يعيد موسم التساقطات المطرية في مدينة طنجة طرح ملف البنايات الآيلة للسقوط كأحد أبرز التحديات التي تواجه النسيج العمراني القديم، حيث شكل تحذير صادر عن مجلس مقاطعة طنجةالمدينة خلال دورة يناير 2026 مؤشرا جديدا على سباق الزمن القائم بين المساطر الإدارية وعوامل التعرية الطبيعية. وأثارت المستشارة الجماعية حفيظة الوهابي، خلال انعقاد الدورة العادية للمجلس، الانتباه إلى وضعية بناية تقع بحي "خوسافات"، واصفة إياها بالمهجورة والتي تظهر عليها تشققات هيكلية واضحة، مع رصد انهيارات داخلية جزئية تستدعي تدخلا عاجلا. ويكتسي هذا التحذير بعدا خاصا بالنظر إلى الموقع الجغرافي للبناية داخل حي "خوسافات"، الذي يتميز بكثافة سكانية مرتفعة وحركية دؤوبة. وتعد أزقة هذا الحي مسالك حيوية للراجلين تربط بين الأحياء الشعبية ووسط المدينة، ما يجعل أي انهيار محتمل، ولو جزئيا، مصدرا لتهديد السلامة العامة لعدد كبير من العابرين يوميا، وليس فقط للجوار الملاصق للعقار. ويندرج هذا التنبيه ضمن سياق أوسع يتعلق ببرامج المعالجة التي أطلقتها السلطات المحلية والقطاعات الوزارية. وتظهر المعطيات الرسمية وجود اتفاقية لمعالجة البنايات الآيلة للسقوط بالمدينة العتيقة لطنجة للفترة 2024-2027، بغلاف مالي يقدر ب 98 مليون درهم، وتستهدف التدخل في حوالي 328 بناية. وبالموازاة، تم رصد برنامج آخر يمتد بين عامي 2025 و2028، بميزانية تبلغ 125 مليون درهم، تعتمد على مساهمات مالية من أطراف مؤسساتية متعددة. ورغم وجود هذه الآليات التمويلية والتخطيطية، تبرز فجوة زمنية بين توقيت البرمجة الإدارية وموعد التنفيذ الميداني. وتواجه عمليات الترميم أو الهدم في المناطق الآهلة إكراهات تقنية وقانونية، تتعلق غالبا بتعقيد الوضعية العقارية للمباني، أو صعوبة ولوج الآليات إلى الأزقة الضيقة، وهو ما قد يبطئ وتيرة الإنجاز مقارنة بسرعة التدهور الإنشائي. وتلعب العوامل المناخية دورا محوريا في هذا الملف، إذ لا تعتبر الأمطار سببا وحيدا للانهيار بقدر ما تشكل عامل ضغط يسرع وتيرة التلاشي. وتؤدي الرطوبة العالية وتسرب مياه الأمطار إلى تشبع الجدران الطينية أو الحجرية القديمة، ما يرفع من ثقلها ويضعف تماسك المواد الرابطة، خاصة في البنايات المهجورة التي تفتقر للصيانة الدورية وللتهوية اللازمة، مما يجعل فصل الشتاء مرحلة حرجة للاختبار الهيكلي. وعلى المستوى الجهوي، تشير التقديرات إلى أن عدد البنايات المهددة بالانهيار بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة يناهز 10 آلاف بناية بدرجات خطورة متفاوتة. ويفرض هذا الرقم ضغطا على الموارد المتاحة، ويحتم اعتماد معايير دقيقة لترتيب الأولويات بناء على الخبرات التقنية ومستوى الاستعجال، لتفادي تشتت الجهود في رقعة جغرافية واسعة. ويبقى التساؤل المهني مطروحا حول مدى قدرة البرامج الحالية، رغم اعتماداتها المالية المهمة، على مجاراة الإيقاع المتسارع لتدهور البنايات القديمة، وكيفية تدبير عامل الزمن لردم الهوة بين رصد الخطر والتدخل الفعلي للمعالجة قبل تفاقم الأضرار.