كاف تطلق إصلاحات شاملة لاستعادة الثقة في التحكيم الإفريقي..    اللقاء الجهوي للحزب بجهة مراكش – أسفي يصادق على أوراق المؤتمر الجهوي    منح الرخص الاستثنائية لاستيراد التمور يضع الحكومة أمام سؤال العدالة التجارية والمنافسة الشريفة    مسار نضالي لشابة اتحادية من فاس إلى قيادة «اليوزي» .. انتخاب هند قصيور عضوا في مجلس الرئاسة يعزز الحضور المغربي في الدبلوماسية الشبابية    الإكوادور تكشف حاجة المنتخب الوطني لمزيد من العمل رغم الإشارات الواعدة    احتفاء بيوم الأرض الفلسطيني .. ليلى شهيد.. حياة بين المنفى والنضال وعشق المغرب    رسملة البورصة تتجاوز 964 مليار درهم    فضاء حقوقي يسجل تنامي التضييق على الحريات ويدعو لانفراج سياسي    المغرب يجدد تضامنه مع الدول العربية ويدعو إلى موقف موحد لاحتواء التصعيد الإقليمي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    اليماني: أسعار المحروقات ستواصل الارتفاع بالمغرب وعلى الحكومة التدخل لضمان التزود وحماية الجيوب    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    تفاعلات رقمية تُحرج لاعبي المنتخب    الحسيمة.. زيارة ميدانية لمواكبة إعادة إحياء زراعة الصبار    مندوبية التخطيط:67,7% من الأشخاص في وضعية إعاقة لم يبلغوا أي مستوى دراسي    عناية ملكية للنهوض بالصحة النفسية    تنقيلات داخلية لرجال السلطة المحلية لمواجهة العشوائي بإقليم مديونة    فيدرالية اليسار تحذر من "أزمة مركبة" وتدعو لكسر ثنائية "الاستبداد والمحافظة"    الوزارة ترفع منح المسرح وتشدد الشروط    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث    كوريا تطلق نظام "تناوب السيارات" وترفع حالة التأهب بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا    نادي المحامين يكلف مفوضا قضائيا لتوثيق وقائع ملعب ستاد دو فرانس ويصعد نحو الفيفا    رئيس البرلمان الإيراني يقول إن واشنطن "تخطّط سرا لهجوم بري" رغم بعثها "علنا"رسائل للتفاوض    غوغل تطلق رسميا ميزة "البحث الحي" بالصوت والكاميرا    ارتباك بصري في ودية أمريكا وبلجيكا    شبهة تزوير بطائق الانخراط تفجر أزمة داخل نقابة التعليم المرتبطة بالاتحاد المغربي للشغل بسوس ماسة    حركة "لا ملوك" تٌخرج ملايين المتظاهرين في الولايات المتحدة ضد ترامب وسياساته    بعد انتشار فيديو صادم.. توقيف سائق حافلة اعتدى بوحشية على سائق شاحنة    المنتخب الوطني يجري حصة تدريبية بعد تعادل الإكوادور ويواصل الاستعداد لمواجهة الباراغواي    فاجعة في ملعب أزتيكا تسبق مباراة المكسيك والبرتغال الودية    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا تذكاريا بمناسبة الدورة ال 58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا    مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان    إيران تقصف مواقع صناعية في الخليج    أمطار مراكش تكشف اختلالات البنية التحتية وتفجّر مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتعويض المتضررين    جلسة عمل بالرباط لمناقشة تحضيرات تنظيم البطولة العربية للمواي تاي بطرابلس    عمان: لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجمات على السلطنة    قبل إغلاق مستشفى الحسني.. مخاوف الشغيلة الصحية تستنفر مسؤولي الصحة بالناظور    واشنطن بوست: البنتاغون يستعد لإطلاق عمليات برية داخل إيران    توقيف العقل المدبر لعمليات "الاختراق الجوي" بطنجة في عملية أمنية محكمة    "ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            "ألوان المغرب" بفيلا الفنون.. مبادرة تجمع العائلات البيضاوية لاستكشاف سحر التراث    مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإبدَاع الشِّعري الموسُوم بنُون الِّنسْوَة في الأندلس
نشر في لكم يوم 12 - 04 - 2023

في الوقت الذي ما فتئنا نعيش أجواء الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي عشناه في الواحد والعشرين من شهر مارس الفارط، جدير بنا – والحالة هذه – أن نلقى بعض الاضاءات الكاشفة على الابداع الشعري النسوي في بلاد الاندلس لنبيّن للناس وللقراء وللمتتبّعين كيف أمكن للمرأة العربية ان تبلغ في بلاد الاندلس في غابر الازمان شأواً بعيداً من الرقيّ الفكري والادبي واللّسنيّ ممثّلاً في قرض الشعر الجميل الذي ما زال يشنّف أسماعنا، ويغذيّ فكرنا ،ويجذل قلوبنا ،ويهذّب ذوقنا بعد انصرام قرونٍ مرّت حميدةً بأهلها في ذلك الصّقع الجميل النائي- القريب في بلاد الاندلس ، فنشير أنه فى الوقت الذي نجد فيه بعضَ الدارسين، ورواة الأخبار فى تاريخ الأندلس أهملوا كثيراً من النصوص الشعرية التي صدرت عن الشواعر الأندلسيّات، وفى الوقت الذي لم يحظ موضوع الأدب النّسوي الأندلسي على وجه الخصوص بالاهتمام الكافي من طرف الباحثين والدارسين على الرّغم من التأثير البليغ الذي أحدثه هذا الشّعر على إختلاف أغراضه،وألوانه، ومضامينه ، وتعدّد مشاربه، وروعته وازدهاره ،وتألقه ، وتباين مقاصده فى إسبانيا وفى الآداب الأوربية فى القرون الوسطى، حيث بلغ فى ذلك مقاماً عالياً ظلّ مجهولاً، أو منسياً،أو مُتناسياً، أومُهملاً،أو مُهمّشاً لزمنٍ غير قصير،فإنه من الجدير بالذكر-والحالة هذه- التنويه بالأبحاث الرّصينة، والدراسات المستفيضة التي نُشرت مؤخراً فى هذا المضمارالتي تعالجُ موضوع الشاعرات العربيّات فى بلاد الأندلس،والتي تزيح السّتار عن أهمية، وجمالية هذا الشعر وسحره وفى طليعة هذه المواضيع دراسة قيّمة باللغة الإسبانية للباحثة والشاعرة الإسبانية – الكتلانية "كلارَا خَانيسْ" (Clara Janes ) تحت عنوان : " الشِّعر النّسوي فى الأندلس"،حيث تقدّم لنا هذه الباحثة فكرة واضحة المعالم عن المدى البعيد الذي أدركته المرأة (عربية كانت أم أمازيغيّة) التي عاشت تحت الظلال الوارفة للحضارة الأندلسية من ازدهار، ورقيٍّ ينمّان عن حياة مدنية مُترفة ، وإبداعات شعرية مُرهفة سبقت زمنها وبذّت عهودَ معاصريها.
