حجز 17 ألفا و586 قرصا مهلوسا وتوقيف أربعة أشخاص    تعادل مثير بين الوداد والدفاع الجديدي في مؤجل الجولة 11    حجز أزيد من 17 ألف قرص مهلوس وتوقيف أربعة أشخاص في عملية أمنية بمراكش    حين تحكم الجراح... السياسة في مرآة المشاعر    رواد "أرتيميس" يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها البشر في الفضاء    القاهرة تحسم موقفها لصالح الرباط: دعم مصري صريح لمغربية الصحراء يربك حسابات الجزائر ويعزز التفوق الدبلوماسي المغربي    ميناء طانطان.. تفريغ 3300 طن من سمك السردين خلال عشرة أيام بقيمة 12 مليون درهم    السعدي يعطي انطلاقة استغلال مجمع الصناعة التقليدية بجماعة تمصلوحت بإقليم الحوز    مهنيو الصحة التجمعيون: استكمال تأهيل المراكز الصحية "إنجاز استراتيجي" يخدم السيادة الوطنية    مصر تؤكد دعمها للوحدة الترابية للمملكة وتأييدها لقرار مجلس الأمن الأخير بشأن الصحراء المغربية    ناصر بوريطة يجري مباحثات مع وزير الخارجية المصري    مصر تشيد بدور جلالة الملك، رئيس لجنة القدس، في دعم القضية الفلسطينية وبالمبادرات الملكية على المستوى الإفريقي    استنفار أمني بشفشاون بعد العثور على جثة قرب "راس الماء"    تقلبات جوية وأمطار مرتقبة بالريف مع انخفاض في درجات الحرارة    أكدت جمهورية مصر العربية، اليوم الاثنين بالقاهرة، دعمها للوحدة الترابية للمملكة المغربية، وتأييدها لقرار مجلس الأمن 2797 ولحل سياسي متوافق بشأنه بخصوص قضية الصحراء المغربية.        إيران ترفض مقترح الهدنة الأمريكي وتطرح شروطها    رئيس وزراء مصر: العلاقات مع المغرب تستند إلى أسس تاريخية وثقة متبادلة    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها بأداء إيجابي    "الكونفدرالية": جولة أبريل قد تهدد الاستقرار الاجتماعي ما لم تقر زيادة في الأجور وتستجب للانتظارات    المنتخب المغربي ينهي بطولة شمال إفريقيا لأقل من 17 سنة بالعلامة الكاملة    القسم الثاني.. وداد تمارة تخطف الصدارة من "الماط" وضغط متزايد في القاع    ترامب: الثلاثاء هو الموعد النهائي لإيران    بنسعيد يوقع اتفاقيات تعاون مع مصر    "دروب وفجوات": ندوة تكريمية وإصدار جماعي يحتفي بالعطاء الفكري لعبد السلام بنعبد العالي    الحكومة تتجه لضبط سوق الأدوية بتشديد العقوبات بغرامات تصل إلى 100 مليون سنتيم    طهران تعرض مقترحات لإنهاء الصراع    برنامج "رحلة إصرار" يعيد أسماء ابن الفاسي إلى القناة الأولى بصيغة إنسانية    وزارة الصحة تُطلق الحملة الوطنية للتواصل من أجل تعزيز صحة وتغذية المرأة الحامل والمرضعة    السينما الموريتانية ضيف شرف مهرجان تافسوت بتافراوت    "البيجيدي" يدعو لمراقبة صارمة للأسواق خاصة في قطاع المحروقات وإعادة تشغيل "سامير"    في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب الإنسان    السنغال ترفض خسارة "كان المغرب"    دوري أبطال أوروبا.. مواجهات حارقة في ذهاب ربع النهائي    الصحراء مغربية بشرعية التاريخ والقانون والانتماء ومصيرها ليس مرتبطا بالمينورسو    "التوجه الديموقراطي" تدين منع تجديد مكتبها الإقليمي بإنزكان وتعتبره "خرقا سافرا" للحريات النقابية    المجلس ‬الاقتصادي ‬والاجتماعي ‬يحذر ‬من ‬هشاشة ‬المسالك ‬الغابوية ‬بالمغرب ‬ويدعو ‬لصيانة ‬مستدامة    الحرس الثوري ينعى العميد خادمي    رغم الإصابة... محمد ياسين سليم يصعد إلى منصة التتويج ويقود شباب العرائش للتألق في إقصائيات التايكواندو الوطنية    صراع ناري في افتتاح ماراطون الرمال    دعوات لمسيرة حاشدة بالرباط للتنديد بإغلاق مسجد الأقصى وكنيسة القيامة    خطر إغلاق مراكز النداء وتسريح المستخدمين... نقابة تحذر من أزمة اجتماعية وشيكة    المصادقة ‬على ‬44 ‬مشروعا ‬بقيمة ‬إجمالية ‬تفوق ‬86 ‬مليار ‬درهم ‬ستمكن ‬من ‬إحداث ‬حوالي ‬20.‬500 ‬منصب ‬شغل ‬    فاجعة بمشرع بلقصيري.. غرق تلميذين بوادي سبو يهز الرأي العام المحلي    توقيف سائق متورط في حادثة سير مميتة راح ضحيتها طفل قرب ملعب طنجة الكبير بعد فراره    اتحاد طنجة لكرة اليد يختتم البطولة بلا هزيمة ويعبر إلى الدوري المصغر حلمًا بالصعود    "فسيفساء العالم" بالرباط: جامعة محمد الخامس تحتفي بتعدد الثقافات وتحوّل الحرم الجامعي إلى فضاء للحوار الكوني    في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!    تفاعل واسع مع وفاة شوقي السدوسي وإجماع على خصاله الإنسانية        بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التاريخ المحاصر 21 .. مشاريع سياسية لبناء الدولة المستقلة
نشر في هسبريس يوم 06 - 06 - 2018

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.
هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.
الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.
الحاقة 21
اختلاف المشاريع السياسية لبناء الدولة المستقلة
توقفنا في الحلقة السابقة عند دعوة العروي إلى استحضار آراء الحكيمين عبد الكريم وعلال الفاسي. لكننا نعتقد أن ما اعتبره العروي كلاما متقطعا للخطابي قد لا يبدو كذلك لمن يمعن فيه النظر من موقع آخر. فالخلاف المركزي بين القادة السياسيين والخطابي كان قبل كل شيء حول منظورهما إلى الاستقلال الوطني؛ فأولئك الذين شدوا الرحال إلى إكس ليبان مهرولين للحصول على حصتهم في المغرب المقطّع الأوصال، لم يكن لهم أي برنامج سياسي واضح المعالم والأهداف، كما أكد السيد الغالي العراقي في مذكراته، حين ذكر أن مجموعة تطوان، التي كانت تهيء لانطلاق جيش التحرير، استقبلت السيد المهدي بن بركة، قبل أن يتوجه إلى مفاوضات إكس ليبان، ولم تجد لديه أي مشروع سياسي يمكن طرحه على الجانب الفرنسي، بل اكتفى بالقول: «إن مطلب جماعة المفاوضين ينحصر في حماية أظهرهم، حتى يطمئنوا لمساندتكم ودعمكم.»
