كاف تطلق إصلاحات شاملة لاستعادة الثقة في التحكيم الإفريقي..    اللقاء الجهوي للحزب بجهة مراكش – أسفي يصادق على أوراق المؤتمر الجهوي    منح الرخص الاستثنائية لاستيراد التمور يضع الحكومة أمام سؤال العدالة التجارية والمنافسة الشريفة    مسار نضالي لشابة اتحادية من فاس إلى قيادة «اليوزي» .. انتخاب هند قصيور عضوا في مجلس الرئاسة يعزز الحضور المغربي في الدبلوماسية الشبابية    الإكوادور تكشف حاجة المنتخب الوطني لمزيد من العمل رغم الإشارات الواعدة    احتفاء بيوم الأرض الفلسطيني .. ليلى شهيد.. حياة بين المنفى والنضال وعشق المغرب    رسملة البورصة تتجاوز 964 مليار درهم    فضاء حقوقي يسجل تنامي التضييق على الحريات ويدعو لانفراج سياسي    المغرب يجدد تضامنه مع الدول العربية ويدعو إلى موقف موحد لاحتواء التصعيد الإقليمي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    اليماني: أسعار المحروقات ستواصل الارتفاع بالمغرب وعلى الحكومة التدخل لضمان التزود وحماية الجيوب    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    تفاعلات رقمية تُحرج لاعبي المنتخب    الحسيمة.. زيارة ميدانية لمواكبة إعادة إحياء زراعة الصبار    مندوبية التخطيط:67,7% من الأشخاص في وضعية إعاقة لم يبلغوا أي مستوى دراسي    عناية ملكية للنهوض بالصحة النفسية    تنقيلات داخلية لرجال السلطة المحلية لمواجهة العشوائي بإقليم مديونة    فيدرالية اليسار تحذر من "أزمة مركبة" وتدعو لكسر ثنائية "الاستبداد والمحافظة"    الوزارة ترفع منح المسرح وتشدد الشروط    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث    كوريا تطلق نظام "تناوب السيارات" وترفع حالة التأهب بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا    نادي المحامين يكلف مفوضا قضائيا لتوثيق وقائع ملعب ستاد دو فرانس ويصعد نحو الفيفا    رئيس البرلمان الإيراني يقول إن واشنطن "تخطّط سرا لهجوم بري" رغم بعثها "علنا"رسائل للتفاوض    غوغل تطلق رسميا ميزة "البحث الحي" بالصوت والكاميرا    ارتباك بصري في ودية أمريكا وبلجيكا    شبهة تزوير بطائق الانخراط تفجر أزمة داخل نقابة التعليم المرتبطة بالاتحاد المغربي للشغل بسوس ماسة    حركة "لا ملوك" تٌخرج ملايين المتظاهرين في الولايات المتحدة ضد ترامب وسياساته    بعد انتشار فيديو صادم.. توقيف سائق حافلة اعتدى بوحشية على سائق شاحنة    المنتخب الوطني يجري حصة تدريبية بعد تعادل الإكوادور ويواصل الاستعداد لمواجهة الباراغواي    فاجعة في ملعب أزتيكا تسبق مباراة المكسيك والبرتغال الودية    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا تذكاريا بمناسبة الدورة ال 58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا    مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان    إيران تقصف مواقع صناعية في الخليج    أمطار مراكش تكشف اختلالات البنية التحتية وتفجّر مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتعويض المتضررين    جلسة عمل بالرباط لمناقشة تحضيرات تنظيم البطولة العربية للمواي تاي بطرابلس    عمان: لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجمات على السلطنة    قبل إغلاق مستشفى الحسني.. مخاوف الشغيلة الصحية تستنفر مسؤولي الصحة بالناظور    واشنطن بوست: البنتاغون يستعد لإطلاق عمليات برية داخل إيران    توقيف العقل المدبر لعمليات "الاختراق الجوي" بطنجة في عملية أمنية محكمة    "ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            "ألوان المغرب" بفيلا الفنون.. مبادرة تجمع العائلات البيضاوية لاستكشاف سحر التراث    مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مَادَّةُ "التَّرْبِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ" وَ سُؤَالُ "الْإِسْلَامِيِّ" وَ" الدِّينِيِّ"!
نشر في هسبريس يوم 11 - 07 - 2016


1.الإسلام هو الدين..!
