زناكة هي فئة لا يوجد ما يميزها عن سكان البلاد من العرب من حيث اللون واللسان والعادات، غير أنها عانت عبر تاريخها من النبذ والتهميش الاجتماعي، وعاشت في مستوى متدن وفق التراتبية الاجتماعية التقليدية، واقتصر دورها على الرعي، وكانت تقدم الغرامات للفئات الأخرى (حسان والزوايا) مقابل الحماية الأمنية والروحية، ومفهوم "زناكة" له تموقع جغرافي بأرض شنقيط، وقد انتقل كما انتقلت مجموعة من المفاهيم إلى أرض الصحراء وإلى لسان قبائلها، ولعل من أكثر القبائل تداولا لهذا المفهوم نجدي قبيلة في أقصى الجنوب نظرا لامتدادها الجغرافي داخل أرض شنقيط وأرض الصحراء. ولا علاقة لهذا المفهوم بتسمية القبيلة الأمازيغية التي تقع على الحدود الشرقية لمجال القطر السوسي الكبير، التي تعرف بالأمازيغية باسم إيزناكن، نسبة لقبائل صنهاجة، ويعتبرها الباحثون والمؤرخون من ضمن قبائل حوض درعة الغربي، وتحدها شمالا قبيلة أيت عامر، ومن ورائها اتحادية قبائل أيت واوزكيط، وغربا قبيلة إيسكتان السوسية، وجنوبا قبيلة الفائجة، وتقع في أقصى شمالها مدينة (تازناخت). والشاهد هنا في تناول مفهوم "زناكة" هو ما وصل إلى علمنا من تناول دراسة مقدمة من طرف الأستاذ محمد الغيث ماء العينين أمام المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات في مسألة الصحراء وإشكالية الهوية، وهي دراسة لسنا بصدد تقيمها ولا بصدد رصد أخطائها الشكلية والموضوعية إن وجدت، لكننا بصدد تقديم أسئلة للباحث بعيدا عن منطق القبلية التي يعلم أننا لسنا من مروجيها ولا من اعتمدها لإيجاد مكانة آنية زمكانية له داخل السلم الاجتماعي "فالمعروف لباسو مايهم عراه"، لكن لا بأس بالاستعانة بشهادة لدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين في قبيلة أولاد تيدرارين المشار إليها بدراسة وفهمت الإشارة عن غير قصدها بقوله: "فإنهم من الأصل العربي الذي لا جدال فيه، وأن نسبتهم إلى الأنصار هي ثابتة بتواتر الروايات الشفوية". وقبلها شهادة الله عز وجل وثنائه على الأنصار بقوله: "وَالَّذِينَ تبوؤوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون". وبعدها قول الرسول صل الله عليه وسلم: آية الايمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار. أما عن وطنيتهم فهي راسخة وقوية، فطيلة تحكم الاستعمار في الصحراء المغربية بقي أولاد تيدرارين هم أبعد القبائل منه، فلم يلتمسوا نفعا ماديا منه، ولم يمتهنوا العمل معه، باستثناء أفراد قلائل، بل لما تحكم انزووا في الأرض التي يسكنون فيها واشتغلوا بالفلاحة وتنمية الكسب، ومنعوا أولادهم من الدراسة في المدارس التي فتحها المستعمر ب"طرفاية" و"العيون" و"الداخلة"، ولم تعرف القبيلة رئاسة مستبدة بالسلطة بل كانوا يحكّمون الأعراف و"اجماعة" في أمورهم. ولما خاض المغرب معركة التحرير كان "أولاد تيدرارين" من الأوائل الذين أسرعوا جميعهم للدخول في الخلايا الوطنية. لكننا نتساءل عن جدوى اعتماد الباحث على معطيات استعمارية، يعرف تلميذ السنة الثانية ثانوي أنها كانت عبارة عن تقارير ممهدة للاستعمار أو الحماية في لحظة زمنية معنية لا تعكس امتداد القبائل في الصحراء ولا أصولهم ولا مكانتهم ولا عرقهم، لأجل تحديد وفك إشكالية الهوية في الصحراء؟ وهذا لا يعكس ضربنا في تلك الدراسات إلى حد القطع معها، لكن من المستحسن والباحث ابن دار العلم أن يستحضر عند فتحه تلك الدراسات المنطق الزمكاني ومسببات تلك الدراسات وأهدافها، فقد يصادف فيها أن أهل بيته ليسوا من أهل الصحراء بل اجتمع حولهم أهل الصحراء بسبب حملهم كتاب الله، والأحرى بالباحث وهو يتناول إشكالية الهوية بالصحراء أن يعتمد وينجز دراسة حالية تعكس تشكلات المجتمع الآن ويسأل الواقع، أما الاعتماد الكلي على الخط التاريخي لن يوصل إلى نتائج، إذا ما علمنا أن الباحث وقف عند نقطة الكتابات الاستعمارية لإثبات هوية بعض القبائل أو لإثبات وجودهم على مجال الصحراء من عدمه، كأن التاريخ بدأ من تلك النقطة؟ ولست على علم بأن زناكة، مع تحفظي على هذا الوصف، لهم خيام مستقلة، ولا علم بأن أهل الصحراء يستعملون هذا المصطلح أو يستسيغون استعماله بشكل عام إلا في حالات نادرة، مع أن الكثير مازال تحت رحمة سؤال "انت ولد من، ومن أي الناس انت". إن إشكالية الهوية في الصحراء والبحث فيها وتناولها الآن وفي هذا الوقت أظنه، بحسب تقديري، مضيعة للوقت، لأننا ببساطة نعيش تحت لواء دولة مدنية ولا أنكر أن الدولة في كثير من الأحيان تستند إلى المعطى القبلي لتمرير بعض الأمور، لكون غالبية سكان الصحراء من فئة الشباب وهوية هؤلاء الشباب تحددها إمكانيتهم المادية ومستواهم المعيشي، ولا تحددها دراسات غلب عليها غبار التاريخ، ولم تعد لها أهمية بالنسبة لهم، هويتهم هي الشغل والعيش الكريم، هويتهم هي الرفاه والتعايش، وقد يسمع أحدهم شكر قبيلته فيبتسم ابتسامة لا تنسيه واقعه المعاش، وقد يسمع ذم قبيلته ويبتسم ابتسامة استهزاء خفيفة، فعهد إثبات الولاء لم يعد كما كان، والدولة اليوم مطالبة برعايتها لندوات تسلط الضوء على واقع أهل الصحراء، وتقييم سياساتها العمومية بالصحراء، وليس لندوات تثير النزعة القبلية التي يعتبرها الطرف الآخر المنازع على الأرض جريمة وطنية، بحسب قولهم. والدولة اليوم مطالبة بمناقشة قضايا الصحراء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بقلب الصحراء، وعليها القطع مع مركزية النقاش، والانتباه لتغيرات منظومة القيم وتغيير مطالب الساكنة. وإن كان لا بد لها من البحث في التاريخ، فعليها أن تبحث في تجارب الأمم علها تجد ما يفك إشكالية المشكل المفتعل، وعلى ممثلي القبائل الذين لم يستطيعوا الانخراط في عالم اليوم والتخلص من تلك النزعة التي تغذي التفرقة الاشتغال على الجانب الاجتماعي والقيمي للقبائل، وأن يبحثوا على ما من شأنه الحفاظ على وحدة قبائل الصحراء وإرساء دعائم التعايش والسلم والحفاظ على الموروث والقيم، وليس بيع الوهم لأجل الحصول على مكانة عند المخزن؛ فدار المخزن ولت، ونحن اليوم نعيش في دار المدنية والمساواة والديمقراطية، وعلى الباحثين إعادة توجيه أقلامهم نحو واقع الصحراء وساكنتها وتتبع تطور المجتمع وتسليط الضوء على مشاكله الاجتماعية والاقتصادية والسياسة، بدل مسح الغبار عن كتب خدمة مشروع استعماري في فترة زمنية غابرة.