تابع هواة الرياضات المتنوعة في كل بقاع العالم فعاليات الألعاب الأولمبية في طوكيو، و بينما تمكنت بعض البلدان من تسجيل ريادتها و تفوقها في رياضات مختلفة، نجد بلدانا أخرى لم تتمكن من تسجيل أي نتائج إيجابية، وأغلب البلدان العربية تصنف في هذه الخانة، فالرياضة لا يمكن فصلها عن الواقع التنموي و السياسي و الحقوقي للبلاد ككل…خاصة و أن الألعاب الأولمبية هي فرصة للتنافس بين الأمم المختلفة، و لها مكانة رياضية و سياسية خاصة ، و قد تم تاريخيا توظيف هذه الدورات لتمرير رسائل سياسية و ثقافية و أيديولوجية، فبالرغم من أن الشرعة الأولمبية الدولية تؤكد على عدم استغلال هذه الالعاب للترويج السياسي أو الديني او الدعاية العرقية، لكن هذه الالعاب تستخدم لاهداف سياسة، لكن الممارسة العملية تثبت عكس ذلك ففي دورة الألعاب الأولمبية في نسختها الحادية عشر عام 1936 و التي أقيمت بألمانيا النازية استغل الزعيم هتلر هذه الدورة للترويج لسياساته و أيديولوجية حزبه النازي و القائمة على تفوق العرق الآري الجرماني على بقية الأعراق و الدلائل على أن هذه الدورات فرصة للإحتجاج السياسي و التسويق للنماذج التنموية و السياسية و الأيديولوجية و التنافس بين القوى الدولية كثيرة ، فيكفي الرجوع للدورات السابقة لمعرفة عما أتحدث، و لست بصدد سرد الاستغلال السياسي لهذه الدورات، و لكن لأوضح أن للدورات الأولمبية ميزة خاصة و متميزة ضمن باقي البطولات و التظاهرات الرياضية الدولية، فالدورات الأولمبية مناسبة لها أهميتها، بالنسبة لخبراء الإقتصاد و الإجتماع و علم السياسة و المؤرخين و باقي العاملين في مجال تحليل السياسات المقارنة و العلاقات الدولية، إذ تمكنهم عمليا من كشف مستوى الأمم و مدى تقدمها أو تخلفها، فالتنافس ليس فقط بين الرياضيين و إنما البيئة التي أنتجت هؤلاء الرياضيين…التنافس بين الحكومات و مدى نجاعة سياستها التنموية، التنافس بين النظم التعليمية و مدى قدرتها على نحت و إختيار و إحتضان المواهب.. فالرياضات المختلفة لها علاقة مباشرة بفعالية مؤسسات التنشئة الإجتماعية، و مدى نجاعة المدرسة الوطنية، فالحلبة الأولى لإنتقاء المواهب الرياضية تكون في ملعب المدرسة و في الرياضات المدرسية، فإذا كانت الدولة تتوفر على منظومة تعليمية فعالة فهي قادرة على حشد أكبر قدر من المواهب، و إذا كانت منظومة التعليم سليمة في جميع المراحل بدءا لمرحلة ما قبل التمدرس مرورا بباقي المراحل التعليمية ، فإنها بذلك ستكون الخزان المنتج للمواهب الرياضية و المواهب في جميع القطاعات و التخصصات، و في مرحلة موالية يأتي دور الأندية و الإتحادات الرياضية ووزارات الشباب و الرياضة ، و غيرها من القطاعات المتداخلة و المتدخلة… لذلك، و نحن نتابع أداء المنتخبات الوطنية في ألعاب طوكيو و الخروج المبكر للرياضات المغربية مبكرا من المنافسات، يدفعنا إلى طرح أكثر من سؤال، عن هذا الأداء السلبي الأني و السابق، فمسلسل التدهور و الضعف و الإنحدار أصبح بنيوي، و مس رياضات كان للمغرب دور ريادي فيها كألعاب القوى والملاكمة التي راكم فيها المغرب تجربة طويلة لكن هذه الرياضات بدورها لم تحقق نتائج إيجابية..