينت فيه منذ عام 2004، بالموازاة مع تعيينها من طرف العاهل المغربي عضوا في اللجنة الاستشارية للجهوية، إلى جانب حملها لرتبة "قاضية من الدرجة الاستثنائية" طيلة العقد الأخير. شأن ديني كان آخر ظهور بارز للعدوي، يوم الجمعة الماضية بمسجد للا خديجة بالقنيطرة، ضمن فعاليات الملتقى الرابع للقرآن الكريم، التي ترأسته وأشرفت على تكريم عدد من علماء ومشايخ وقراء القرآن الكريم، وهو الموعد الذي التقت فيه الوالية محمد جمال أبو الهنود، مستشار وزير الأوقاف والشؤون الدينية بفلسطين، وألقت فيه كلمة عن "فضل القرآن على الناس في الدينا والآخرة". يصف مقربون من زينب بالفقيهة العالمة، والتي أخذت العلم الشرعي على يدي والدها، سيدي أحمد بن عبد الله العدوي، الذي يلقب بالعلامة وينحدر من أسرة علمية سوسية عريقة، حيث يعد من تلامذة ورفاق الراحل المختار السوسي وأحد علماء سوس الكبار، وهو الأثر الذي بدا عام 2007، حين ألقت زينب درسا دينيا أمام الملك محمد السادس ضمن الدروس الحسنية، لتوصف كأبرز سيدة مغربية تقوم بذلك منذ 2003. وكانت العدوي آنذاك رئيسة للمجلس الجهوي للحسابات بمدينة الرباط، حين أقدمت على معالجة موضوع جد حساس في تلك الفترة على المستوى السياسي والحقوقي، وهو المال العام، حيث كان موضوعها يهم "حماية المال العام في الإسلام"، وهو مجال ظلت تنشط لأجله عدة دورات وورشات عمل، خاصة فيما يتعلق بمراقبة المالية العمومية ومراقبة التدبير والتدقيق المالي في المؤسسات.