الباحثة كلارا خانيس استهلّت عرضَها بتوطئة موفية،وتمهيدٍ ضافٍ حول وظيفة الفنّ والإبداع ومدى أبعادهما وتأثيرهما في الحياة اليومية للفرد والجماعة قديماً وحديثاً، واعتبرت الكاتبة موضوع شعر الجنس اللطيف فى الرّبوع والأصقاع الأندلسية إكتشافاً عظيماً، وعنصراً مفاجئاً بالنسبة لها في عالم الإبداع النسوي فى القرون الوسطى على وجه التحديد . عالجت الكاتبة بعد ذلك موضوع الخلق الأدبي، والإبداع الشعرى عند المرأة بشكل عام مُستشهدةً بما ذهبت إليه الكاتبة البريطانية "فرجينيا وولف" من آراء عن المصاعب،والإكراهات التي تواجه المرأة عند عملية الخلْق، والكتابة،والإبداع . حيث أشارت أنّ الكتابة عند المرأة لا يمكنها أن تتحقق إلاّ إذا توفّرت لديها شروط معيّنة منها التواجد في عصر بعينه يَسمح لها فيه المجتمع بالمشاركة في الحياة اليومية العمومية بشكل فعّال ، مع توفير مستوىً ثقافي معيّن ، فضلاً عن ضمان حرية القول،والإفصاح،والبوْح، والتعبير، بالإضافة إلى الإنتماء إلى نمطٍ إجتماعيٍ بذاته. وتضيف الكاتبة عنصراً آخر ليتسنّى للمرأة مزاولة عملية الخلق والإبداع وهو الإنفتاح في العادات،والتقاليد، وعدم تحجّرها، وجفائها،وجفوتها مثلما كان عليه الشأن في المجتمع الأندلسي الذي كان من أكثر المُجتمعات تسامحاً وإنفتاحاً فى القرون الوسطى كما هو معروف عند الباحثين الثقات.
شاعرات من مختلف الأجناس
وأجرت الكاتبة كلارا خانيس مقارنات بين شعر المرأة العربية والأمازيغية بالأندلس وشاعرات إسبانيات عشن في عهود متقاربة وموالية للعهد الأندلسي، إلاّ أنّ قصب السّبق في معالجة الموضوعات بنوع من الواقعية والرقّة والذكاء مع دقة الملاحظة، وعمق التحليل،وثراء المضمون، وخصوبة المعنى، وجمال المبنى، كلّ ذلك كان من نصيب الشّعر النّسوي العربي في الأندلس. وتماشياً مع ما سبق أن أشار إليه غير قليل من الباحثين المتضلّعين الإسبان مثل شيخ المستشرقين الإسبان " إميليو غارسيا غوميز" أكدّت الباحثة بدورها أنّ الشعر العربي بشكل عام في الأندلس كان له تأثير بليغ في الشعر الاسباني فيما بعد على وجه الخصوص وفى الشعرالأوربي بشكل عام ،وقد ظهر ذلك جليّاً لدى "الجيل الأدبي الإسباني 1927" الشّهير الذي ينتمي إليه غير قليل من كبار المبدعين الاسبان ذوي الصّيت العالمي البعيد أمثال "فثينتي ألكسندري" الحائز على جائزة نوبل في الآداب،و"خوان رامون خمينيث" الحاصل على نفس هذه الجائزة العالمية كذلك. يُضاف الى هذين الشاعرين أسماء أخرى كثيرة مثل "خيراردو دييغو"،و"دامسو ألونسو"والعالمي "فيديريكوغارسيا لوركا"،فضلاًعن الشاعرالأندلسي القادسي "رفائيل ألبرتي" الذي يعترف صراحة في العديد من أعماله الأدبية بتأثير الشعر العربي في الأندلس عليه، وسواهم.
عن الحبّ العذري العفيف
تشير الباحثة الكتلانية أنّ الحبّ العذري شاع، وإنتشر، وإشتهر فى الأندلس مثلما كان عليه الشأن عند المشارقة، وكيف أنّ تأثيرات هذا الغرض على وجه الخصوص فى الشّعر الأندلسي إنتقل عن طريق شبه الجزيرة الإيبيرية فى المقام الأوّل إلى فرنسا حيث دخل أرقى بلاطات الحبّ، والهوى، وصالونات الصّبابة ، والجوى،ثم إنتقل بعد ذلك الى بعض البلدان ألأوروبية الأخرى المجاورة وبالأخصّ إلى إيطاليا بواسطة "برونيتو لاتيني" الذي كان سفيراً لبلاده لدى بلاط العاهل الإسباني ألفونسوالعاشرالذي كان يُلقب بالحكيم في القرن الثالث عشر. والذي كانت تربطه بالحضارة العربية ،والثقافة الإسلامية رابطة وثقى ،وآصرة متينة نظراً لإعجابه الكبير بها و نهله منها ، وتأثّره بها حيث أمر بترجمة العديد من أمّهات الكتب والمخطوطات العربية الشهيرة فى مختلف العلوم والآداب والمعارف إلى اللغة الإسبانية منها على سبيل المثال وليس الحصر كتاب " كليلة ودمنة" لعبد الله بن المقفّع وسواه .
