شنوف يتباحث مع مسؤولين أردنيين    فضائح الأدوية تضع وزراء الصفقات الكبرى تحت المجهر    المنتخب المغربي النسوي U20 يهزم الأردن بثلاثية ويتأهل لنهائي اتحاد شمال إفريقيا    المهرجان الدولي للفيلم بمراكش: فيرجيني إيفيرا وكيارا ماستروياني تدعوان إلى سينما حرة ومتحررة من هاجس الربح المادي    بنكيران: حكومة العثماني كانت "معاقة" ولفتيت أصبح وزيرا لأنه "تدابز" مع "البيجيدي" وأخذوا منا حوالي 30 مقعدا    591 خرقًا إسرائيليًا لوقف النار في غزة    شوكي يهاجم : فوبيا اسمها التجمع الوطني للأحرار... والحزب يسير ولا يزحزحه أحد    نتنياهو يطلب العفو رسمياً من رئيس الدولة    البواري: إصلاحات أخنوش أنقذت الفلاحة والمغرب مقبل على طفرة مائية غير مسبوقة    تحويلات الجالية المقيمة بالخارج تسجل رقما قياسيا جديدا        رائحة كريهة تقود إلى 3 جثث بالسوالم    أخنوش: الحكومة لم تعد تكتفي بتدبير نقص المياه ولكنها تجد حلولا جذرية وطويلة المدى لتأمين الموارد    يوسف ميهري خارج حسابات المغرب في كأس العرب واسم لامع يشارك بدلًا منه!    صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد يترأس حفل عشاء أقامه جلالة الملك بمناسبة الافتتاح الرسمي للدورة 22 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش    أخنوش يكشف أرقامًا مبشرة حول الزيتون والدعم للفلاحين    توقعات بارتفاع حجم الاستثمارات الإسبانية في طنجة خلال منتدى مدريد المرتقب    بووانو يدعو للكف عن التشويش على "المنتخب" ويُطالب الجماهير بالتعبئة خلفه لتحقيق كأس افريقيا    انتخاب خالد العلمي الهوير كاتبا عاما جديدا للكونفدرالية الديمقراطية للشغل    عبد الرحمن الصناغي يُكرَّم بالدكتوراه الفخرية تقديراً لجهوده في تطوير التعاون الرياضي والثقافي بين الصين وإفريقيا    توقيف المعارضة التونسية شيماء عيسى تنفيذا لحكم ضدها بالسجن 20 عاما    بركة في أسبوع التضامن: المغرب ثابت في دعم فلسطين ورسالة الملك خارطة طريق لحل عادل ودائم    أخنوش من تيسة: مسار الإنجازات يقترب من المواطنين... و2026 سنة الحسم في بناء الدولة الاجتماعية    رحيمي يتوج بجائزة الأفضل أمام الشارقة    أكاديمية المملكة تنصب 7 أعضاء جدد    ثورة منتظرة في بث "الكان".. وكاميرات عنكبوتية بإشراف دولي غير مسبوق    االجامعة الوطنية للصحة تستنكر "الأزمة الخانقة" داخل الوكالة المغربية للأدوية وتحذّر من تهديد استقرار المنظومة الصحية    أخنوش: نجوب كل مناطق المغرب لنقترب من واقع المواطنين ونستمع لمتطلباتهم حتى نضمن لهم حياة أفضل    اختتام مهرجان الدوحة السينمائي 2025    في جلسة نقاشية حول بناء منظومة سينمائية إقليمية مستدامة تؤكد على أهمية تعزيز التعاون:    فيلم "الخرطوم" يثير شعوراً قوياً بالوحدة بين الجمهور السوداني في مهرجان الدوحة