أمكراز يقطر الشمع على أخنوش: يجب التواصل مع الناس بطريقة تحترمهم.. و”خليونا ساكتين”    تهديدات البوليساريو لأبو زيد    ما سبب زيارة الرئيس الفرنسي للمغرب في يناير المقبل؟    تفويض انتخابي ساحق لجونسون يُخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي    الحكم بالتحفظ على البشير عامين في الاصلاح الإجتماعي ومصادره أمواله    ريفر بليت يهزم سينترال ويتوج بكأس الأرجنتين    مونديال الأندية "قطر 2019": قائمة الممنوعات من دخول الملعب !    محكمة الجنايات تدين أما قتلت طفلها وتخلصت من جثمانه بطنجة    الجمع العام الخامس و الخمسون للتعاضدية العامة للتربية الوطنية    عامل إقليم السمارة يترأس الحفل الإفتتاحي للمهرجان الدولي الساقية الحمراء لسباق الهجن    دراسة: مادة الكركم تؤخر خرف الشيخوخة    « شبيبتا الاستقلال والاتحاد: الانتخابات ليست « إجراء روتيني    أخنوش يترأس افتتاح الدورة الأولى لمعرض الصناعات التحويلية للزيتون بتاوريرت    صراع مقدمة الترتيب..النهضة البركانية يستضيف الدفاع الحسني الجديدي    خمس المغاربة يحلمون بالعيش في طنجة    أكادير بالصور: إجهاض عملية لتهريب المخدرات وحجز 650 كيلوغراما من مخدر الشيرا وسلاح ناري    إصابة شرطيين في إطلاق النار لتوقيف عصابة للمخدرات قرب أكادير في عملية هوليودية    "الانتصار" الختامي لانتصار: هزمت مرضها وهزمت الموت رغم الرحيل    عبد النباوي رئيس النيابة العامة ينتصر للسلطة الرابعة    المعلم يدخل عالم التمثيل كبطل لعدة أعمال درامية    محكمة سودانية تقضي بإيداع البشير مؤسسة إصلاح    سمير شوقي يغادر "ليزيكو" ومريم العلام تعوضه    مهرجان “بويا” يحتفي بالإبداعات الموسيقية النسائية بالحسيمة    الرئاسيات الجزائرية..انتخاب عبد المجيد تبون رئيسا للجمهورية    دراسة أمريكية تؤكد اكتشاف دائرتين في المخ ترتبطان بالأفكار الانتحارية    اليوم النطق بالحكم على الرئيس المعزول “البشير” والجيش السوداني يستنفر قواته    الحريات الفردية في المغرب ممكنة بين الدين والقانون    ورشات تفاعلية بالحسيمة حول آليات دعم خلق المقاولة والتكوين والتوجيه المهني    شرطي بسلا يشهر سلاحه لإيقاف عشرينيين كانا في حالة سكر متقدمة وهاجما المواطنين بالحجارة    جزائريون ومغاربة متورطون في تهريب المهاجرين عبر قوارب الصيد    شخص في “خريف العمر” ينهي حياته بطريقة مأساوية بضواحي تطوان    الحكم على الرئيس السوداني المعزول عمر البشير بالسجن لمدة عامين    الجنرال يخمد ثورة الشك بأكادير    إنطلاق عملية بيع تذاكر كلاسيكو الوداد والجيش الملكي 5 نقاط بيع و300 تذكرة لأنصار‘‘العساكر‘‘    بطولة إسبانيا: ثلاثة آلاف شرطي لحماية الكلاسيكو    النواب الأمريكي يبدأ أولى خطوات التصويت على عزل ترامب    دراسة كندية تكشف بروتين في دماغ الإنسان يحميه من ألزهايمر    الناظور.. رفع الحظر عن جمع وتسويق الصدفيات على مستوى جهة راس كبدانة-السعيدية    أجواء مستقرة بمعظم مناطق المملكة    قضية الصحراء المغربية.. قرار أممي جديد يجدد الدعم للمسار السياسي للتسوية    بعد « خليوها تهضر » الدوزي يعود مرة آخرى ب » لوكان جا قلبك » «    دراسة: الزواج مفيد للصحة النفسية.. والرجل الرابح الأكبر امتدت لسنوات    العروسي ونادية كوندا ضيفتا برنامج « سترايك » مع حمزة الفيلالي    النجم الأرجنتيني لافيتزي يعلن اعتزال كرة القدم    رسام جزائري توقع تنصيب تبون رئيسا للجزائر قبل شهرين في رسم كاريكاتوري أدخله السجن    برنامج التصفيات الإفريقية المؤهلة لمونديال قطر 2022    رغم القرب الجغرافي.. سعر الرحلات الجوية للإسبان نحو طنجة أغلى من لندن!    ليدك تتوج للمرة السادسة بجائزة المقاولات الأكثر فعالية في مجال المسؤولية الاجتماعية    عذرا أيها المتقاعدون.. هذه الحكومة لا تحبكم!    بوغوتا .. إعلان فن كناوة تراثا ثقافيا غير مادي للانسانية من قبل اليونيسكو    دار الإفتاء المصرية تصدر فتوى حول "شعور الميت داخل قبره"!    التمرّد الفردي المقابل الأخلاقي للحرب    دراسة أمريكية.. الهواتف خطر على الإنسان حتى وهي مقفلة    الزجل المغربي: هنا و الآن    تقريب المفازة إلى أعلام تازة    “الضمير” و”القانون” في مواجهة العنف والجريمة..    التحريض على الحب    لأول مرة.. طنجة تحتضن مسابقة غريبة لإختيار أفضل زغرودة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ذاكرة الأمكنة : النيارين

من المصادفات المحببة، كوني وصديقي الأثير المرحوم أ. د. محمد أنقار، خلقنا وعشنا طفولتنا في حيين يحملان اسم (النيارين). نيارين في تطوان ونيارين في القصر الكبير.