ويشير المستشرق الكبير الرّاحل "إميليو غارسيا غوميس" عند تقديمه لكتاب "طوق الحمامة" الشهير للفقيه العلاّمة الأندلسي المعروف ابن حزم ، إلى أن الحبّ العذري دخل الأندلس حوالي 890م. وكان لابن حزم نفسه تأثير واضح، وبليغ في هذا القبيل خاصة في البلاطات الأوربية الرّاقية .ومعروف أنّ هذا العالم الأندلسي الجهبذ قد سبق وبذّ بقرون العديد من علماء النفس الأوروبيين أمثال "كارل كوستاف يُونغ" و" ألفريد أدلر"، و" سيغموند فرويد " وسواهم ممّن على شاكلتهم بملاحظاته العلمية الدقيقة ،وتفسيراته وتحليلاته النفسية للأمارات، والعلامات والتغييرات التي تطرأ أوتعتري الحالة النفسية للعاشق المتيّم، المحبّ الولهان في كتابه الآنف الذكر " طوق الحمامة"الذي تُرجم إلى العديد من اللغات الحيّة ولقي فيها نجاحاً وإنتشاراً منقطعيْ النظير.
وتذهب الباحثة الكتلانية إلى القول أنّ إعمال النظر بعمق،والتمعّن في الشّعر النسوي الأندلسي وقراءته أمران يبعثان على الإعجاب والإنبهار، ويثيران دهشة الغرب سواء لدى الدارسين المتخصّصين، أو الباحثين الجامعيين أو القرّاء على وجه العموم ،نظراً لما تتضمّنه هذه الأشعار من رقّة،ورفاهية، وعذوبة وطلاوة ،وليونة ومرونة، فضلاً عن الخيال الخصب المجنّح الذي يطبعها، وحرية التعبير التي لا يمكن مقارنتها سوى بحرية التعبير المتوفرة في المجتمعات العصرية الرّاهنة،وتؤكّد الباحثة فى هذا القبيل أنّ هذه الحرية لم يتسنّ للمرأة الغربية في تاريخها أن تتمتّع بها إلى اليوم. و تورد الكاتبة رأياً للباحث الإسباني "أدولفو فديريكو شباك "مفاده أن الحرية التي تمتّعت بها المرأة العربية في الأندلس على وجه الخصوص فاقت،وبذّت الحريّات التي كانت لدى المرأة في المجتمعات الاسلامية الأخرى. ويضع المستشرق " هنري بيريس" في الإتجاه نفسه المرأة الأندلسية في مستويات راقية،ومراتب عليا تتساوى فيها مع الرّجال ، بل إنّ المرأة الأندلسية كانت تتوارد على نوعٍ من الأكاديمّيات، والمعاهد التي تتعلم، وتتلقّى وتُلقّن فيها الفنون والآداب المختلفة، والعلوم التي كانت سائدة ومنتشرة في ذلك العصر، وأشهر هذه المدارس،والأكاديميات كانت موجودة بمدينة قرطبة التي يُقال إنها فاقت كلّ الامصار فى ذلك الإبّان حيث يقول الشّاعر فى ذلك :
بأربعٍ فاقت الأمصارَ قرطبةٌ / قنطرة الوادي وجَامعُها
هاتان ثنتان والزّهراءُ ثالثةٌ / والعِلمُ أعظمُ شئٍ وهو رابعُها.