السينمائي    الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالمغرب تتجاوز 27 مليار درهم        النيابة العامة تُلزم بتحديد تاريخ ارتكاب الجريمة في أوامر الإيداع بالسجن    قافلة كان المغرب 2025 تنطلق في جولة من لندن في غياب تمثيلية مغربية        إدارية فاس تحدد تاريخ النطق بالحكم في طلب عزل رئيس جماعة تارجيست    ترامب يعلن إغلاق المجال الجوي الفنزويلي وكراكاس تندد: "هذا تهديد استعماري"    الصين/آسيان: إطلاق قاعدة للابتكار لتعزيز التعاون في الصناعات الناشئة    كاليفورنيا .. إطلاق نار يوقع قتلى ومصابين خلال حفل عائلي    أخنوش: تأمين الماء أولوية وطنية ومشروع الربط المائي أنقذ 12 مليون مغربي من العطش    اعتماد الزاهيدي: حزب الأحرار خلق دينامية غير لا يمكن المزايدة بشأنها    الجماعة الترابية للبئر الجديد تفنّد إشاعات عزل رئيسها وتؤكد استمرار عمله بشكل طبيعي    إحباط محاولة للهجرة السرية بجماعة أولاد غانم إقليم الجديدة بتنسيق أمني محكم    لقاء يناقش كتاب "إمارة المؤمنين"    إصابة سيدة بحروق في اندلاع حريق داخل شقة سكنية بطنجة بسبب تسرب غاز    مراكش تحتفي بأيقونة السينما الأمريكية جودي فوستر    جامعة غزة تخرج من تحت الأنقاض وتعيد طلابها إلى مقاعد الدراسة بعد عامين من حرب الإبادة (صور)    تحديد فترة التسجيل الإلكتروني لموسم حج 1448ه    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوفير علاج العقم بتكلفة معقولة ضمن أنظمة الصحة الوطنية    منظمة الصحة العالمية تنشر للمرة الأولى توجيهات لمكافحة العقم    المغرب .. 400 وفاة و990 إصابة جديدة بالسيدا سنويا    الأوقاف تكشف عن آجال التسجيل الإلكتروني لموسم الحج 1448ه    موسم حج 1448ه.. تحديد فترة التسجيل الإلكتروني من 8 إلى 19 دجنبر 2025    موسم حج 1448ه... تحديد فترة التسجيل الإلكتروني من 8 إلى 19 دجنبر 2025    بعد ‬تفشيها ‬في ‬إثيوبيا.. ‬حمى ‬ماربورغ ‬تثير ‬مخاوف ‬المغاربة..‬    علماء يكتشفون طريقة وقائية لإبطاء فقدان البصر المرتبط بالعمر    إصدار جديد من سلسلة تراث فجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسالة مفتوحة إلى السيد عمدة مدينة مراكش
نشر في هسبريس يوم 27 - 05 - 2018


جنان الحارثي في كليته إرث معنوي
السَّيِّدُ عُمْدَةُ مَرَّاكِش, سَلَامُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ تَعَالَى وَبَعْدُ. بِلغَنِي، كَكُلٍّ المُراكُشِيين, خَبَرُ القَرَارِ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْمَجْلِسُ الجَمَاعِيُّ لِمَدِينَة مَرَّاكِش فِي دَوْرَة أَبْرِيلَ المَاضِي, وَالقَاضِي بِتَحْوِيلِ جُزْءٍ مِنْ جَنَانِ الحارثي إِلَى خَوَاصّ، وَلَعَلَّكُمْ سَيِّدِي، لَا تَعْرِفُونَ تَارِيخَ هَذَا المكَانِ. فَقَدْ أُقيَمَ مُنْذُ الْوُجودِ الفَرَنْسِيِّ لِيَكُونَ مُتَنَفَّسًا لِأَبْنَاء مَدِينَة مَرَّاكِش، وَمَكَانًا لِبَعْضِ دُورِ الثَّقَافَةِ فِيهَا، فَفِيه كَانَتْ قَاعَةٌ لِلمُحَاضَرَاتِ كُبْرَى تُعْرَفُ بِقَاعَةِ الزُّجَاجِ، وَفِي هَذِهِ القَاعَةِ أُلْقِيَتْ أَهَمُّ المُحَاضَرَاتِ لِكِبَارِ عُلَمَاء وَأُدَبَاءِ المَغْرِبِ وَزُوَّارِ المَغْرِبِ, وَظَلَّتْ تَشْهَدُ نَشَاطًا معرفيًا حَتَّى السَّبْعِينَاتِ. وَفِي هَذَا المكَانِ كَانَ الَمعْهَدُ المُوسِيقِيُّ الَّذِي تَخَرَّجَ مِنْهُ كِبَار مُوسِيقِيِّي المَغْرِبِ, مِثْلَ عَبْد الله عِصَامِي والميسترو أَحْمَد عَوَاطِف. وَفِيهُ شَهِدَ المسْرَحُ فَتْرَةً مِنْ أَجْمَلِ فَتَرَاتِهِ. وَفِيه كَانَتْ حَدِيقَةُ حَيْوَانٍ أَمْتَعْتَ أَطْفَالَ مَرَّاكِش حَتَّى بُعَيْدَ عَهْدِ الاِسْتِقْلَالِ. وَكَانَ جَنَانُ الحارثي قِبْلَةً لِتَلَامِيذِ مَرَّاكِش وَآسْفِي وَالصّوِيرَة وَمَا بَيْنَ هَذِهِ المُدُن, مِمَّنْ كَانَ يَدْرُسُ فِي ثَانَوِيَّاتِ مَرَّاكِش، حَيْثُ كَانَ ملتقىَ مُرَاجِعَاتِهِمْ وَحِفْظِهمْ وَاِسْتِرَاحَة مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَاخِلِيَّاتِ الثَّانَوِيَّاتِ، أيَّامَ عُطَلِهِم، كَثَانَوِيَّةِ الحَسَنِ الثَّانِي (ليسِي تكْنيك), وَاِبْن عبَّاد (ليسِي مُنْجانْ) وَمُحَمَّد الخَامِس (ليسِي سَيِّدَي مُحَمَّدٍ). بَلْ كَانَ الحارثي مُتْعَةً لِكُلٍّ المراكشيين فِي أَيَّامِ الجُمَعِ، عِنْدَمَا كَانَ جَوْقُ الحَرَس المَلَكِيّ يَمْلَأُ فَضاءاتِ عَشِيَّات هَذِهِ الجُمَعِ يُمْتِعُ أَبْنَاء المَدِينَةِ. وَكَانَ الحارثي بِصِفَةٍ عَامَّة، مَكَانَ المعْرِضِ السَّنَوِيّ الَّذِي يَشْهَدُ حَرَكَةً تِجَارِيَّةً مُرَوِّجَةً. وَكَانَ هَذَا جُزْءًا مِنْ نَشَاطِهِ, غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ الوَجْهَ السَّيِّئ فِيه فِي اعتِقَادي.
مِنْ المَعْرُوفِ السَّيِّدُ العُمْدَةُ، أَنَّ الدُّوَلَ الرَّاقِيَةَ تُحَوِّلُ الأَسْوَاقَ إِلَى فَضَاءاتِ فِكْرٍ لَا فضاءات فِكْرٍ إِلَى أَسْوَاقٍ, وَأَنْتُمْ رَجُلُ التَّعْلِيمِ تَعْرِفُونَ هَذَا، أَوْ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفُوهُ.. بِنَاءً عَلَيْهِ، وَهُنَا أَتَحَدَّثُ بِاسْمِي الخَاصّ, فَ"الحارثي" كَانَ مدرَسَتي الكُبْرَى, فَفِيه قَرَأْتُ كُلَّ مَا قَرَأْتُ, وَبِهَذِهِ الصِّفَةِ أُخَاطِبُكُمْ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِذَا حَوَّلْتُمْ جُزْءًا مِنْ هَذِهِ المَعْلَمَةِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ أَصْلِهِ، فَإِنَّكُمْ سَتَسْلُبُونَنِي حَقًّا كُنْتُ قَدْ استَرْدَدْتُهُ بِأَمْرِ يَدٍ تُمَثِّلُ السُّلْطَةَ وَفَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِاِسْمِ الحَقِّ وَالقَانُونِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ وَرَاءَ هَذَا الحَقِّ كَاتِبٌ. وما أثْبَتَتْهُ سُلْطَةٌ بالقَانون لا يُمْكِنُ أنْ يُزيلَهُ اجْتِماعٌ النَّاظِرون فيه يَجْهَلونَ تاريخَ الحارثي وما يَعْنِيه مَفْهُومُ "التُّراث المَعْنَوِي". لَعَلَّكُمْ سَيِّدِي تُرِيدُونَ أَنْ تَفْهَمُوا مَا أَقُولُ، وَأَلْحَقُّ فِي ذَلِكَ لكُمْ, فَأَعِيرُونِي سَمْعَكُمْ:
بَعْدَ مَا كَانَ عَلَيْهِ جَنَانُ الحارثي مِمَّا وَصْفَتُ, تَعَرَّضَ فِي العُقُودِ السَّابِع وَالثَّامِن وَحَتَّى التَّاسِعِ مِنْ القِرْنِ السَّابِق، إِلَى إِهْمَالٍ بَلِيغ، فَخُرِّبَ كُلُّ مَا كَانَ فِيه جَمِيلًا، وَأَصْبَحَتْ قَاعَةُ الزُّجَاجِ وَالمَعْهَدُ المُوسِيقِيُّ وَحَدِيقَةُ الحَيَوَانِ خَرَابًا يبابًا، وَأصْبَح الحارثي مَجْمعًا لِلقمَامَةِ, وَمُلْتَقى الشَّوَاذ، وَاقْتَسَمَ أَطْرَافَهُ لَاعِبُو الوَرَقِ وَ"الضّاما" وَمنْ لَا حَاجَة لَهُ.. هَذَا مَا وَجَدْتُ عَلَيْهِ حَالَ الحارثي عِنْدَمَا أَخَذْتُ اِبْنِي إِلَيْه, أُرِيدُ أَنْ أُطْلِعَهُ عَلَى المَعاهِدِ الَّتِي ترَبَّى فِيهَا أَبُوهُ وجِيلُ أَبِيهِ. أَقُولُ لَكُم الحَقَّ, لَقَدْ بَكَيْتُ, وَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَكَتَبْتُ المَقَالَةَ الَّتِي أَضَعُهَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ. تَقُولُونَ: وَبَعْدُ؟
وَبَعْدُ، كَتَبْتُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَبْكِيى الحارثيَ بِ "دَمْعَةِ الكَاتِبِ" وَنُشِرَتْ المَقَالَةُ وَلَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ. صَدرَ كِتَابِي "اِبْن رُشْد وَالفِكْرُ العِبْرِيُّ الوَسِيطُ" سَنَة 1999 - وَلَعَلَّ اِبْنَ رُشْد مَرَّ مِنْ هَذَا الَمكَانِ لَمَّا كَانَتْ مَرَّاكِش زينَةَ الدُّنْيَا وَكَان القَائِمُونَ عَلَيْهَا منْ سَادَة الفِكْرِ، هَذَا مَوْضُوعٌ آخَرُ – أَقُولُ: صَدرَ كِتَابِي, وَاتَّصلَ بِي أَحَدُ أَصْدِقَائي كَانَ مِنْ مَعَارِف السيِّد وَاليّ مَرَّاكِش إِذْ ذَاكَ: السَّيِّد أَحْمَد أَمْجَاد، وَطَلَبَ مِنِّي نُسْخَةً مِنْ الكِتَابِ لِلسَّيِّدِ الوَالِي, قَلَتْ لِصَاحِبِي: خَذهَا لَهُ, قَالَ لِي: إِنَّ السَّيِّدَ الوَالِي يُرِيدُ رُؤْيَتكَ, قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ مِنْ عَادَتِي أَنْ أَزُورَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ النَّاس وَهُم فِي مَهَامِّهِمْ. قَالَ لِي: إِنَّ الرَّجُلَ مُثَقَّفٌ قَارِئٌ جَيِّدٌ, وَقَرَأَ بَعْضًا مِمَّا كَتَبْتَ, وَيُرِيدُ الحَدِيثَ مَعَكَ فِيه. أَلَحَّ صَاحِبِي، وَعِنْدَهَا بَرَقْتْ فِي ذِهْني فِكْرَةٌ. إِنَّ السَّيِّدَ الوَالِي صَاحَبُ الأَمْرِ فِي مَرَّاكِش, وَكَتَبْتُ مَقَالًا أَبْكِي فِيه "الحارثي" لَمْ يَجِدْ أُذْنًا صَاغِيَةً، فَلِمَاذَا لَا أُحَاوِرُ السَّيِّدَ الوَالِي الذِي أُهْدِيه كتابَ ابن رُشْدٍ، فِي شَأْنِ مَدِينَة أَكْبَر مَشَارِيعِ اِبْن رُشْدٍ الفِكْرِيَّة الفَلْسَفِيَّة: "شروح أرسطو". وَقَدْ كَانَ الفَيْلَسُوفُ رَحِمَهُ الله, لَا يَتْرُكُ مِثْلَ هَذِهِ المُنَاسَبَات لِقَضَاءِ مَصَالِحِ أَهْلِ بَلَدِهِ, قَالَ فِيهُ عَبْدُ الوَاحِدِ المراكشي: "تَأَثَّلْتْ لَهُ [ اِبْنُ رُشْدٍ ] عِنْدَ المُلُوكِ وَجَاهَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَصْرِفْهَا فِي تَرْقِيعٍ حَالٍ وَلَا جَمْعِ مَالٍ، إِنَّمَا قَصَرهَا عَلَى مَصَالِحِ أَهْلِ بَلَدِهِ خَاصَّةً وَمَنَافِع النَّاسِ عَامَّةً". سَيْراً على نَهْجِ مَنْ تَتَلْمَذْتُ عَلَيْه، قَبِلَتُ زِيَارَةَ الوَالِي وَأَنَا "لَا أُرِيدُ تَرْقِيعَ حَالٍ وَلَا جَمْعِ مَالٍ"، بَلْ أَرَدْتُ مَصْلَحَةَ بَلَدِي, كَمَا كَانَ يَفْعَلُ اِبْنُ رُشْدٍ, وَحَمَلَتُ نُسْخَة مِنْ مَقَالِي "جِنَانُ الحارثي دَمْعَة فِي عَيْنِ الكَاتِبِ" وَزُرْتُ الواليَّ. الحَقُّ يُقَالُ، إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ عَلَى مَعْرِفَةٍ جَيِّدَة بِحَضَارَةِ الأَنْدَلُسِ وَتَارِيخ فِكْرِها. وَأَخَذَ بِنَا الحَدِيثُ شِعَابَهُ ووِهادَهُ, حَتَّى مَرَّ مِنْ الوَقْتِ وَقَّتٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَ المَسْئُولِيَّاتِ يَجُودُونَ بِمِثْلِهِ. اِنْتَهَى الحَدِيثُ, وَوَقَفْتُ لِأُودِعَ, وَقَبْلَ أَنْ أَضَعَ نُسْخَةً مِن الَمقَالَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَبْعَدَنِي السَّيِّدُ الوَالِي عَنْ مُرَافِقِي وَسَأَلَ: "ألسِّي أَحْمَد أَشْ خَصّ الخَاطَرْ"، فَاجَأَنِي السُّؤَالُ, وَبِسُرْعَةٍ اِمْتَدَّتْ يَدِي وَكَأَنَهَا تَرْتَعِدُ إِلَى نُسْخَةِ مَقَالِي وَقُلْتَ لَهُ: "أَرْجُو أَنْ تَقْرَأَ هَذَا المَقَالَ السَّيِّد الوالي، هَذَا هُوَّ اِللِّي تَيْخصْني جَزاكَ اللهُ خَيْراً". أرْجَعَنِي إِلَى المَكْتَبِ, وَألْقَى نَظْرَةً عَلَى المَقَالِ، وَرَفع الهَاتِفَ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَ شَخْصًا ثُمَّ وَضَعَهُ. قَالَ لِي: "سَأَنْظُرُ فِي الأَمْرِ". لَمْ يَمُرَّ مِنْ الوَقْتِ إِلَّا قَلِيلٌ, حَتَّى أَخْبرنِي صَاحِبِي بِأَنَّ السَّيِّد الوَالِي "حَرَّرَ" الحارثي مِنْ" مُسْتَعْمِرِيهِ" وَأَنَّ إِصْلَاحَاتهُ سَتَبْدَأُ... عَادَ للحارثي رواؤُه وَجَمَالُه, وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ بَرْنَامَجِ السَّيِّدِ الوَالِي أَنْ يُعِيدَ لِقَاعَةِ الزُّجَاجِ وَالمَعْهَدِ المُوسِيقِي سَالِفَ عَهْدِهِما لَوْلَا اِنْقِضَاء مَأْمُورِيَّتِهِ فِي مَرَّاكِش..
