جولة واحدة في موقع وكالة الأنباء الجزائرية الصادر بأربع لغات ستدهشك، لعلها تفقدك الصواب أيضا. بالخط العريض مثلا تخط وكالة الأنباء الجزائرية: "الجيش الصحراوي يواصل سلسلة هجماته ضد معاقل قوات الاحتلال المغربي لليوم 64 على التوالي". وبين طيات كل صفحة وبعد كل نقرة، ستقع عيناك على كلمات الاحتلال المغربي إلى جانب الصحراء تتكرر مرات عديدة. جولة توحي بأنك تزور موقعا لعدو وليس جارا للمغرب. عداء حقيقي أم اختباء وراء العداء لإلهاء الشعبين عن مشاكلهما ومعاناتهما التي سبّبها النظامان المغربي والجزائري على مر عقود عجاف؟ ومن يدفع الثمن الباهظ؟ الشعبان الأخوان بالتأكيد. ماذا ربح النظام الجزائري من لغة المعاداة هذه؟ وماذا تربح الجزائر من دعم حركة انفصالية لا تدين بالولاء لأي من الشعبين بالمال والسلاح ، بل لتأسيس دويلة ستزيد في تفكيك المنطقة، وتشتيت مصالحها المشتركة، والرفع من معاناة شعوبها؟ وماذا حقق هذان النظامان للأشقاء في الدم والأرض والهوية الجزائريين والمغاربة سوى إنتاج الخوف والفقر والشقاء والقمع والجهل والضعف والتخلف عن ركبيْ الحضارة والقوة. الجزائر قوة عظمى بشعبها وثرواتها. والمغرب قوة استراتيجية بموقعها ومبدعة بشعبها أيضا. وليس هناك تفسير آخر لهذا العداء سوى أن البلدين لا يتولى أمرهما الحكماء، بل قصيرو النظر ضعيفو الحجى، أنانيون لا يقض مضجعهم سوى كرسي السلطة. فتح الحدود، وإقامة التبادل التجاري للسلع والثروات بين البلدين الشقيقين دون حواجز أو جمارك أو رسوم، وحرية تنقل الأفراد بين الأرضيْن، والتعاون الأمني لحماية البلديْن، بضع إجراءات -إذا تمت ودامت- ستحقق التقدم والازدهار للشعبين، وتحفظهما من الاستغلال والهلاك، وتحررهما من التفقير والتبعية. وفي هذا الجو العالمي العكِر المخضب بالخيانات، يجب عدم تأليب الرأي العام الجزائري ضد النظام رغم استبداده. فهناك مؤامرة تحاك في الكواليس الاستعمارية للإطاحة بالجزائر الممانِعة وإلحاقها بركب جمهوريات وممالك الخانعين. النظام العسكري في الجزائر -على سوئه- يبقى أفضل من غيره بكثير . وإن كان تغييره ضرورة لا مناص عنها لتحقيق دولة العدالة، فإن الوقت غير مناسب تماما ، فالمجرى قد لا ينساب في مصلحة الجزائر والجزائريين، ولعل الأوان قد حان للعسكر للعمل على نقل السلطة سلما وتدرجا، تصالحا مع النفس، وغفرانا لماض غير نظيف، شرط وضعها في أيادي حكماء البلد الأمينة، غير الرخيصة، التي تحفظ الحقوق والأرض والثروات والهوية والاستقلال للأجيال القادمة. لغة العداء حتما لا تخدم مصالح الجزائر، في وقت أصبحت الحاجة فيه إلى التكاثف أمَسّ. والمعارك تُكسب بالحرب، لكن بعضَها يَكسبُها الوُد أيضا، خاصة مع الجيران. مستقبل الجزائر هو مستقبل المغرب، والجزائر لن تحمي نفسها بالإبقاء على بؤرة نزاع متقدمة ، فهي قد باتت في حاجة إلى منطق الحيلة بدل الدبابة ، وإلى سلام وتطبيع حقيقيين مع المغرب دون محاولة تجييش العواطف والنخر في الجروح ودق طبول الحروب، فالشعب الجزائري منهك، والأسماع صماء. قبل أيام سمعت أحد الجزائريين الحكماء -لا فض الله فاه- يصيح عبر وسائل التواصل الاجتماعي ردا على تصريح السعيد شنقريحة رئيس أركان الجيش الجزائري الذي نعت مؤخرا المغرب ب"العدو الكلاسيكي" في خطاب عنتري موجه إلى أفراد من الجيش الجزائري: " تحياتي لكل المغرب الكبير ، الجرح واحد، والغبن واحد ، نحن هنا قاعدون مدفونون أحياء، والمغاربة مساكين مدفونون هناك أحياء أيضا، هم يذلهم المخنز –في إشارة إلى نظام المخزن- كما يذلنا هنا نظامنا… إياكم ثم إياكم أن تسقطوا في المستنقع… ما يتناوله عناصر البوليزاريو لا أحصل عليه أنا –الجزائري-، النار في منطقتنا جميعا، إذا لم نطفئها لن ينجو أحد… إخوتي المغاربة أطلب الاعتذار منكم، فالمغرب والجزائر خاوا خاوا (أي إخوة إخوة)". يجب الاستماع إلى ابن الشارع الجزائري الحكيم هذا، لأنه نبض الأرضين وصوت الشعبين. وأفضل خدمة يمكن للنظام العسكري الجزائري تقديمها هو إحلال الديموقراطية ودولة العدالة والكرامة والحقوق بالجزائر . حين تتحقق تلك الدولة، سيقوم الشعب المغربي لينهج نهج إخوانه، وتفشل خطط الماكرين.