دفاع الضحية النرويجية يطالب بإدخال جمعية لدور القرآن في قضية خلية إمليل..    بعد “الحرب” مع أمريكا.. هل تراجعت مبيعات هواوي بالمغرب؟    البيت الأبيض: ترامب أُبلغ بإطلاق صاروخ على السعودية    إيران تعلن إسقاط طائرة أمريكية على أراضيها    كوبا اميركا 2019: كولومبيا الى ربع النهائي بفوزها على قطر    مديرية الأمن تؤكد تفاعلها مع نداء سيدة طالبت بتوقيف زوج شقيقتها بشبهة قتل هذه الأخيرة و3 من أبنائها بفرنسا    لوبيز ينفي التلاعب في مباراة للزوجي في ويمبلدون    بسبب درجات الحرارة المرتفعة فمصر.. “كاف” غادي توقف ماتشات كأس الأمم الأفريقية    فينيا تواصل جولتها لعرض حلول التمويل على 2200 مقاولة    تصريحات أبرز مرشحي الانتخابات الرئاسية في موريتانيا تفزع البوليساريو    ها الفرق بين تقنية 5جي و 4جي    كوبا أمريكا 2019 | ال"VAR".. ميسي وأرماني "ينقذون" الأرجنتين من هزيمة جديدة    الإدريسي: هكذا ينتهك الوزير الرميد حقوق الضحايا في ملف بوعشرين    بهدف السرقة.. اعتداء بشع على سائق طاكسي في العرائش    أزيد من 100 محطة لمراقبة جودة الهواء في المغرب    تدابير جديدة في ميناء الدار البيضاء    بيان استنكاري تضامني للجامعة الوطنية للتعليم ، التوجه الديمقراطي مع أستاذ تعرض الاعتداء بالقرب من ثانوية احمد الراشدي    لخبطة بخصوص داري والمنتخب. الجامعة تصمت والوداد يؤكد ثم يحذف!    تفاصيل مروعة عن جريمة قتل خاشقجي كما جاءت في تقرير الأمم المتحدة (فيديو)    المجموعة البريطانية CDC تبرم شراكة استراتيجة مع البنك المغربي للتجارة الخارجية لإفريقيا    "العدل والإحسان" تندد بتشميع البيوت وتهدد بالتصعيد ضد الحكومة    تعزية : وفاة الشاب جلول يترك أسى عميقا    «مايلن المغرب».. أولى وحداتها لإنتاج الأدوية بالبيضاء    وفاة شاب في حادثة سير بتطوان    الجمعية المغربية للمعدات البيوطبية تجدد هياكلها    مجلة الشرطة تحتفي بالخطاب الملكي بمناسبة زيارة البابا للمغرب    عاجل: الأسد الحواصلي باق لحراسة عرين الحسنية    الفيلة اختتموا تحضيراتهم بفوز عريض    قوات إنقاذ إسبانية تبحث عن 20 مهاجرا مفقودا    المحرشي يرصد أسباب "أزمة العطش" بإقليم وزان    صحف الخميس:تفاصيل اسنقالة بوعيدة من رئاسة جهة كلميم، واعتقال خليجي و فتاتين بتهمة قتل شاب دهسا، وتثبيت 552 جهازا لمراقبة السرعة بجهات المملكة    الأمم المتحدة: 71 مليون لاجئ فالعالم والدول الفقيرة كتستاضف غالبيتهم    ساركوزي غادي يتحاكم بتهمة استغلال النفوذ    مجموعة بريطانية حكومية تستثمر 200 مليون دولار أمريكي في بنك مغربي    بوركينا فاسو: مقترح الحكم الذاتي يستجيب للمعايير الدولية    الجواهري: أقدم للملك العنصر المهمة بكل أمانة    سلام الله عليك أيها السيد الرئيس    لجنة الخارجية صادقات بالإجماع على مشروع قانون الصيد مع الاتحاد الاوروبي    لتمويل مشاريع في الصحراء والشرق.. صندوق عربي يقرض المغرب 2270 مليارا    مهرجان الشعراء في تطوان يجمع بين الشعر والموسيقى والتشكيل    نبيل درار يُطمئن الجماهير: سننافس من أجل اللقب    أكبر تحالف يساري في تونس يحمل الدولة المصرية مسؤولية وفاة مرسي    مهرجان تطوان المدرسي يُسدل الستار عن النسخة السابعة    مشروب ليلي يساعد على إنقاص الوزن أثناء النوم!    برلماني من المضيق يُسائل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية    معرض “ذوات” لعبد الكريم الوزاني في مركز تطوان للفن الحديث    20 حفلا في الدارالبيضاء للاحتفال باليوم العالمي للموسيقى.. حفل مسلم الأبرز    تسجيل حالة إصابة بالمينانجيت باسفي    التفكير في المتوسط مع محمد أركون    فلاش: الفيلالي يغادر إيموراجي    جائزة “السلطان قابوس” في حلة جديدة    جمهور فاس يتحول إلى كورال لمارسيل    “مايلن المغرب” تطلق أولى وحداتها لإنتاج الأدوية بالمملكة    سحب رقائق بطاطس “لايز” من المتاجر    خبراء: ها مصدر القلق الرئيسي عند المرأة    يهم الحجاج الناظوريين: وزير الأوقاف يعلن عن 6 مستجدات لتحسين ظروف تنقل وتغذية وتأطير الحجاج المغاربة    وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية يبشر البرلمان بمستجدات سيعمل بها لأول مرة لتسهيل أداء مناسك الحج    قصة : ليلة القدر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ذاكرة الأمكنة : النيارين

من المصادفات المحببة، كوني وصديقي الأثير المرحوم أ. د. محمد أنقار، خلقنا وعشنا طفولتنا في حيين يحملان اسم (النيارين). نيارين في تطوان ونيارين في القصر الكبير.