مَا كُنْتُ فِي يَوْمٍ مِنْ الأَيَّامِ، سَيِّدِي العُمْدَةُ, أُفَكِّرُ فِي أَن أَرْوي هَذَا الأَمْرَ لِلنَّاسِ كَافَّة, فَقَدْ كَانَ مِنْ خَاصَّتِي, غَيْرَ أَنْ مَا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الحارثي, جَعَلَنِي أَتَخَلَّى عَنْ خُصُوصِيَّاتِي لِأُدَافِعَ عَنْ حَقٍّ, وَهَذِهِ هِيَ آلِيَّاتُ دِفَاعِي عَنْ مَا اسْتَرْجَعْتُهُ بِوَصْفِي كَاتِبًا حَيْثُ وَقَّعَتْ المَقَالَة بِقَولِي "مَا ضَاعَ حَقٌّ وَرَاءَهُ كَاتِبٌ". أَيَحِقُّ لِأُسْتَاذٍ وَهُوَ صَاحِبُ عَقِيدَةٍ، أَنْ يَنْزِعَ منْ شَخْصٍ ملْكًا عَامًا دَافَعَ عَنْهُ بِقَلَمِهِ الخَاصِّ لِيُرْجِعَهُ إِلَى أَجْيَالٍ مِنْ أَبْنَاءِ مَرَّاكِش, أَنَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ, وَالجُلُّ مِنْهُمْ كَانَ بِفَضْل مَا قَرَأَ فِي الحارثي، يَشْغَلُ مَنَاصِبَ كُبْرَى فِي الدَّوْلَةِ أَوْ لَا يَزَالُ؟ سَيَكُونُ عَارًا عَلَى صَاحِبِ عَقِيدَةٍ أُسْتَاذٍ أَنْ "يَبِيعَ" جُزْءًا مِنْ هَذَا الصَّرْحِ الجَمِيل إِلَى خَوَاصّ, يُتاجِرُونَ فِيه بِمُقْتَضى مَا تَجْرِي عَلَيه قَوَاعِدُ التِّجَارَةِ، سَيَكُونُ مِنْ العَارِ، أَنْ يُكَدِّرَ صَفْوَ هَذَا الفَضَاءِ الّذِي يَحْمِلُ إِلَيْهُ طِفْلٌ أَوْ شَابٌّ, كَمَا فَعْلَتُ وَفَعَلَتْ أَجْيَالٌ مِثْلِي، كِتَابًا لِيَقْرَأْهُ فِي هُدُوءٍ، فَيَجِد نَفْسَهُ بِين رَفْس القُدُومِ وغَمْغَماتِ الْهَوامِّ وَفَرِّ وَكَرٍّ الشَّاحِنَاتِ مُحَمِّلَاتٍ بِالشَّايِ والإبْزارٍ شَىأْنَ "لَبِّسْرِياتْ". سَيَكُونُ عَارًا عَلَى صَاحِبِ عَقِيدَةٍ أُسْتَاذٍ، أَنْ يُحَوِّلَ فَضَاء هُوَ أَوْلَى بِالفِكْرِ والتَّدَبُّرِ لِيُصْبِحَ سُوقًا. لَا نُرِيدُ أَيُّهَا السَّيِّد, أَنْ يُصْبِحَ الأُسْتَاذُ الَّذِي يَبْنِي النُّفُوسَ وَالعُقُولَ, مُقَاوِلًا يُلَوِّثُ لِبَاسَهُ الأَنِيقَ بِسَقَطِ "السِّيمَا" وَبُرادَةِ الحَدِيدِ. نُرِيدُ مِنْ الأُسْتَاذِ أَنْ يُتَمِّمَ مَا فَعله رَجُلُ قَانُونٍ عِنْدَمَا