دين الدولة المغربية هو الإسلام بنص الدستور. والإسلام، عند المسلمين، هو الدين وليس دينا من الأديان. هكذا اعتقد المسلمون المغاربة بمكانة دينهم منذ دخل الإسلام هذه البلاد السعيدة. ولم يفهموا، أبدا وقط، أن هذا الدين هو دين من "الأديان"؛ بل هو الدين الكامل، الحق، المهيمن على كل ما سبقه من دين، ومعتقدات. ولم يعتقدوا أبدا أن دينهم الإسلامي المحفوظ من لدن ربهم العزيز، هو دين كسائر "الأديان"، أو يمكن أن تضاهيه في الكمال، والوثوقية، والأحقية؛ فيصطف معها في وزان واحد، أو ترتيب واحد.
وكلمة دين لم ترد في كل النصوص الشرعية، والآثار الإسلامية، إلا بصيغة المفرد. ففي القرآن والحديث، لم ترد أبدا لفظة الأديان. لأن الإسلام، بكل بساطة، قد حسم مع كل الأديان التي سبقته، وجاء مُهَيْمِنا عليها؛ عقيدة، وشريعة، وسلوكا. كما لم يؤمن إلا بالإسلام كدين " إنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ "(آل عمران الآية،19). وإنما ورود الدِّين بصيغة الجمع جاء مع بدعة استشراقية غير بريئة، سميت ب"علم الأديان"، أو "فقه الأديان المقارن"، والتي انسلت إلى بلاد المسلمين، بعد أن أدرجت ضمن الفكر الإسلامي، كأحد التيمات الفكرية التي استهوت جماعة من الباحثين المسلمين للاشتغال الأكاديمي عليها، ضمن بحوث حققت جزءا من الأهداف الأيديولوجية للغرب العلماني، واللاديني، والمتمثلة في بسط فكرة مفادها، أن هذا الدين الذي هو الإسلام، ليس هو الدين السماوي، أوغير السماوي، الوحيد الذي يمكن أن تأخذ منه البشرية تشريعات ربها، بل ثمة "أديان" أخرى لها نفس الوزن، ونفس القيمة الدينية التي يمتاز بها الإسلام؛ بل فيها من أخلاق المعاملات، ما يجعلها الأقرب إلى روح العصر، الموسوم بالتعدد، والاختلاف!.
2. من خلفيات المفاضلة بين الإسلام و بقية "الاديان".
ولقد اشتغلت آلة التشكيك، والتشويه، تدمر الصورة المشرقة للإسلام، وتربطه بكل سوء، وقبح، وكراهية، وإرهاب،... في مقابل الحديث عن صورة جميلة، وراقية، ورائقة ل"لأديان" الأخرى. فبابا الفاتيكان-مثلا- هو رجل السلام العالمي، الذي يقدم للبشرية دروسا في الحب، والتآخي، والمواطنة. والدولة الصهيونية/اليهودية هي دولة تؤمن بالديمقراطية وتمارسها رغم الإجرام والهتك الذي تقترفه كل يوم في حق الأبرياء باسم الدين،... وهكذا في محاولات مستميتة لنزع قدسية الإسلام، وجماليته، وختاميته ( الدين الخاتم)، وكماله، من أذهان الناس، ومعتقداتهم. وكل ذلك ليس حبا في الدين، أو رغبة في جنوح الناس إلى التدين، ولكن الهدف هو بث عواصف التشكيك في أذهان المسلمين، لتحويل قناعتهم بخاتمية دينهم، وهيمنته، ومشروطية القبول به "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85)، وشرطية اتباع رسول الإسلام " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " (وفي رواية موسى وعيسى حيين) أي ما وسعه إلا أن يكون مسلما، وفطرية الخلق الأول: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ).. و"إسلامية" ابراهيم الخليل عليه السلام الذي تحاججت اليهود والنصارى، كل طائفة منهم، حول انتمائه إليها:" مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (آل عمران 67)... قلت: تحويل كل هذا إلى لا شيء؛ فيتحقق الهدف الأسمى وهو تحويل هذه المجتمعات، أو أفراد منها، إلى الاعتقاد بلا دين. وذلك حينما تتضارب بين يدي المسلم قناعاته السامية التي يمتحها من هذا الدين، بأفكار بشرية محرفة ومدسوسة في غيره من "الأديان"؛ فيفقد توازنه العقلي، وثباته القناعاتي، ويتحول، أمام افتقاده للمُحَصِّنات العقدية، إلى هَمَل، يخبط خبط عشواء، وينتهي إلى الكفر بدينه الإسلامي بل بكل "الأديان"، أو يتحول في أحسن الحالات إلى سواه من "الأديان" التي أجاد أتباعها التسويق لها في مقابل الشبهات والتشويهات التي تشتغل آلة الإعلام على تسويقها ضد الإسلام؛ بإظهاره، وإظهار معتنقيه، كهمج، ومصاصي الدماء، وكارهي البشر.
