سيلقي الملك محمد السادس، مساء اليوم، خطابًا أمام أعضاء البرلمان كما ينص على ذلك الدستور بمناسبة افتتاح الدورة الخامسة من الولاية التشريعية الحالية. ورغم أن هذه الخطابات تكتسي عادة طابعًا مؤسساتيًا روتينيًا، فإنّ خطاب هذا العام يحمل خصوصية لافتة في سياق التطورات غير المسبوقة التي يعرفها المغرب منذ اندلاع احتجاجات "جيل زد" يوم 27 شتنبر الماضي. المغاربة، ومعهم المراقبون في الداخل والخارج، ينتظرون ما سيقوله الملك في لحظة حساسة تُختبر فيها علاقة الشارع بالمؤسسة الملكية، كما يُختبر فيها مدى قدرة الدولة على الإصغاء لجيل جديد من المحتجين وُلد خارج الأطر التقليدية للأحزاب والنقابات.
ينتظر شباب "جيل زد" أن يجدوا في خطاب اليوم صدى لمطالبهم التي بعثوا بها إلى الملك في رسالة رسمية، ثم نشروا تفاصيلها في وثيقة مطوّلة على مواقع التواصل الاجتماعي. هؤلاء الشباب، الذين أعلنوا فقدانهم الثقة في جميع المؤسسات باستثناء المؤسسة الملكية، يعلّقون آمالًا كبيرة على هذا الخطاب لعلّه يفتح أفقًا جديدًا للإصلاح، يعالج مظاهر الفساد ويعيد الاعتبار للخدمات العمومية في التعليم والصحة والشغل. ومن أجل ذلك، أعلنت الحركة تعليق احتجاجاتها اليوم احترامًا للملك، معتبرة أنّ المؤسسة الملكية هي "الملاذ الأخير" في بلد فقد فيه الناس الثقة في السياسة والسياسيين. يستحضر كثيرون في المغرب سابقة حراك 20 فبراير سنة 2011، حين أدّت احتجاجات الشارع إلى خطاب ملكي استثنائي في 9 مارس، أعلن فيه محمد السادس تعديل الدستور ومنح صلاحيات أوسع للحكومة والبرلمان. المقارنة بين اللحظتين تبدو مغرية، لكنها مضللة وغير واقعية؛ فظروف 2011 كانت استثنائية بفعل موجة "الربيع العربي" التي هزّت المنطقة بأسرها، وطاحت بأنظمة وأدت إلى انهيار دول بكملها، بينما مطالب "جيل زد" اليوم ذات طبيعة اجتماعية بالأساس، تتركّز حول التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، دون أفق سياسي واضح أو قيادة محددة. خلافًا لحراك 2011 الذي شاركت فيه قوى سياسية ونقابية ومدنية، فإن حراك "جيل زد" تحركه فئة شبابية رقمية، بلا تنظيم ولا رموز ولا وساطات، تعتمد على التنسيق عبر المنصات الافتراضية. ورغم أنّ احتجاجاته شهدت أعمال عنف محدودة في بعض المدن، فإنّ السلطات استطاعت إعادة ضبط الشارع بسرعة عبر المقاربة الأمنية، في وقت لا تبدو فيه الدولة مستعدة لتقديم تنازلات تحت ضغط الشارع، انسجامًا مع تقاليد "المخزن" في إدارة الأزمات حتى لا يظهر بمظهر الضعف. من المستبعد أن يستجيب الملك مباشرة لمطلب إسقاط الحكومة، لأن الدستور لا يمنحه هذه الصلاحية إلا في حالات محددة، لكن الخطاب قد يحمل رسائل ضمنية إلى كل الأطراف، سواء الحكومة التي يطالها الغضب الشعبي أو الشباب الذين يبحثون عن أفق جديد. وربما يختار الملك أن يلمّح إلى ضرورة تسريع إخراج "المجلس الاستشاري للشباب والمجتمع المدني" المنصوص عليه في دستور 2011، والذي لم ير النور رغم مرور أربعة عشر عامًا على المصادقة عليه. فذلك سيكون بمثابة إشارة رمزية إلى الإصغاء لصوت الجيل الجديد، دون أن يُفهم الأمر على أنه رضوخ للشارع. ما يجعل اللحظة استثنائية هو أنّ جميع الأطراف تحبس أنفاسها. المغاربة ينتظرون الخطاب بقلق وأمل، وشباب "جيل زد" يقفون على حافة خيبة محتملة إن لم يسمعوا ما يطمئنهم أو يشير إلى اعتراف رسمي بمطالبهم. أما المؤسسة الملكية، فهي الأخرى أمام اختبار دقيق بين طمأنة الشارع والحفاظ على هيبتها، في ظرف اجتماعي محتقن، واقتصاد مأزوم، وجيل رقمي لا يشبه من سبقوه في شيء. البلاد، اليوم، تحبس أنفاسها في انتظار كلمة الملك، لحظة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم: الملك وهو يخاطب أمة تبحث عن الأمل، والحكومة وهي تواجه فقدان الثقة، والشباب الذين يطالبون بإصلاحات عميقة لكنهم قد يواجهون جدار الصمت. وبين هؤلاء جميعًا، يقف المغرب على عتبة مفترق طرق جديد، ينتظر فيه الجميع ما سيقوله الملك في لحظة ترقّب دقيقة، قد تحدّد مسار الاحتجاجات ومستقبل العلاقة بين الدولة وشبابها لسنوات مقبلة.