أَعَادَ رُوَاءَ الحارثي إِلَيْه, فَيُتمِّمَ المبْدوءَ, بِأَنْ يُعِيدَ بِنَاء قَاعَةِ الزُّجَاجِ, وَقَدْ شَهِدْت أَيَّامَ فَرَنْسَا وَبُعَيْدَ الاِسْتِقْلَالِ مِنْ أَعْرَاسِ الثَّقَافَةِ مَا شَهِدتْ, وَهِيَ بِهَذَا اِرْثٌ لَنا لَا حَقّ لِأَحَدٍ فِي تَكدير صَفْوِه, فَيَكُونُ لكُمْ الفَضْلُ فِي إحْيَاء مَوَاتِها. نُرِيدُ مِنْ الأُسْتَاذِ صَاحِب العَقِيدَةِ، أَنْ يُعِيدَ بِنَاء مَعْهَدِ المُوسِيقَى, لِتُرَبَّى الأَنْفُسُ عَلَى التَّقْوَى وَالعَدْلِ وَرِفْعَةِ الهِمَّةِ، فَيَكُون لكُمْ الفَضْلُ فِي تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، لَا أَنْ يُهَدِّمَ هَذَا الْمَعْلَمَ لِيُصْبِحَ "مَقْهًى" تُحْتَسىَي فِيهُ كُؤُوسُ الشَّايِ واللهُ أعلم ماذَا. نُرِيدُ للحارثي أَنْ يَعُودَ لما كَانَ عَلَيْهِ، حَيْثُ تَفَّيَأه تَلَامِذَةُ ثَانَوِيَّاتٍ مِنْ أَرْباضِ مَرَّاكِش وَنَوَاحِيهَا, بَعْد عَيَاءٍ مِنْ طُقُوسِ دَاخِلِيَّات الثَّانَوِيَّاتِ، وَالأَوْلَى أَنْ تَشْعُروا أَنْتُم بِالضَبْطِ بِهَذَا الأَمْرِ.. السَّيِّدُ العُمْدَةُ, لَا يَحِقُّ لكُمْ أَنْ تَنْزِعُوا مِنِّي وَمِنْ أَبْنَاءِ مَرَّاكِش، مِنْ جيليَ وَمِمَّنْ هُم قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ, حَقَّنا هَذَا، فَقَدْ اِسْتَرْجَعْتُهُ بِقَلَمِي وَبِحَقِّ أَبْنَاءِ مَرَّاكِش مِنْ جِيلِي. وَبَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ شَرَفُ الأسْتاذِيَّة وَحَقُّ القَلَمِ وَوَاجِبُ اِحْتِرَامٍ مَا اسْتَرَّدهُ مَنْ هَمَّهُمْ أَمْرُ مرَّاكِش. سَيِّدِي لَا تَقُولُوا هَذَا شَأْنٌ ثَقَافِيٌّ فَهُوَ "مَتْحَفٌ". فَبِمُجَرَّدٍ مَا يُصْبِحُ فِي الأَمْرِ بَيْعٌ وَشِرَاءٌ للشَّايِ والتوَابِلِ فَإِنَّهُ "سُيبير مَا رَشِّي super marché" لَا عَلَاقَة لَهُ بِالثَّقَافَةِ. فَلتَفْتَحُوا هَذَا "المَتْحَفَ" فِي مَكَان آخَرَ بَعِيدًا عَنْ جَنَانِ الحارثي، وَلَا أَحَدَ مِنْ أَمْثَالِي يَتَدَخَّلُ فِي