و بالفعل فقد وجه النشطاء المغاربة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، انتقادات شديدة إلى الجامعات الرياضية بسبب النتائج السلبية التي حققتها المنتخبات الوطنية في الدورة الأولمبية الحالية، متسائلين في الوقت نفسه عن حصيلة رؤسائها طيلة العقود الماضية ومعهم طبعا باقي المسؤولين عن صياغة و تنفيذ السياسات الرياضية، و كذلك تنفيذ و صياغة السياسات العمومية… عمليا، لست من المتخصصين في الرياضات المختلفة، لكني كباقي المغاربة أتابع المنتخب المغربي و أود انتصاره خاصة بعد توالي السياسية و الإقتصادية و الحقوقية ، هذه الإنتكاسات تدفع الغالبية إلى التطلع للرياضيين و الرياضيات لعلهم ينجحون في تحقيق إنجاز يرفع الروح المعنوية لغالبية المغاربة، و لو بشكل مؤقت، لكن علينا أن نقر بأن ما حدث في طوكيو هي هزائم رياضية شكلا، لكنها بشكل أعمق هزيمة تنموية وسوء إدارة موارد البلاد البشرية والمالية، و هذا المقال هو نتاج لحوار دار بيني و بين إبنت أخي "خلود" و التي لا يتعدى عمرها 11 ربيعا، و قد طرحت علي أسئلة شكلت بالنسبة لي رياضة ذهنية دفعتني إلى مشاركة القارئ العربي لهذا النقاش و الإبتعاد مؤقتا عن الشأن الصيني و الإقتصادي… فالمنتخبات المغربية أغلب لاعبيها ليسوا من مواليد المغرب، والطاقم التقني كذلك، فنحن نستورد اللاعبين كما نستورد المنتجات الصناعية و التكنولوجيا..فالبلاد عاجزة عن إنتاج لاعبيين محليين، أو بالأحرى يتم تهميش المنتوج المحلي و الكفاءة الوطنية، في تحيز واضح للأجنبي، وفي ذلك مركب نقص وعدم ثقة بالكفاءة الوطنية، التي يتم تقليص فرص صعودها، بل الغريب أن مجموعة من الإنجازات التي حققتها بلدان أخرى في الرياضات الفردية جاءت بمواهب مغربية تم طردها بفعل التمييز و الإهمال ، مما دفعها إلى التجنيس و رفع أعلام بلدان أخرى، بل لم يقتصر الأمر على طرد المواهب الرياضية، بل إمتد إلى طرد الكفاءات و الخبرات الوطنية و أخر مثال طرد منصف السلاوي المغربي، الذي قاد مشروع البحث عن لقاح ضد كورونا في أمريكا، و لائحة الأدمغة المغربية التي تم دفعها للهجرة عن مضض، يصعب حصرها ، فالمناخ السياسي العام يطرد الأكفاء و يشجع أهل الولاء على أهل الدراية و الكفاءة .. أيها السادة بناء البلدان لايتم بالتسويق للوهم، بناء البلدان يتم بالاستثمار الجيد في التعليم و الصحة، أي الرفع من الكادر البشري،في شتى المجالات بما في ذلك الجانب الرياضي، فغياب مدارس التكوين الرياضي و ضعف الفرق الرياضية، وتغليب كفة اللاعب الأجنبي على المحلي عوامل مسؤولة عن ما رأيناه في طوكيو .. البلاد تعيش أزمات بنيوية، وفي مقدمتها غياب الحكم الرشيد، وتغليب منطق الولاء على الكفاءة، والقطاع الرياضي غير مستثنى من هذه القاعدة..البلاد في حاجة لتغيير جذري لقواعد اللعبة السياسية، فغياب الحكم الرشيد المتفاعل و المعبر عن إرادة الناس، مسؤول مباشر عن توالي الهزائم و الخسائر.. غياب الحكم الديموقراطي و الرشيد، الذي يحاسب فيه المسيء و يجازى فيه المحسن،فالنظم الديموقراطية تطرد الردئ بشكل تلقائي وتشجع الجيد و الأكفأ،المغرب في حاجة للتغيير الجذري فالأسلوب المتبع في إدارة البلاد لن يحقق نصرا أو مكسبا.. أسلوب يقرب المفسدين و يحميهم ويطرد نظيفي اليد و الأكفاء القادرين على وضع و تنفيذ استراتيجيات تنموية واقعية وموضوعية تنسجم مع احتياجات البلاد وتطلعات غالبية الشعب المغربي... نتمنى ان يدرك الشعب المغربي أنه أمام مفترق طرق، فالأوضاع السائدة لاتدعو للتفاؤل و الهزيمة الرياضية، تخفي واقعا تنمويا و سياسيا ينخره الفساد والزبونية، و غياب المساءلة والشفافية..فالهزائم الرياضية هي نتاج طبيعي لاختيارات سياسية و تنموية عاجزة عن توسيع خيارات الناس في جميع المجالات.. وطالما الوضع كذلك فمسلسل الهزائم سيستمر...والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس.. إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..