ومن جهة أخرى تؤكد شهادة المفاوض الفرنسي الرئيس، في مفاوضات إكس ليبان، ما ذهب إليه الغالي العراقي، من كون المفاوضين المغاربة لم يكن لديهم أي مشروع سياسي متكامل الأركان والأبعاد، أثناء استقبالهم من قبل الفرنسيين المفاوضين لهم؛ إذ يبدو أنهم ذهبوا إلى هناك لا للتفاوض حول الاستقلال، وإنما للحصول على اعتراف فرنسا برغبتهم في الاستقلال، ليس إلاّ. فقد نقل السيد إدغار فور(Edgard Faure) عن تقرير للوزير Pierre July، الوزير الكلف بالشؤون المغربية والتونسية قوله: «يبدو أن الوطنيين أكثر انشغالا بأن تعترف فرنسا رسميا برغبة المغاربة في الاستقلال، أكثر من اهتمامهم بأن تمنحهم إياه فورا». ويؤيد إدغار فور ما جاء في تقرير بيير جولي بما أبلغه إياه السيد عبد الرحيم بوعبيد، العضو البارز في وفد حزب الاستقلال إلى إكس ليبان، ومفاده «أن قادة جيش التحرير مصرون على القيام بتمرد عسكري منسق، يشمل مجموع البلاد المغربية الجزائرية، وأن الوطنيين المؤيدِين لفرنسا والأوفياء لمحمد الخامس وحدهم من يستطيع إيقاف تلك الدسائس الآن. وإذا تأخر الأمر بضعة أشهر دون تحرك سيكون الوقت قد فات. وسيشتعل المغرب العربي حربا.» ثم أضاف: «يمكننا أن نؤخر لبضع سنين استقلال المغرب بناء على اتفاق معقول بيننا (فرنسا) وبين السلطان الشرعي؛ غير أنه إذا تأخرنا في ذلك سيكون الوقت قد فات حتى لو قدمنا كل شيء لمحمد الخامس»، إلى أن قال: «إن عبد الرحيم بوعبيد لم يخف عني وجود تيارات متعددة بين المجموعات الوطنية ليس لها توجه عسكري، فإذا تحركنا بسرعة ستلتف تلك التيارات حول محمد الخامس، فيصبح ساعتها تحييد وعزل المحاربين الثوريين أمرا ممكنا.»
في واقع الأمر شارك هؤلاء "الوطنيون" بقوة في عزل الثوريين وقطع الطريق على جيش التحرير وعلى عبد الكريم الخطابي. وقد حاول الفقيه البصري استعادة مجريات الأحداث، بعد انقضاء نصف قرن من الزمن عن تلك المرحلة الخطيرة من التاريخ السياسي للمغرب، فأوضح أن اتفاقا عقد بين الأحزاب والملك محمد الخامس في باريس، بعد رجوع هذا الأخير من منفاه بمدغشقر، وكان هدفه «محاصرة المقاومة وجيش التحرير، وقطع الطريق على عبد الكريم الخطابي.»
لكن لماذا اتخذت العلاقة بين الخطابي وبين قادة حزب الاستقلال هذا المنحنى الذي أثر سلبا على المغرب، وهو يستعيد استقلاله ودوره في التاريخ، ويتلمس طريقه لبناء مستقبله السياسي؟ هل تعلق الأمر بصراع الأجيال السياسية كما قال المؤرخ زنيبر؟ أم أن التباعد حدث منذ أن قرر القادة " الوطنيون"، المنتمون إلى برجوازية المدن التقليدية، أن يبنوا "وطنيتهم" على أرضية مخالفة تمام الاختلاف لأرضية حركة الخطابي الوطنية، ذات الأصول البدوية، كما أشار إلى ذلك عبد الله العروي؟ أو أن المسالة لم تكن إلا ترجمة لنوايا وأهداف الزعيمين علال الفاسي والحبيب بورقيبة اللذين صرحا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، بأنهما كانا بحاجة إلى شهرة الخطابي في العالم وليس إلى خططه، لكون أن عملهما السياسي عمل شرعي ودستوري مخالف تماما لما قام ويقوم به الخطابي؟ أم أن تعميق الخلاف إلى درجة القطيعة والعداء كان استجابة لما سماه عبد الرحيم بوعبيد، كما ورد على لسان إدغار فور، حين نبهه إلى أمرين في غاية الخطورة على الوجود الاستعماري، أولهما، نصيحته لإدغار فور بقوله: «انتبهوا إلى البادية التي تعتقدون أنها منضبطة بالكامل، سيكون من الصعب ضبط الغرائز هناك، إن رد فعل الفلاجا ، الذي خبرتموه في تونس، سيكون أهون مما سيقوم به رجال البادية، أولئك الفرسان المهرة البدائيين»!!! وثانيهما، حثه على التعاون مع «الوطنيين المؤيدين لفرنسا والأوفياء لمحمد الخامس، (لأنهم) هم وحدهم من يستطيع إيقاف تلك الدسائس»، أي الأعمال الفدائية في المدن وتهيئة انطلاق جيش التحرير في جبال الريف.