كما تورد الكاتبة نصّاً للعالِم الأندلسي ابن بسّام الشنتريني (نسبةً إلى مدينة شنترين البرتغالية) صاحب الكتاب الشّهير" الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" يصف فيه إمرأة عربية خرجت من إحدى هذه المدارس متحدثاً عن جمالها،ورقّتها، ومشيتها، وصوتها ، ومواهبها، وثقافتها بل أنها كانت – مع ذلك – تجيد إستعمال الأسلحة إلخ، حيث يؤكد لنا ابن بسّام أنه لم يكن لها نظيرأو مثيل في ذلك كله.
ماذا جرى بين المعتمد وإعتماد ؟!
و تشير الباحثة أنّ الشأو البعيد الذي بلغته المرأة العربية والأمازيغيّة في المجتمع الأندلسي لم تدركه زميلتها المرأة الأوربية في ذلك الأوان ، وتشير إلى أنّ شعر الجِنس اللطيف فى الأندلس لم ينحصرفي موضوع الحبّ، والغزل، والشكوى، والعتاب وحسب- وإن كان هو الأغلب- بل تعدّاه الى مواضيع وأغراض أخرى مثل المدح ،و الهجو، ووصف الطبيعة ، فضلاً عن شعر الحكمة. وكما أسلفتُ القول ،لم يُعْنَ أحدٌ في جمع هذا الشعرالجميل ضمن ديوان مستقلّ، بل ظلّ مبثوثاً فى بطون المخطوطات، وبين دفّتيْ أمّهات الكتب التي تؤرّخ للأدب،والأنساب، والأخبار فى الأندلس.و تصف الباحثة أسلوبَ هذا الشّعر بأنه أسلوب طبيعي، وتلقائي،رقيق يخضع لقواعد شعر المشرق، بل إنّ بعض الشّواعر كنّ يلجأنَ الى معارضة شعر الرّجال، أو إستكمال مقطوعات شعرية، أو التعبير عن خواطر عابرة ،أو الإجابة عن تساؤلات محيّرة ، أو الدفاع عن النفس حيال أيّ تهجّم،أو تعدٍّ، أو إهانة،أوالزّهو والفخار.و لعلّ القارئ الكريم يتذكّر كيف تعرّف الخليفة ، المنكود الطالع المعتمد ابن عبّاد على خليلته ثمّ زوجته إعتماد الرميكيّة بالمساجلة الشعرية، حيث كان ابن عبّاد قد طلب من صديقه ووزيره ابن عمّار أن يجيز بعد أن قال المعتمد :
(صنعَ الرّيحُ من الماء زَرَد)، فلمّا تردّد، وتأخّر ابن عمّار في الإجابة والإجازة أيّ في أن يتمّ أو يستكمل أو يقابل مصراع ابن عبّاد ، بادرت الرميكيّة على الفورالتي كانت بالصدفة توجد بجوار النّهر (الوادي الكبير)،فقالت: (أيّ درعٍ لقتالٍ لو جَمَد) فتعجّب المعتمد من حُسن جوابها، و من حضور بداهتها .
