تمهيد شهدت إيران خلال الأسبوعين الماضيين احتجاجات اجتماعية بدت في أسبوعها الأول سلمية ومقبولة سياسيًا، لكن في بداية الأسبوع الثاني، ولا سيما يومي الأربعاء والخميس، تدخلت عناصر تخريبية اشتبكت مع رجال الأمن واعتدت على الممتلكات العامة بما فيها دور العبادة، وهو ما أشعل توقعات بمواجهة شاملة بين الشارع والدولة، رافقته حملة ترويجية ممنهجة في وسائل الإعلام الغربية باعتبارها الفرصة الحقيقية لإسقاط النظام وإعادة تشكيل الشرق الأوسط الأمريكي–الصهيوني الجديد. ومع أن أعداد المتظاهرين، السلميين وغير السلميين، لم تتجاوز واحدًا بالمائة من مجموع سكان إيران، فإن الغضب كان حقيقيًا ومشروعًا، غير أنه لم يتجاوز حدوده إلا عندما تراجعت المطالب الاجتماعية وتصدرت المطالب السياسية الداعية لقلب النظام، وإشاعة الفوضى الشاملة، واستدعاء التدخل الأجنبي. في هذا السياق، لعب خطاب المرشد الأعلى يوم الجمعة، والمسيرات الجماهيرية الضخمة الموالية للنظام يوم الاثنين، وما بينهما القرار الأمني بالتحكم بالدخول إلى الإنترنت وتعطيل ستارلينك، دورًا حاسمًا في إعادة ضبط الموازين داخليًا وخارجيًا. فما الذي يمكن استخلاصه من هذه الموجة العابرة، وما الدروس المستفادة؟ صوت المجتمع المشروع ووهم الثورة اتساع رقعة الاحتجاج وتصاعد الشعارات خلق انطباعًا بقدرة الحركة على التحول إلى ثورة سياسية. لكن المجتمع الإيراني، رغم غضبه الاقتصادي والاجتماعي، ظل يرى في الدولة الضامن الأخير للاستقرار في منطقة مضطربة. كما أن الغضب الاجتماعي وحده لا يخلق ثورة سياسية؛ بل يجب أن يُدار ضمن أطر سياسية واضحة وقاعدة شعبية مستمرة. هذا "التشبث الوظيفي" بالدولة والنظام قلّل من قدرة الغضب الشعبي على قلب النظام سياسيًا، وجعل الحركة الاحتجاجية محدودة التأثير بالنسبة للسلطة السياسية. التدخل الخارجي وتأثيره العكسي حاولت بعض القوى الخارجية دعم إسقاط النظام أو توجيه الشارع نحو مواجهة الدولة، إلا أن هذه التدخلات أضعفت الحركة أكثر مما أضعفت السلطة. فالتدخل الخارجي غالبًا ما ينعكس سلبًا على شرعية الاحتجاجات الداخلية إذا شعر المواطنون بمحاولة اختطاف مطالبهم الوطنية. قراءة الإيرانيين لهذه التصريحات على أنها تهديد للسيادة عززت من توحد مؤسسات الدولة، ووسّعت قاعدة الصمت الاجتماعي، وأكدت محدودية تأثير الخارج على التوازن الداخلي. الأقلية الراديكالية المؤدلجة وخطيئة اختطاف الاحتجاج مع تصاعد الأحداث، حاولت أقلية صغيرة استخدام الاحتجاج لأغراض انقلابية، مستعينة بالعنف ومرتبطة بالخارج. هذه الفئة بقيت معزولة عن الشارع العام ولم تحظَ بقبول شعبي واسع. وكما تشير دراسات علم الثورات، فإن أقلية راديكالية عنيفة غير مدعومة شعبيًا نادرًا ما تستطيع قلب موازين القوى، بل غالبًا ما تضعف الحركة الأصلية. قدرة النظام على فصل المطالب الاجتماعية عن المشروع السياسي الراديكالي كانت حاسمة في احتواء