3. "التربية الإسلامية" وسؤال التسمية.. !
وليس مقصود هذا الكلام وفصُّه، سوى ما أثير مؤخرا حول عزم وزارة بلمختار تحويل اسم "التربية الإسلامية" إلى "التربية الدينية"، وتعديل المنهاج الدراسي لهذه المادة استجابة للمبادرة الملكية المنطلقة من المجلس الوزاري المنعقد يوم 6 فبراير 2016 بمدينة العيون، والتي طالب الملك من خلالها الحكومة ممثلة في وزارتي التربية الوطنية والأوقاف ب"مراجعة مناهج تدريس التربية الدينية في مختلف مستويات التعليم المغربي..."، واستنادا كذلك إلى القناعات الجديدة التي أسس لها دستور 2011، والتي تجعل من مبادئ الإنصاف، والمساواة، والقبول بالآخر، واحترام الآراء، والمواقف، والمعتقدات، إحدى الأسس المُؤَسِّسة للدولة الديمقراطية الحديثة، وهو الأمر الذي يُلزِم صناع القرار التربوي بالبلاد، وفي تماشٍ مع روح الإصلاح التربوي الجديد، أن يعيدوا النظر في العديد من مُفَرمِلات تنزيل مقتضيات هذا الإصلاح، وعلى رأسها، التناقض بين الأهداف البعيدة لهذا الإصلاح، والمتمثلة في تخريج جيل مواطن، يؤمن بالاختلاف، والمساواة، والتعدد، والاختيار،.. وما هو مبثوث في مقررات هذه المادة مما لا يتماشى مع هذه الروح، ويتطلب تعديلات جوهرية.
بيد أن الانفراد بهذه المادة، في عز التنزيل لمقتضيات الرؤية الاستراتيجية (15-30) والتدابير ذات الاولوية، والتعجيل بتعديل منهاجها الدراسي، وتغيير ملامحها الهوياتية من خلال تغيير اسمها الذي لم تعرف باسم سواه في كل الوثائق التربوية الرسمية، إلى اسم يحمل أكثر من دلالة أيديولوجية، ويفتح الأبواب أمام كل الدخيلات الفكرية والدينية الممكنة، وأمام غياب توضيحات ضافية من صناع القرار التربوي (مديرية المناهج واللجنة العلمية المكلفة بالتعديلات)، حول الدواعي الحقيقية الثاوية خلف هذا التعديل الاسمي للمادة؛ يجعل كل متتبع للشأن التربوي بهذا البلد يرتاب من براءة هذا "الإصلاح القياسي" !.
ولئن كان من نافل القول، أن نذكر بأن هذه المادة المقهورة، المظلومة، لا تمثل في الوعي الجمعي للتلاميذ المغاربة، سوى مادة للاستراحة والاسترخاء من عناء مواد المُعامِلات المسيلة لِلُعابهم، مما يجعل الإفادة منها، أو التأثر برسالتها التربوية، مما لا قيمة له في ميزان "الشحن المعرفي"، أو القناعة الفكرية، أو الأيديولوجية، نظرا ليُتْمِ ساعتها التحصيلية، وضعف معاملها الجزائي؛ فإن استهدافها في البرنامج الإصلاحي الجديد، من خلال تحويل اسمها/ هويتها من اسم يمتح من دين المغاربة الذي لا يعرفون دينا سواه، و يتأسس على إحدى المرتكزات القيمية التي أكدت عليها كل مصادر المراجعة الإصلاحية عبر تاريخ الإصلاح التربوي الذي عرفه المغرب، والتي لم تتحدث، قط وأبدا، عن التربية الدينية، وآخرها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي أكد على ضرورة الاهتداء بمبادئ العقيدة الإسلامية، إلى اسم يحيل على تربية تنفتح على الدين بتعدد أساميه، واختلاف مصادره، والتأكيد على ذلك حتى قبل صدور بلاغ الديوان الملكي الذي لا يشير منطوقه، لا من قريب ولا من بعيد، إلى ما يوحي إلى المطالبة بهكذا تعديل مصطلحي، وذلك أثناء الإعداد لتنزيل التدبير الأول من التدابير ذات الأولوية(2015)، السابق للقرار الملكي(!)؛ قلت: إن هذا التعديل، الذي سيطال التسمية والتوصيف، والذي لم تتفضل الوزارة الوصية إلى حدود كتابة هذه الأسطر بشرح مبررات اعتماده، سيطلق يد المؤسسات التي خولت لها مديرية المناهج إعداد الكتاب المدرسي استنادا إلى خلاصات اللجنة "العلمية" التي أوكلت لها مهمة المراجعة، دون تدقيق لمعنى "الدينية"... لتقديم منتوجات ومواضيع "دينية" لا لون لها، ولا طعم، ولا رائحة. إذ سيكون مفتوحا أمام المؤلفين والخبراء التربويين من مختلف الديانات، والتوجهات، أن يقترحوا مواضيع لهذه المادة، ليس بالضرورة مواضيع موافقة لدين أغلبية المغاربة، الذي هو الإسلام، بل مواضيع لها علاقة بالدين، أيُّ دين، دون تحديد. فلن نستغرب أبدا إذا وجدنا في كتب التربية الدينية الجديدة مواضيع حول كيفية الصلاة عند اليهود، أو النصارى، إلى جانب كيفيتها عند المسلمين. أو مواضيع حول عقيدة التثليث، أو بنوة عيسى لله تعالى،... فلا غرو في ذلك، مادامت المادة هي تربية دينية، لا تخص دين دون دين !!.