شَأْنِكُمْ، إِذَا اِبْتَعَدْتُمْ عَنْ صِفَتِكُمْ أُسْتَاذًا يُرَبِّي النُّفُوسَ وَصِرْتُمْ إِنْسَانًا يَهْتَمُّ بِتَنْمِيَةِ الفُلُوسِ. إِنَّ أَصْحَابَ المَشْرُوعِ حَرَّفُوا "مَفْهُومَ التُّرَاثِ المَعْنَوِيّ" عَنْ مَوَاضِعِهِ، إِذْ أَرَادُوا زَوَالَ رَمَزِيَّةِ المَعْهَدِ المُوسِيقِي الْعَتِيد والحارثي العَرِيقِ، وهو تُرَاثٌ مَعْنَوِيٌّ، بِبِنَاءِ إسْمَنْتِيٍّ حَدِيدِيٍ يُصْبِحُ مَقْهًى لِلشَّايِ أَوْ لِمَا شَاءَ اللهُ. أَيُّ تُرَاثٍ مَعْنَوِيٍّ هَذَا؟ إِنْ مَا يُفْهَمُ مِنْ تَصَوُّرِ أَصْحَابِ المَشْرُوعِ, هُوَ مَتْجَرٌ كَبِيرٌ لِلبَيْعِ وَالشِّرَاءِ, وَمَا يُفْهَم مِنْ مُوَافَقَة المُوَافِقِينَ علَى المَشْروع، وَقَدْ وَضَعْنَا فِيهِمْ ثِقَثَنَا, هُوَ كَيْفَ تُقَسَّمُ المَدَاخِلُ؟ ثُمَّ وَالعَجَبُ هُنَا، مَنْ نَحْنُ فِي صُنَّاعِ الشَّايِ حَتَّى تَلَْبسنَا الْحَمَيَّةُ فَنَبْنِي لَهُ مَتْحَفًا؟ أَلَيْسَتْ الصِّينُ أُولَى مِنَّا بذَلِكَ وفي أرْضِها لا أَرضِ الحارثي؟ أوْ عَلَيْنَا أَنْ نَتْرُكَ الصِّينَ تُقِيمُ المَعَاهِدَ المُوسِيقِيَّةَ فَلَا رِبْحَ فِيهَا كَما تَرَى ذلكِ خِبْرَةُ القَائِمِين على المشْروعِ الطَّويلَةُ في مَجَالِ تَسْويقِ الشَّاي" وَنَبْنِي نَحْنُ الأَسْمَنْتَ وَالحَدِيدَ بِاسْمِ التُّراثِ المَعْنَوِيّ؟ يا أصْحابَ المَشْروع، إذا أَرَدْتُم الحِفَاظَ عَلَى التُّراثِ المَعْنَوي، فَجَدِّدوا الَمعْهَدَ المُوسِيقِيّ وَخَصِّصوا جناحاً منه للشَّاي بالمجان. لاَ حَقَّ لِمَنْ لا يَمْلِكُ، أنْ يُعْطِيَّ لِمَنْ لا يَسْتَحِقُّ.
هَدَانَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ إِلَى مَا فِيهُ خَيْرُ الأُمَّةِ وَتَنْقِيَةُ النُّفُوسِ, وَمِنْ اِبْنٍ القَاضِي يَتَحَقَّقُ العَدْلُ وَالقَضَاءُ، إذا كَانَتِ الدُّنْيَا علَى حالها... وَسَتَقْرَؤُونَ مَقَالِيَ "جِنَانِ الحارثي دَمْعَة فِي عَيْنِ الكَاتِبِ" غَدًا بِحَوْلِ اللهِ..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.