والظاهر أن دلالة عبارتي " الوطنيين" و" الوطنية "، كما جاءت على لسان السيد بوعبيد، لم تكن زلة لسان، أو وليدة تحايل سياسي ظرفي؛ فالسيد بوعبيد الذي نُشرت هذه المذكرات في حياته، لم ينف مضمونها أو سياقها، ولم يعلق عليها. ثم بعد مرور خمسين سنة على الأحداث يأتي مؤرخ الجناح الأقوى في الحركة الوطنية السياسية، السيد عبد الكريم غلاب، ليرد متطوعا على منتقدي موقف قادة حزب الاستقلال من الأمير الخطابي، بعد أن افترق جمع لجنة تحرير المغرب العربي؛ وتهميش الرجل من مسلسل التسوية والاستقلال عن فرنسا وإسبانيا؛ وجاء الرد في جريدة " الأحداث المغربية "، عدد 23 يناير 2004، محشوا بكثير من التساؤلات عن إنجازات الخطابي في حركته المسلحة في العشرينيات من القرن الماضي، مستغربا استسلامه في الوقت الذي لم تكن هنالك دواعي كافية لذلك، حسب قوله، ثم راح يحكي بعض الحكايات عن نزوله ولجوئه إلى أرض مصر، والتي يبدو أنه أراد من خلالها تبرئة ذمة قادة حزبه مما وقع فيه المغرب المستقل من «أزمات شبه مزمنة ترتبط في أصولها ومسبباتها بمرحلة الكفاح التحريري الوطني»، على حد تعبير المؤرخ زكي مبارك. ومما جاء في تلك الحكايات أن الخطابي أصبح شيخا مضطرب السلوك لا يؤمن بالعمل الوطني؛ وقد عبر عن ذلك غلاب بقوله: «بعد ذلك، أصبحت مواقفه مطبوعة بالشدة والاضطراب، ولم يكن يؤمن بالحركة الوطنية، ولا بالعمل الوطني، ويؤمن بالقتال؛ وعندما نتحدث إليه عن العمل السياسي يرفض ذلك، ويشير بيده، وكأنه يحمل مسدسا»، إلى أن يقول: «ظل عبد الكريم الخطابي يؤمن بالعمل العسكري، ولما قام العمل العسكري في بلدان المغرب العربي، سواء جيش التحرير، أو ثورة الجزائر، أو الفلاكَة في تونس، إلا أنه لم يقتنع بذلك.»
نسي السيد عبد الكريم غلاب، الذي سماه والده باسم عبد الكريم، تبرّكا باسم عبد الكريم الخطابي وأملا في أن يسير على طريقه، أن الأحزاب السياسية التي لم تكن تؤمن بقتال المستعمر هي التي جعلت استقلال المغرب ناقصا، ووحدته الترابية مبتورة إلى اليوم، وأرغمت أجيال الاستقلال على دفع ضريبة كان يمكن أن تستغني عنها لفائدة التنمية الوطنية، لو استمع أولئك "الوطنيون المؤيدون لفرنسا والأوفياء لمحمد الخامس" إلى نداء عبد الكريم الخطابي المنتقد، برؤيته الاستراتيجية، لأخطار صفقة الاستقلال التي طُبخت في إيكس ليبان وقدمت إلى مائدة سال سان كلو ( La Celle Saint-Cloud) لتمريرها؛ ذلك النداء الذي جاء فيه: «إن المغرب لا يمكن أن يعتبر مستقلا إلا إذا انسحب عنه الجيش الفرنسي، ولم يبق بالإدارة المغربية أجنبي، وأن تعرب كلها. إن الاستقلال الذي يتوهم المغاربة معه أنهم مستقلون ليس إلا مخدرا ناولته فرنسا المغرب، لتتفرغ لمحاربة الشعب الجزائري المكافح. إن فرنسا لا تزال تسيطر بقوتها على الصحراء المتممة للمغرب، والتي لا يمكن للمغرب أن يحيى بدونها... فمن صالح المغرب أن يكافح في سبيل استقلاله الحقيقي، ما دام الشعب الجزائري يقلق فرنسا ويرغمها على أن تعيش في فقر وقلق؛ وليس للجزائر من مساعد ولا معين إلا الله سبحانه.