4.ضمانتان ضد النزوح إلى التجفيف.. !
بيد أن هذا الإصلاح، إن سار على هذا المهيع، فلن يكون له عظيم تأثير على قناعات المغاربة المسلمين، التي لا يزحزحها مزحزح، ولم تؤثر فيها، عبر تاريخ المحن والصراعات، خلافاتٌ ولا افتراءاتٌ ولا شبهاتٌ؛ وذلك للاعتبارين التاليين:
1. المغاربة المسلمون، صغارا وكبارا، يأخذون دينهم من المساجد، ومن العلماء، والفقهاء، أكثر مما يأخذونه من المدارس. فلا يعلمون دينا آخر سوى الدين الإسلامي. وكل ما يؤمنون به حول "الأديان" الاخرى هو أنها "أديان" لغيرهم نحترم أهلها، ولا يمكن أن نعتمدها لا في الفُتيا ولا في عبادة الله عز وجل. وكل محاولة لإقناعهم بخلاف ذلك ستبوء بالفشل، خصوصا إذا تم ذلك عبر مادة فاقدة لما تعطي.
2. أساتذة المادة ومفتشوها، من الكفاءة، والنضج المعرفي والعلمي، والنباهة الفكرية، ما يخولهم أن يجعلوا من هذه المادة، مهما سُمِّيت، إسلامية أو دينية، أداة لتصريف روح الإسلام السمح، والوسطي الذي يساير العصر، ولا يتناقض مع كل جميل، ومعروف، بل مادة تصحح المفاهيم المغلوطة التي علقت في أذهان الكثير من المسلمين حول الأقليات الدينية، وترتقي بحس المتعلم المغربي إلى مستوى الاعتراف بالآخر الذي على غير ديانته، واحترامه، وتقدير انتمائه الديني، والسعي إلى مشاركته في الحياة الاجتماعية على قاعدة المواطنة التي توحد الجميع.
5. "التربية الإسلامية" والاقليات غير المسلمة.
إن التربية الإسلامية، في امتداداتها الواسعة؛ في البيت، والمسجد، والمدرسة، والمعهد،... والتي يتوجس منها اليوم، المصابون بالعمى الأيديولوجي، ظلت دائما صمام الأمان ضد كل مظاهر التطرف، والتزمت، والانغلاق. كما لعبت دورا كبيرا، مع ظهور الصحوة الإسلامية، في ترسيخ معاني الإخاء، والحب، والتقدير للمخالف، والاحترام لأهل المعتقدات المخالفة. بحيث اهتمت كل البحوث، والعروض التي اشتغل عليها رجالات الصحوة الإسلامية، خريجي هذه التربية الإسلامية، في هذا الإطار، بالتأصيل لهذا التقدير والاختلاف من الشرع الإسلامي الحنفي، الوسطي. فلم يعامل أهل الديانات الاخرى إلا كمواطنين مغاربة، كاملي المواطنة، لهم نفس حقوق المواطنين المسلمين، وعليهم نفس الواجبات.