الأزمة. خطاب المرشد: الميزان النفسي والاستراتيجي الجديد شكّل خطاب المرشد الأعلى يوم الجمعة لحظة فاصلة أعادت توحيد الشارع، ووجّهت رسالة واضحة للداخل والخارج حول قدرة النظام على التحكم بالأحداث. هذه الرسالة حفزت المسيرات الشعبية الضخمة يوم الاثنين، التي مثّلت تحولًا نفسيًا واستراتيجيًا حاسمًا. وفي الوقت نفسه، لعب قطع الإنترنت وتعطيل خدمات ستارلينك دورًا مركزيًا، ليس فقط تقنيًا، بل كرمز للقدرة على الردع والتحكم بالميزان الداخلي والخارجي، مؤكّدًا تفوق الدولة في إدارة الصراع والمعلومة، في زمن بات فيه التحكم بتدفق المعلومات أحد أهم أدوات الدولة الحديثة للحفاظ على الاستقرار أثناء الأزمات. فتح باب التفاوض: من موقع القوة لا الاضطرار في ضوء إعادة تثبيت التوازن الداخلي، برز بوضوح أن طهران لم تُغلق باب التفاوض، بل أعادت تعريف شروطه وسياقه. فإيران، بعد تجاوز موجة الاضطراب، باتت أكثر قدرة على مقاربة أي مسار تفاوضي محتمل مع إدارة دونالد ترامب من موقع قوة سياسية وأمنية، لا من موقع الاستجابة للضغط أو الخوف من الانهيار. الرسالة الضمنية التي حملتها إدارة الأزمة داخليًا هي أن الدولة قادرة على الصمود والتحكم، وبالتالي فإن أي تفاوض محتمل لن يكون ثمرة احتجاجات أو تهديدات، بل جزءًا من إعادة تنظيم العلاقة مع الخارج وفق ميزان المصالح لا منطق الإملاءات. كما أن التجربة الإيرانية السابقة مع إدارة ترامب رسّخت قناعة مؤسساتية بأن التفاوض لا يكون مجديًا إلا إذا اقترن باعتراف متبادل بحدود الضغط وبمعادلة الردع. ومن هذا المنطلق، فإن فتح باب التفاوض لا يعكس تراجعًا سياسيًا، بل يعكس انتقالًا مدروسًا من إدارة الصراع عبر الشارع إلى إدارته عبر الطاولة السياسية، ومن تفكيك أوهام السقوط إلى استثمار وقائع الثبات. الفرق بين الاحتجاج الاجتماعي والثورة السياسية تؤكد التجربة الأخيرة درسًا مركزيًا: الاحتجاج الاجتماعي لا يتحول تلقائيًا إلى ثورة سياسية. فالمظاهرات كانت حقيقية ومشروعة اجتماعيًا، لكنها لم تقدّم مشروعًا وطنيًا قادرًا على كسر معادلة الخوف من المجهول أو تحييد تأثير الدولة. أي محاولة لتوظيف هذه الاحتجاجات لأهداف انقلابية فشلت بسبب عزلة الأقلية الراديكالية وعدم وجود دعم شعبي واسع. في المقابل، مكّنت قدرة النظام على التعبئة الأيديولوجية، والتحكم بالوسائل التقنية، والاستقلال عن التدخل الخارجي، الدولة من تحويل التحديات إلى فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى. ختاما الغضب الاجتماعي لا يكتب التاريخ السياسي وحده، بل يُصنع التاريخ حين يمتزج الغضب بالمشروع السياسي، والوعي الاستراتيجي، والقدرة على التمييز بين المطالب المشروعة للشعوب وأجندات الخارج غير المشروعة. وفي الحالة الإيرانية، لم يكن المشهد مشهد سقوط، بل مشهد إعادة تموضع: داخليًا عبر تثبيت الدولة، وخارجيًا عبر فتح مسارات تفاوض محسوبة من موقع القوة، لا الوهم.