فقد كنت أحدثه عن نيارين مدينتي بكثير من الحب والحنين والأسى، منتشيا بتذكر عوالم الحي الشعبي البسيط، بناسه الطيبين وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم. وأذكر أنني قدمت لأنقار، من خلال عيني وذاكرة طفل متجذر في قصريته، صورة أليفة لمرتع الصبا هذا، تتحدد في كون الشارع الرئيسي للنيارين كان بمثابة سوق للحي وشريان يربط بين عدوتي (الشريعة) و(باب الواد)، يعرف سنويا أهم حدث ديني في المدينة، متمثلا في مرور استعراض الطوائف الصوفية عبره يوم سابع عيد المولد النبوي، يتوسطها (البواردية)، ويتقدمها ثور أسود يقدم قربانا في باب العار بمولاي علي أبي غالب. كما أنه كان يعج بالمارة والمتسوقين طيلة السنة. وكانت تصطف على جانبيه دكاكين الفواكه والخضروات وباقي المواد الغذائية، وحاجيات المطبخ وأوان منزلية وبراميل الزيت البلدي الذي يباع (بالعبار)، قبل ظهور الزيوت الاصطناعية المعبأة في القوارير. بل وكنت أذكر له حتى أسماء البقالة (بوشعيب، البناي، مصطفى بوشتى، قايد الطابور، العناية، الحجاجي، السوسي). وكان معظم هؤلاء يرشون الأرض أمام دكاكينهم مساء بالماء لتبريد الجو وطرد الغبار صيفا، فيصبح الزقاء المغطى ابتداء من دكان الحلواني (المكزاري) إلى (صابة) بنخليفة، بالدالية التي تتدلى منها عناقيد العنب الأبيض والأحمر الشهية، قلت يصبح الزقاق في وضع منظم، تنعش جوه روائح الفواكه الطرية الحلوة، يوم كان للبقوليات وللفواكه رائحة طيبة تغزو نسغ الروح فتهدهدها، وطعم لذيذ يغري بالشره والاستشباع.
ومن مخزون تداعيات صور النيارين في الذاكرة، وصفت للمرحوم أنقار كيف كانت توجد عند صابة بنخليفة حانة إسبانية، طالما كانت تصطخب بأغاني الفلامينكو. من غير نسيان دار الفدائيين القابعة قرب الحانة، وكانو قد فروا من المنطقة السلطانية إلى المنطقة الخليفية، فاعتنى بهم الناس وأكرموهم واحترموهم وقدروهم.
وكنت خلال أحاديثنا المتقطعة عن النيارين، أشير إلى الدروب الضيقة الملتوية المتفرعة عن الشارع الرئيسي، من مثل درب اسطل ودرب سيدي يعقوب ودرب للاعايشة الخضرة ودرب بوربيع، ودرب الغرابلي، وخاصة إلى ما كان يثيره درب اسطل تحديدا في نفوس الأطفال من مخاوف ورعب، فيتحاشون المرور عبره، نظرا لتأثير المتخيل الشعبي الغاص بصور الجن والغيلان والعفاريت والمردة والشياطين، ما انفك يطفح بين الحين والآخر على عوالم بعض قصصي القصيرة. وكان حديثي، يميل بي أحيانا إلى وصف اجتياح الفيضانات الدورية للنيارين، مما يحتاج إلى مجال أوسع لتفصيل الحديث عنها.
ولم يفتني أن أذكر لأنقار، أن النيارين كان يحد بحارتين واسعتين، كانتا بمثابة متنفس لأطفال الحي، من أجل الانخراط في لعب مختلف اللعب الموسمية، التي كانوا يجتهدون في خلقها أو استعارة بعضها من أطفال مدن قريبة، ألا وهما:
(حارة المرس) بنافورتها الفوارة بالماء الزلال على الأسماك الرشيقة الملونة العائمة في حوضها، في حين تحيطها كراس رخامية مزينة بزليج إسباني بديع، بين أحواض نباتية مستطيلة وارفة الاخضرار دوما، متوجة بشجيرات الورود المتعددة الألوان، كما تنتثر أشجار اللارنج الظليلة المزهرة في دائرة مجالها الحيوي. وكانت هذه الحارة هي المكان المفضل لدى الساكنة لمراقبة ظهور هلال رمضان.
أما الثانية فهي (حارة السويقة)، بمسجدها وفرانيها ودكاكينها وزاوية عيساوى والزاوية القادرية. وكانت منارة مسجد السويقة تزين في ليلة القدر بأشرطة المصابيح الكهربائية، كما كانت تثبت فوق بابه نجمة خشبية كبيرة مرصعة بالمصابيح، مما يكسو الحارة بمسحة دينية تضاعف من الإحساس بالخشوع، ويجعلها متوهجة بالأنوار على صورة تنسيها ليالي الظلام المستدامة، التي بالكاد تبددها بعض المصابيح اليتيمة هنا وهناك ولا تضيء حتى محيطها.
وحتى الآن كلما جاد الزمان بفرصة نادرة لزيارة حي النيارين، أستشعر الدفء الذي كان يرطب جنبات دواخلي زمن الطفولة والصبا في هذا الحي الأليف، رغم وطأة الأسى لما لحق به من بؤس وشيخوخة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.