تُعد الانزلاقات الأرضية من أخطر الظواهر الطبيعية التي تهدد مناطق واسعة من شمال المغرب، خصوصا في الأقاليم الجبلية حيث تتداخل الطبيعة الجيولوجية الهشة مع التوسع العمراني والضغط المناخي. الانزلاق الأرضي، ببساطة، هو حركة مفاجئة أو تدريجية للتربة أو الصخور من أعلى المنحدر نحو الأسفل، نتيجة عوامل طبيعية مثل الأمطار الغزيرة، أو الزلازل، أو ضعف بنية التربة، وأحيانا بسبب تدخل الإنسان كشق الطرق والبناء غير المنظم. هذه الظاهرة، التي تتكرر في مناطق مثل تطوان وشفشاون والحسيمة، كانت محور دراسة علمية حديثة وضعت المغرب في صلب نقاش علمي دولي حول كيفية تقييم مخاطر الانزلاقات الأرضية ودقة الخرائط المعتمدة في هذا المجال، بحسب ما ورد في الدراسة التي نُشرت في العدد الأخير من مجلة "ساينتيفيك ريبورتس" التابعة لمجموعة "نيتشر" العلمية.
تنطلق الدراسة من واقع مغربي ملموس، معتبرة أن شمال المملكة، وخاصة إقليمتطوان، يمثل مجالًا مثاليا لدراسة الانزلاقات الأرضية بسبب تعقيده الطبيعي. فالمنطقة تضم سلاسل جبلية ذات بنية جيولوجية متداخلة، وتعرف تساقطات مطرية مكثفة في فترات قصيرة، ما يجعل المنحدرات عرضة للانهيار. غير أن الباحثين يؤكدون أن الخطر لا يكمن فقط في وجود الانزلاقات، بل في الكيفية التي يتم بها تقييم هذا الخطر، ورسم الخرائط التي يُفترض أن تساعد السلطات والمهندسين على التنبؤ بالمناطق المهددة. أحد أهم خلاصات الدراسة هو أن خرائط "قابلية الانزلاق"، أي الخرائط التي تُظهر المناطق الأكثر عرضة للانزلاقات الأرضية، قد تكون مضللة إذا لم تُنجز بطريقة علمية دقيقة. فغالبًا ما تُرسم هذه الخرائط انطلاقًا من حدود إدارية، مثل الأقاليم أو الجماعات، في حين أن الطبيعة لا تعترف بهذه الحدود. وتبيّن الدراسة أن الاعتماد على الحدود الإدارية في مناطق معقدة مثل شمال المغرب قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة، لأن الإقليم الواحد قد يضم وحدات طبيعية مختلفة تمامًا من حيث نوع الصخور، وشكل التضاريس، وطبيعة التربة. ولإثبات ذلك، قارن الباحثون بين ثلاثة مجالات للدراسة في شمال المغرب: مجال إداري يتمثل في إقليمتطوان، ومجال يعتمد خريطة طبوغرافية رسمية، ثم مجال طبيعي هو حوض وادي مرتيل، الذي يمثل وحدة جغرافية متجانسة تتحكم فيها نفس العوامل الطبيعية. وقد أظهرت المقارنة أن النتائج تختلف بشكل واضح حسب المجال المعتمد، حتى عند استعمال نفس المعطيات ونفس الطرق الحسابية. كما اعتمدت الدراسة على جرد ميداني ورقمي واسع للانزلاقات الأرضية، شمل أكثر من 5200 حالة انزلاق في شمال المغرب. ولم يتعامل الباحثون مع هذه الانزلاقات ككتلة واحدة، بل صنفوها حسب عمرها إلى انزلاقات حديثة ونشطة وقعت أساسًا بعد سنة 2003، وانزلاقات قديمة، وأخرى قديمة جدًا تعود إلى فترات سابقة. هذا التمييز الزمني كان حاسمًا، لأن الانزلاقات الحديثة تعكس الوضع الحالي للمنحدرات، بينما تعود الانزلاقات القديمة إلى ظروف مناخية وجيولوجية مختلفة. وتُظهر نتائج الدراسة أن نوعية الانزلاقات المعتمدة في التحليل تؤثر بقوة في نتائج الخرائط. فعندما تُستعمل فقط الانزلاقات الحديثة، تكون الخرائط أكثر دقة وتركيزًا، وتحدد بوضوح المناطق التي تشكل خطرًا حقيقيًا في الوقت الراهن، غالبًا بمحاذاة الأودية والمنحدرات السفلى. أما عندما تُدمج الانزلاقات القديمة جدًا، فإن الخرائط تصبح أوسع وأقل دقة، لأنها تُصنف مناطق مستقرة حاليًا على أنها عالية الخطورة، فقط لأنها شهدت انزلاقات في الماضي البعيد. واعتمد الباحثون في تحليلهم على تقنيات إحصائية معروفة في هذا المجال، مثل الانحدار اللوجستي والشبكات العصبية الاصطناعية، وهي أدوات تُستخدم للتنبؤ بالمخاطر انطلاقًا من معطيات متعددة كزاوية الانحدار، ونوع الصخور، والغطاء النباتي، وشبكة الأودية. غير أن الدراسة تؤكد أن اختيار النموذج الحسابي أقل تأثيرًا من جودة المعطيات المدخلة، وخاصة دقة جرد الانزلاقات وتحديد عمرها. ومن بين الانتقادات المهمة التي توجهها الدراسة للممارسات الشائعة في هذا المجال، اعتماد بعض الأبحاث على خلط الانزلاقات القديمة والحديثة عند اختبار دقة النماذج، وهو ما يعطي نتائج إحصائية جيدة ظاهريًا، لكنها ضعيفة من حيث القدرة على التنبؤ بالمخاطر المستقبلية. ويشدد الباحثون على أن الهدف من خرائط القابلية ليس فقط تفسير الماضي، بل حماية الأرواح والممتلكات عبر فهم ما قد يحدث مستقبلاً. بالنسبة للمغرب، تكتسي هذه النتائج أهمية خاصة في ظل التغيرات المناخية، التي تُسهم في زيادة شدة الأمطار وتكرار الظواهر القصوى، وفي ظل توسع عمراني متسارع في مناطق جبلية غير مستقرة. وتؤكد الدراسة أن تحسين دقة خرائط الانزلاقات الأرضية يمكن أن يساعد بشكل مباشر في التخطيط العمراني، وتحديد مسارات الطرق، واختيار مواقع البناء، ووضع سياسات وقائية أكثر فعالية. في المحصلة، تبرز هذه الدراسة أن مشكلة الانزلاقات الأرضية في شمال المغرب ليست فقط مشكلة طبيعية، بل هي أيضًا مسألة منهجية وعلمية. فاختيار مجال الدراسة، وطريقة جرد الانزلاقات، وفهم السياق الطبيعي، كلها عوامل تحدد ما إذا كانت الخرائط أداة حقيقية للوقاية، أم مجرد وثائق تقنية محدودة الفائدة. ومن هذا المنطلق، يقدّم الباحثون نموذجًا علميًا يمكن أن يشكل مرجعًا لتطوير سياسات تدبير المخاطر الطبيعية في المغرب، انطلاقًا من فهم أعمق للأرض وحركتها، بدل الاكتفاء بحدود إدارية لا تعكس تعقيد الواقع الطبيعي.