إن الثورة المغربية جاشت في صدور الأمة، حتى إذا أتت أولويات ثمراتها تزعمها متخرجو المدارس الفرنسية؛ فأول ما قاموا به أنهم حموا فرنسا، وأخذوا يشيدون بمجدها وعظمتها، ويصرحون في حق الإسلام والعروبة ما يستفضع الإنسان أن يفوه به. ستعلم يوما الأحزاب السياسية المغربية أنها كانت خاطئة في الانحناء أمام الاستعمار بالمغرب، مع أنها تعلم أن الشعب المغربي لا يزال يحمل من روح الثورة ما يكفيه لمواجهة رواسب وبقايا الاستعمار في بلاده.»
والواقع أن ما ذهب إليه السيد غلاب، في حق الأمير الخطابي، ليس جديدا على قادة حزب الاستقلال القديم، فقد كانوا ينشرونه في مجالسهم الخاصة والعامة، بل حتى في مهرجاناتهم. أما الذين كانوا يرددون أقوال الخطابي ونداءاته فكان مصيرهم ينتظرهم في معتقلات الحزب في طول المغرب وعرضه؛ حيث كان المختطف إليها مفقودا، والخارج منها مولودا. وقد تم إحصاء أكثر من 76 مركزا للاعتقال السري. وغاب عن أولئك المروجين للترهات الحزبية الحكمة التي تقول: إنك تستطيع أن تكذب على بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تكذب على كل الناس كل الوقت؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بشعوب تمتلك ذاكرة، لها القدرة على مقاومة ثقافة النسيان كالشعب المغربي.
شهادات على أسباب الإخفاق السياسي لأحزاب الحركة الوطنية
فلنترك، إذن، الأجيال لتعرف من كان وراء إجهاض مشروع المغرب المستقل، الذي كان يسعى إلى استرجاع كامل سيادته على كل ترابه الوطني، ومن كان وراء اضطراب أحوال المغرب المستقل، ومن كان وراء تخلفه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي طيلة ستين سنة من عمر الاستقلال.
لكن، ولكي تكتمل صورة الأحداث التي نجمت عنها سنوات الرصاص نستفتي بعض من عاصر تلك الأحداث رأيهم في وقائعها؛ ونقرأ في ما كتبوا ودونوا:
أولا: كتب السيد فتحي الديب، الضابط المصري المكلف بالتنسيق مع الأحزاب السياسية واصفا حال هذه الأحزاب، بعد اجتماعات ماراطونية معهم، بهدف تفعيل الكفاح ضد الاستعمار، فقال: «...لا أريد أن استفيض في شرح الصورة السلبية التي وصل إليها ممثلو الأحزاب في كلماتهم ومناقشاتهم، التي أقل ما يمكنني التعبير عنه هو أنني شعرت وكأنني أعيش وسط جماعة وجدوا أنفسهم، فجأة، على أبواب كنز فبدأوا يتصارعون على بابه، ليقضي كل واحد منهم على زميله لينفرد بالاستحواذ على الغنيمة.»
ثانيا: لخص السيد الغالي العراقي، وهو من قادة مجموعة تطوان لجيش التحرير، الذين صاغوا مشروعا لتحرير المغرب، الذي لم يكن مضمونه يختلف كثيرا عن رؤية الخطابي، وكان يتألف من:
« إرجاع الشرعية.....
إعلان استقلال المغرب داخليا وخارجيا
توحيد التراب المغربي بكل أجزائه المبعثرة بين عدة مناطق
الانسحاب الشامل لكل الجيوش الأجنبية من التراب الوطني
تكوين حكومة وطنية مؤقتة تسهر على بناء أسس الدولة الملكية الدستورية».