أشهر الشّاعرات الأندلسيّات
ومن أشهر وأقدم الشّاعرات العربيّات الأندلسيات التي تعرّضت لها الباحثة الإسبانية الشاعرة "حسّانة التميمية" وهي من" إِلفِيرَا" بمدينة غرناطة، وُلدت خلال إمارة عبد الرحمان الداخل المعروف ب (صقر قريش) (756 -788م) وأوردت الباحثة قصيدة مدحٍ لها بعثت بها إلى الأمير الحاكم الأول، تطلب منه فيها حمايتها من جور حاكم غرناطة . ومن أشهر الشّاعرات الأندلسيات المشهود لهنّ بطول باعهنّ فى قرض الشعروإجادة نظمه اللاّئي ورد ذكرهنّ في كتاب "نفح الطيّب" للمقرّي، وهو من أكبر المصادر القديمة التي حوت ثبتاً مستفيضاً لكثير من أسماء الشاعرات الاندلسيات، وفي كتب : " جدوة المقتبس" للحميدي، و"الصّلة" لإبن بشكوال، و"التكملة " لابن الآبّار، و فى سواها من المصادر العربية المشهورة الأخرى نجد الشاعرات المُجيدات : "لبنى" كاتبة الحاكم المُستنصر، و"الغسّانية"، و"حفصة بنت حمدون الحجارية"،و"أمّ الكرام" بنت المُعتصم ابن صُمادح،و"غاية المُنى" ، و"إعتماد الرّميكية" زوجة المعتمد، و"عائشة بنت قادم القرطبية"، و"مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري" ،و"أمّ العلاء بنت يوسف الحِجارية البربرية" ،وهي شاعرة عاشت في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) في وادي الحِجارة وإليه نسبتها، وهي من أصل بربري (أمازيغي) ، و"حَمدة بنت زياد المؤدّب" وأختها "زينب" ، و"قمر" جارية إبراهيم اللخمي ، و"أنَس القلوب "، و" مولاة أبي المطرف بن غلبون العروضية" ،و"مُهجة" و"مُتعة" القرطبيتان ،و"نزهون" الغرناطية ،والشاعرة "العبّادية "والدة المعتمد، و"بثينة" بنت المعتمد ابن عبّاد، و"أم المُنى"، و"الأديبة الشلبية"،و"أسماءالعامريّة"،و"حفصة الركونيّة"، والشاعرة الأميرة الشّهيرة صاحبة ابن زيدون "ولاّدة بنت المُستكفي".. الخ.
ثلاث شاعرات أنموذجاً
وحسبنا أن نقول إنّ المرأة في الأندلس خلال الوجود الإسلامي بها على إمتداد العصور التي تعاقبت عليها إنطلاقاً من عصرالإمارة،وعصرالخلافة،وعصر ملوك الطوائف، ثم عصر المُرابطين، والمُوحدين وما بعدهما،كانت دائماً مثار عاطفة الرّجل، وبؤرة إهتمامه، ومثار وجدانه،ومكمن سرّه، مرتع ملاذه، على الرّغم من تقلبات الدهر وصروف الزمان وتغيّراته ، فقد كانت المرأة فى بلاد الأندلس محطّ الأنظار، وموضع الإحترام عند الرجال الأحرار، وقد شاركتهم في الحروب، وشاطرتهم معاناتهم في المعارك الضّروس ، والأمثال فى هذا القبيل أكثر من أن تُحصى فى هذا المقام ،وحسبي الإشارة فى هذا السّياق – على سبيل المثال وليس الحصر- إلى ما عانته،وقاسته زوجة المعتمد بن عبّاد إعتماد الرميكية فى أسره السّحيق، ومنفاه البعيد بأغمات (بالقرب من مدينة مراكش ) حيث شاطرته وتقاسمت معه مرارة الأيّام ووعورتها، وشظف الحياة بعد نعيمٍ مفرط،ورغدِ العيشِ وترفه .
