يبدو "المعلم" التهامي (بتسكين الميم الأولى) فاقدا لأي أمل في تغيير حال الفنان بالبلاد، مشيرا إلى تغييب الإذاعة والتلفزيون للمشتغلين في مجال "الغيطة" الجبلية، قبل أن يضيف: "لكننا سننتظر إلى أن يأتي الزمن الذي ستُفهم فيه هذه الثقافة وتقدم مثل الثقافات الأخرى، التي تحظى بمكانة رفيعة في القنوات الإعلامية، وتحصل على الدعم للاستمرار". همُّ استمرارية فن الغيطة الجبلية وبقائها على قيد الحياة، الذي يسكن رئيس "مجموعة الشاقور" للغيطة الجبلية، بالرغم من كل المشاكل التي تصارعها، جعله يبذل مجهودا أكبر من خلال تأسيس جمعية محلية لرد الاعتبار لهذا الموروث، غير أن هناك حلقة مفقودة تحول دون سطوع نجم الطقطوقة، بالنظر إلى التغيرات التي يعيشها المجتمع المغربي، وترخي بظلالها على أذواق الجمهور وميولاته، والدور منوط بالإعلام من أجل إعادة الاعتبار إلى هذا الفن. خلف الفرحة التي يرسمها أعضاء فرق الطقطوقة الجبلية (من "غياطة" و"طبالة") على وجوه المتفرجين خلال حفلات الزفاف والأعراس تتوارى معاناة يعيشونها، سببها شح العائدات والربح المادي الهزيل الذي يتقاضاه رواد هذا النوع الموسيقي الأصيل، الشيء الذي يهدد هذا الفن العريق بالانقراض. تشكل الغيطة الجبلية طقسا متجذرا في ثقافة ساكنة جبالة، لا يزال يحتفظ لنفسه بمكانة خاصة. وبالرغم من بروز أصناف موسيقية؛ فإن هذا اللون الموسيقي لا يزال يتألق منذ ظهوره في زمن غابر، مع رواد منهم من قضى نحبه ومنهم ينتظر. "المعلم" التهامي الكميري (52 سنة) واحد من رواد هذا الفن الجبلي الأصيل الضارب في القدم؛ فهذا "الفنان الشعبي" معروف في إقليموزان؛ ولا صوت يعلو على أنغام الغيطة والطبل ل"مجموعة شاقور"، التي سكنتها الأنغام الجبلية. لا يحتاج المرء إلى الإنصات إلى "المعلمين"، فملامح وجوههم تقول كل شيء، وتفصح التجاعيد التي رسمت أخاديد على محياهم معاناة يرزح تحت وطأتها من تجاوزت سنوات عمره الخمسين أو الستين. ألف "المعلم" التهامي آلة الطبل التي عشقها في الصغر، قبل أن تصبح مورد رزقه وشغله الشاغل، وظل مصرا على أن يبقى صوتها حيا ومتألقا يطرب أهل وزان وساكنة منطقة جبالة، لذلك أسس قبل 20 سنة مجموعته، التي تبدع في أداء مقطوعات غنائية جبلية تتغنى ب"الزين دجبل" وجمال الطبيعة والحب وصفاء ونقاء القلب وسط منطقة تعج بأناس أتحفوا وأطربوا ونظموا قطعا أمثال ولد محجوبة والبقالي، وغيرهما كثر. وتحسب ل"المعلم" التهامي عصاميته، التي لولاها لما استمرت هذه الإيقاعات الموسيقية التقليدية المعتمدة على نغم الغيطة وعبق الزمان إلى الآن. وكشف "المعلم" التهامي أن أفراد مجموعته يعانون العطالة منذ أزيد من 9 أشهر لا تكسر رتابتها غير بعض المناسبات والأفراح التي تنتعش خلال فترة الصيف على وجه الخصوص. وأضاف أن ممارسي الطقطوقة الجبلية مجبرون على مزاولة مهن وحرف أخرى كالفلاحة والتجارة لضمان قوتهم اليومي، دون أن يستطيع إخفاء مخاوفه بخصوص قدرة هذا الفن على الصمود، لا سيما في غياب خلف يحمل المشعل. وبنبرة حزينة، قال "المعلم" التهامي: "ما يحز في نفسي هو غياب الدعم من قبل الجهات الرسمية، ممثلة في وزارة الثقافة، والجماعات المحلية، وشح المهرجانات التي تعنى بطرب أجدادنا والموروث الثقافي"، مستحضرا افتقار المجموعة إلى مقر تمارس فيه هذا النشاط، "بل حتى الملابس التقليدية نضطر إلى شرائها"،" يقول المعلم" التهامي، قبل أن يضيف أن "الغيطة والطقطوقة الجبلية تراث حي وكنز يذهب صداه في الهواء، ويوما ما سيموت إن لم يتم إيلاؤه العناية والاهتمام الكافيين، احْنا كنديرو هادشي والكمال على الله؛ لأن هذه الثقافة جزء منا ومن تاريخ أجدادنا"، مشيرا إلى ضرورة توفير الدعم حتى لا يضيع هذا الإرث ويصل إلى أحفاد الأحفاد.