ومن جهة أخرى لخص السيد العراقي ما آلت إليه الأوضاع غداة الاستقلال الناجم عن مفاوضات، أو لقاءات، إيكس ليبان، وتصريح سال سان كلو، فقال: «لقد شارك الجميع، وتضامن الجميع مع أصحاب الحال في إجهاض حركة المقاومة وجيش التحرير الذي تشرد الكثيرون من أجله، واستشهد آخرون لتحقيقه وترسيخه... » ثم يقترب كثيرا من توصيف فتحي الديب السابق، حين أدرك بدوره «أن الجميع كان منغمسا في نشوة النصر يتذوق طعم ما تحقق، ويخطط لمستقبل غامض، ولمصالح ضيقة»؛ محملا مسؤولية ذلك للمؤسسة الملكية والحركة الوطنية والمقاومة المسلحة، على حد سواء.
ثالثا: انخرط الجميع، إذن، في تذوق طعم ما استولى عليه من كنوز" علي بابا"، أو ما أسماه فرانتز فانون بحلم المستعمَر «أن يأخذ مكان المستعمِر» ؛ ولكي يتم لهم ذلك يجب إيجاد المسوغ لإسكات كل صوت معارض. وكان ذلك المسوغ هو عبد الكريم الخطابي، فبدل أن يتم الالتفات إلى آرائه التي كانت تدعو إلى تحرير الوطن، كل الوطن، وبناء الدولة المغربية، لصالح كل المغاربة، راحوا يتهمونه بكل الأعمال السيئة، إلى درجة أنهم ربطوا بينه وبين الاستعمار ربطا سحريا، وهم مختصون في ممارسة السحر السياسي؛ أليس هم من "برهنوا" بسحرهم أنهم رأوا محمد الخامس في القمر؟!!. وها هو الفقيه البصري، الذي شارك في الأحداث قبل أن يكون شاهدا عليها، يروي لنا في مذكراته كيف كان يُقحم اسم الخطابي في التخلص من المعارضين لخلفاء الاستعمار فقال: «وكثر الإيحاء آنذاك بأن من يطرح موضوع إعادة بناء الدولة ومسألة الدستور، إنما يحركه عبد الكريم الخطابي "الجمهوري"، أو يخدم مصالح الاستعمار، أو يحاول التآمر على الملك.»
ليس الغرض من تقديم هذه الشهادات إبراء ذمة الأمير الخطابي مما ألصق به من تهم، ومن حرمانه من وطنه، حيا وميتا، فمثله لا يحتاج إلى شهادة إبراء ذمة، لأن مبادئه ومواقفه في تاريخ التحرر العالمي أشهر من نار على علم، وهي محفورة كذلك في ذاكرة المغاربة، جيلا بعد جيل، لا تستطيع ثقافة النسيان النيل منها؛ ثم أن وطنه ليس محصورا في قطعة أرضية، مهما تكن عزيزة وغالية، بل هو في كل مكان يكون فيه الثوار في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. لكن الذين يقدرون رموزهم الوطنية والتاريخية، إنما يصنعون لأنفسهم تاج العزة الوطنية ويضعونه على رؤوسهم بافتخار نبراسا يضيء لهم طريق الحرية والتقدم.
أما ما يتعلق بالتحايل على التاريخ، فمن المؤكد، بداهة وتجربة، أن لا أحد يستطيع تأميم التاريخ وتطويعه لرغباته؛ ولذلك يبقى القصد الأساس من تناول العلاقة بين الخطابي الوطني المحارب وبين الوطنيين السياسيين هو الحث على القيام بعملية نقد ذاتي لمسيرتنا، منذ أن وطأت أقدام الاستعمار ثرى بلادنا، وتعريف الأجيال بلحظات تضحيات آبائهم وأجدادهم ومكمن عثراتهم ، من أجل تجاوزها وعدم تكرارها؛ لأن الأجواء اليوم في المغرب لها كثير من القابلية لهذه العملية؛ نتيجة دروس المعاناة التي ذاق مرارتها المغاربة في العقود الماضية من عمر دولتهم الوطنية، خاصة وأن المؤسسة الملكية، التي كان يختبئ وراءها مؤممو التاريخ، أبانت منذ أن تولى محمد السادس سدة الملك عن قناعتها وإرادتها في ضرورة قيام المؤرخين بعملهم، بحيث لا يكون رائدهم في ذلك إلا سلطة العلم والضمير؛ وقد كان الخطاب الملكي بتاريخ 6 يناير 2006 الفيصل النهائي في الموضوع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.