ونكتفي كمثالٍ بمدى جمالية، وروعة ،وتنوّع هذا الشّعر ضمن هذه الأسماء الوافرة بأبيات لثلاث شاعرات أندلسيات، اللاّئي يقدّمن خيرَ دليلٍ على مدى تفوّقهنّ، وسيطرتهنّ على ناصية الشّعر فى الأندلس،وقد أثبتت الباحثة الاسبانية مقطوعات شعرية لإحداهنّ وهي ولاّدة بنت المستكفي صاحبة ابن زيدون التي تقول فيها:
ترقّبْ إذا جَنّ الليلُ زيارتي/ فإنّي رأيتُ الليلَ أكتمَ للسرّ
وبالبدرِ لم يطلعْ وبالنجمِ لم يسرِ/ ولي منكَ ما لوكان بالشّمسِ لم تلحْ
كما أنّها إشتهرت ببيتين من الشّعر قيل إنّها كانت تكتب كلَّ واحدٍ منهما على جهةٍ من ثوبها :
وأمشي مشيتي وأتيه تيهَا / أنا واللّه أصلح للمعالي
وأمكّن عاشقي من صحن خدّي/ وأعطي قبلتي من يشتهيهَا
وولاّدة هي بنت الخليفة "المُستكفي بالله"، كانت واحدة زمانها في الأدب و الشعر، حسنة المحاضرة لطيفة المعاشرة ،مع الصيانة والعفاف. وكان ابن زيدون يتعشقها، وله فيها القصائد الطنانة، والمقطوعات الرنّانة،أشهرها نونيته التي يقول في مطلعها:
أضْحَى التّنائي بَديلاً عنْ تَدانِينَا /وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا /شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَفّتْ مآقِينَا
نَكادُ، حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا / يقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا
ويقول فيها أو عنها كذلك فى قصيدة أخرى شهيرة :
إنّي ذكرتكِ بالزّهراء مُشتاقَا / والافقّ طلقٌ ووجهُ الأرض قد راقَا
وللنّسيم إعتلالٌ فى أصائلهِ / كأنّما رقّ لي فاعتلّ إشفاقَا
و كانت ولاّدة أولاً تطارحه شعراً بشعر، وتبادله حبّاً بحبّ،ثم قلبت له ظهرالمُجن وصارت تهجوه، وكان لها مجلس يغشاه أدباء قرطبة وظرفاؤها ، فيمّر فيه من النوادر،والمُستملحات، وإنشاد الشعر شيء كثير.
و أمّا الشاعرة الثانية فهي " حَمدَة أوحَمْدُونة بنت زيّاد المُؤدّب" التي كان يقال لها خنساء المغرب لقوّة شعرها، و سموّ إبداعها ،ولها المقطوعتان العجيبتان المشهورتان بالمشرق والمغرب، واللتان مازال أهل البلاغة يجعلونهما مثلاً أعلى للنّسج على منوالهما ،والحذو على حذوهما، تقول في المقطوعة الأولى:
ولمّا أبى الواشون إلاّ فراقنا /وما لهم عندي وعندك من ثارِ
وشنّوا على أسماعنا كلَّ غارة /وقلّ حماتي عند ذاك و أنصارِي
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي /ومن نفسي بالسّيف و السّيل والنارِ
وتقول في المقطوعة الثانية الجميلة وهي مشهورة جدّاً:
وقانا لفحة الرّمضاء وادٍ / سقاه مُضاعَفُ الغيثِ العميمِ
حللنا دوحَه فحنَا علينا / حُنوَّ المُرضعات على الفطيمِ
و أرشفنا على ظمأٍ زلالاَ / ألذّ من المُدامة للنديمِ
يصدّ الشمسَ أنَّى واجهتنا / فيحجُبها ويأذنُ للنّسيمِ
يروع حصاهُ حاشية العذارىَ / فتلمسُ جانبَ العقدِ النظيمِ .
والشّاعرة الثالثة التي نختم بها هذه العجالة هي أمّ العلاء بنت يوسف الحِجارية البربرية ، ذكرها صاحب "المُغرب فى حلى المَغرب"، ومن شعرها :
كلّ ما يصدر عنكم حسن / وبعلياكم تحلى الزمنُ
تعطف العين على منظركم / وبذكراكم تلذ الأذنُ
ومن يعش دونكم في عمره / فهو في نيل الأماني يغبنُ
وعشقها رجل أشيب فكتبت إليه تقول :
يا صبح لا تبد إلى جنح / والليل لا يبقى مع الصبحِ
الشيب لا يخدع فيه الصّبا / بحيلة فاسمع إلى نصحي
فلا تكن أجهلَ من في الورىَ / تبيتُ في الجهل كما تضحي
ولها أيضاً :
أفهم مطارح أحوالي وما حكمت / به الشواهد واعذرني ولا تلمِ
ولا تكلني إلى عذر أبينه / شرّ المعاذير ما يحتاج للكلمِ
وكلّ ما قد جئته من زلة فبما / أصبحت في ثقة من ذلك الكرمِ.
كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.