وقد جمع العلماء المعاصرون من أبناء الصحوة الإسلامية، استنادا إلى النصوص الشرعية، حقوق غير المسلمين في بلاد المسلمين، في أمور تُظهر المدى الحضاري الراقي الذي بلغته معاملة الإسلام للأقليات غير المسلمة التي تعيش بين ظهراني المسلمين، وهي أمور سبق بها الإسلامُ القوانينَ الغربية التي تنظم اليوم العلاقة بالأقليات المسلمة في الغرب ، بعدة قرون. نورد منها:
· عدم إكراه أحد منهم على ترك دينه أو إكراهه على عقيدة معينة.
· من حق أهل الكتاب أن يمارسوا شعائر دينهم ، فلا تهدم لهم كنيسة ولا يكسر لهم صليب.
· من حق زوجة المسلم الكتابية الذهاب إلى كنيستها أو معبدها.
· أباح الإسلام لهم كل ما أباحه دينهم من الطعام وغيره.
· ترك لهم الحرية في قضايا الزواج والطلاق والنفقة.
· الحماية من الاعتداء الخارجي، وذلك بمنع من يؤذيهم وفك أسرهم ، ودفع من قصدهم بالأذى .
· الحماية من الظلم الداخلي، أمر يوجبه الإسلام، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إليهم بأي عدوان. والحماية المقررة لهم تشمل حماية دمائهم وأنفسهم وأبدانهم، كما تضمن حماية أموالهم وأعراضهم.
· ويتوجب تأمينهم عند العجز و الشيخوخة والفقر.
· جعل الإسلام من حقهم تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلبت عليه الصفة الدينية كالإفتاء أو ما شابه...(1)
6. ختاما.. تخوف مشروع على عتبة المراجعة.
وأخيرا وليس آخرا، يجب أن ننبه على أن احترام المسلمين لأهل الديانات الاخرى، ومعتقداتهم وتربية الناشئة المغربية على هذا الاحترام، من خلال تعريفهم بحقوق هذه الأقليات، وحرمة دمائها، وأعراضها، وممتلكاتها؛ شيءٌ. والدعوة لحشر هذه المعتقدات و"الأديان" في صلب الموضوع التربوي، والتأسيس لمنهاج تربوي يوازي بين مختلف هذه "الأديان"، ويجعل من الدين الإسلامي دينا من الأديان، مع احتمالات النزوح عن تعاليمه لغيره؛ شيء آخر.
إذ التخوف الذي يمكن أن يشعر به كل أب مغربي مسلم، أو أم مغربية مسلمة، حينما يسمعون بعزم الوزارة الوصية على إحداث هذا التعديل في صلب إحدى مواد الهوية، هو أن يتم الترسيخ لمعتقد جديد لدى المغاربة يُشَرْعِنُ لإمكانية تغيير الدين، أو الأخذ من غير الدين الإسلامي، في مجالاتٍ، الاختلافُ بين الدين الإسلامي وسواه فيها، يعد جوهريا، ولا تقبل فيه أي مساومة أو تنازل، إذ تمثل الفيصل الفاصل بين الإيمان وعدمه.
وهي محاولات، لن يكون المغرب بدعا في اعتمادها؛ إذ سبقته إليها دول استجابت ل"لنصائح" الغربية، الأمريكية وسواها، وللنداءات العَلمانوية الداخلية، التي خاضت معاركها " الدنكوشوتية " ضد مدرسي هذه المادة تحت ذريعة مسؤوليتهم المعنوية في نشر الفكر المتطرف، وتخريج "الدواعش" والمتطرفين. ولقد اشتغلت هذه الدول، حينا من الدهر، على تعديل مناهج التربية الإسلامية، وتنقيتها من كل ما هو دين، وخلق، وأمجاد، وجهاد، ومعارك، وسيرة،...(2) وحولتها إلى هيكل بلا روح، واسم بلا معنى. غير أنها لم تستمر حتى عادت الشعوب إلى أصولها السمحة، واستمرت الحياة، وتخرجت أجيال وقد رمت وراء ظهرها منتوج هذا "الإصلاح" المفروض والمرفوض، الذي كلف الملايين دون جدوى ولا جودة..( فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض)[الرعد: 17].
دمتم على وطن..!!
(1) راجع مقالنا:" مفاهيم إسلامية ينبغي أن تصحح: "أهل الذمة": قراءة في المفهوم، واستنطاق للحقوق". المنشور بجريدة "الأيام" الاسبوعية (2003)، وبجريدة شتوكة بريس (2011).
(2) راجع مقالنا: هَلْ تَرْبِيَّتُنَا الدِّينِيَّةُ تُغَذِّي التَّطَرُّفَ وَالْإِرْهَابَ؟ . المنشور بموقع هيسبريس (2016).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.