فقد كنت أحدثه عن نيارين مدينتي بكثير من الحب والحنين والأسى، منتشيا بتذكر عوالم الحي الشعبي البسيط، بناسه الطيبين وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم. وأذكر أنني قدمت لأنقار، من خلال عيني وذاكرة طفل متجذر في قصريته، صورة أليفة لمرتع الصبا هذا، تتحدد في كون الشارع الرئيسي للنيارين كان بمثابة سوق للحي وشريان يربط بين عدوتي (الشريعة) و(باب الواد)، يعرف سنويا أهم حدث ديني في المدينة، متمثلا في مرور استعراض الطوائف الصوفية عبره يوم سابع عيد المولد النبوي، يتوسطها (البواردية)، ويتقدمها ثور أسود يقدم قربانا في باب العار بمولاي علي أبي غالب. كما أنه كان يعج بالمارة والمتسوقين طيلة السنة. وكانت تصطف على جانبيه دكاكين الفواكه والخضروات وباقي المواد الغذائية، وحاجيات المطبخ وأوان منزلية وبراميل الزيت البلدي الذي يباع (بالعبار)، قبل ظهور الزيوت الاصطناعية المعبأة في القوارير. بل وكنت أذكر له حتى أسماء البقالة (بوشعيب، البناي، مصطفى بوشتى، قايد الطابور، العناية، الحجاجي، السوسي). وكان معظم هؤلاء يرشون الأرض أمام دكاكينهم مساء بالماء لتبريد الجو وطرد الغبار صيفا، فيصبح الزقاء المغطى ابتداء من دكان الحلواني (المكزاري) إلى (صابة) بنخليفة، بالدالية التي تتدلى منها عناقيد العنب الأبيض والأحمر الشهية، قلت يصبح الزقاق في وضع منظم، تنعش جوه روائح الفواكه الطرية الحلوة، يوم كان للبقوليات وللفواكه رائحة طيبة تغزو نسغ الروح فتهدهدها، وطعم لذيذ يغري بالشره والاستشباع.
ومن مخزون تداعيات صور النيارين في الذاكرة، وصفت للمرحوم أنقار كيف كانت توجد عند صابة بنخليفة حانة إسبانية، طالما كانت تصطخب بأغاني الفلامينكو. من غير نسيان دار الفدائيين القابعة قرب الحانة، وكانو قد فروا من المنطقة السلطانية إلى المنطقة الخليفية، فاعتنى بهم الناس وأكرموهم واحترموهم وقدروهم.
وكنت خلال أحاديثنا المتقطعة عن النيارين، أشير إلى الدروب الضيقة الملتوية المتفرعة عن الشارع الرئيسي، من مثل درب اسطل ودرب سيدي يعقوب ودرب للاعايشة الخضرة ودرب بوربيع، ودرب الغرابلي، وخاصة إلى ما كان يثيره درب اسطل تحديدا في نفوس الأطفال من مخاوف ورعب، فيتحاشون المرور عبره، نظرا لتأثير المتخيل الشعبي الغاص بصور الجن والغيلان والعفاريت والمردة والشياطين، ما انفك يطفح بين الحين والآخر على عوالم بعض قصصي القصيرة. وكان حديثي، يميل بي أحيانا إلى وصف اجتياح الفيضانات الدورية للنيارين، مما يحتاج إلى مجال أوسع لتفصيل الحديث عنها.
ولم يفتني أن أذكر لأنقار، أن النيارين كان يحد بحارتين واسعتين، كانتا بمثابة متنفس لأطفال الحي، من أجل الانخراط في لعب مختلف اللعب الموسمية، التي كانوا يجتهدون في خلقها أو استعارة بعضها من أطفال مدن قريبة، ألا وهما:
(حارة المرس) بنافورتها الفوارة بالماء الزلال على الأسماك الرشيقة الملونة العائمة في حوضها، في حين تحيطها كراس رخامية مزينة بزليج إسباني بديع، بين أحواض نباتية مستطيلة وارفة الاخضرار دوما، متوجة بشجيرات الورود المتعددة الألوان، كما تنتثر أشجار اللارنج الظليلة المزهرة في دائرة مجالها الحيوي. وكانت هذه الحارة هي المكان المفضل لدى الساكنة لمراقبة ظهور هلال رمضان.
أما الثانية فهي (حارة السويقة)، بمسجدها وفرانيها ودكاكينها وزاوية عيساوى والزاوية القادرية. وكانت منارة مسجد السويقة تزين في ليلة القدر بأشرطة المصابيح الكهربائية، كما كانت تثبت فوق بابه نجمة خشبية كبيرة مرصعة بالمصابيح، مما يكسو الحارة بمسحة دينية تضاعف من الإحساس بالخشوع، ويجعلها متوهجة بالأنوار على صورة تنسيها ليالي الظلام المستدامة، التي بالكاد تبددها بعض المصابيح اليتيمة هنا وهناك ولا تضيء حتى محيطها.
وحتى الآن كلما جاد الزمان بفرصة نادرة لزيارة حي النيارين، أستشعر الدفء الذي كان يرطب جنبات دواخلي زمن الطفولة والصبا في هذا الحي الأليف، رغم وطأة الأسى لما لحق به من بؤس وشيخوخة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.