بينما تستعد الحكومة الحالية لطي أوراق ولايتها بعد أقل من سنة، اختارت أن تودع المغاربة بقرار ذي حمولة سياسية وبيداغوجية ثقيلة تجسد في الإعلان عن توسيع مشروع "مدارس الريادة" ليشمل 2000 مؤسسة إضافية برسم 2026-2027 وهو ما سيرفع نسبة المدارس الابتدائية المنخرطة في هذا المشروع إلى حوالي 80 في المائة. هذا الإجراء، الذي يأتي في سياق سياسة فرض أمر واقع تتباين الآراء حول جدواه، يتجاوز كونه تدبيراً قطاعياً ليصبح استراتيجية تطويق للمستقبل؛ استراتيجية تضع بريق الأرقام الإحصائية القابلة للتطويع في مواجهة مباشرة مع نص القانون الإطار 51.17، وتطرح سؤالاً حارقاً: هل نحن أمام نهضة تربوية حقيقية كما بشر بذلك النموذج التنموي الذي تبنته الحكومة كمرجعية لبرنامجها، أم أننا بصدد مكننة الفعل التعليمي وتدشين عصر التايلورية التربوية؟. إن القراءة المتأنية في خلفيات ونتائج هذا القرار تكشف عن مفارقة تراجيدية؛ إن "نجاح" مدارس الريادة، بصيغتها التقنوية الحالية، ليس إلا الوجه المكشوف لفشل ذريع في تنزيل الإصلاح الشامل الذي رسمته الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 وقننه القانون الإطار 51.17. الوجه المضيء: إسعافات وسط الأزمة لكي نلتزم بالموضوعية، لا بد من الإقرار بأن مشروع مدارس الريادة ليس سيئا بالمطلق على الأقل في أهدافه ومنطلقاته الكبرى؛ فقد نجح في تحريك المياه الراكدة في بعض مفاصل المدرسة المغربية. لا يمكن إنكار الأثر الإيجابي لتأهيل البنية المادية للمؤسسات وتجهيز القاعات بالوسائل الرقمية، مما أعاد نوعاً من الجاذبية للفضاء المدرسي. كما أن اعتماد آلية للدعم التربوي الاستدراكي قد مكن التلاميذ المتعثرين من استعادة ثقتهم بأنفسهم عبر تملك حد أدنى من الكفايات الأساسية. هذه "الإسعافات الأولية" كانت ضرورية، لكن الخطر يكمن في تحويل الإسعاف إلى بنية مستدامة تلغي الحاجة إلى بناء نظام تربوي متكامل. الكرونولوجيا المريبة: توسيع بلا تقييم بدأت القصة في موسم 2023-2024 بتجربة شملت 626 مؤسسة، واكبتها حملة دعائية ضخمة صورت المشروع كحل سحري لكل علل المنظومة. وقبل أن تجف أقلام التقييم أو تُنشر نتائج افتحاص مستقل، سارعت الوزارة إلى توسيع الوعاء ليشمل 2000 مدرسة ابتدائية و276 إعدادية في الموسم الموالي. والغريب هو الإصرار على التوسيع المستمر (4626 مدرسة ابتدائية في 2025-2026 ثم 6626 في 2026-2027) دون نشر أي تقرير تقييمي للمراحل الانتقالية، باستثناء مرحلة التجريب. والمثير للاستغراب أكثر هو التجاهل التام لتقارير الهيئة الوطنية للتقييم التي دعت إلى التريث؛ فبدلاً من مراجعة النموذج وتصحيح انحرافاته، اختارت الحكومة الهروب إلى الأمام عبر برمجة توسيعات كبرى ممتدة إلى ما بعد رحيلها. إن غياب الشفافية بخصوص نتائج التوسعات الكبرى يثير تساؤلات مشروعة: لماذا يهرب "الناجح" من نشر تقاريره؟ إن هذا الاستعجال الإحصائي يوحي بأن الحكومة مهتمة بصناعة الأرقام أكثر من اهتمامها بصناعة الجودة، مما يحول الإصلاح من مشروع مجتمعي إلى واجهة للتسويق السياسي. تقويض الإنصاف: مدرسة عمومية بسرعتين وارتباك التخطيط يعتبر الإنصاف وتكافؤ الفرص الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي كما نصت على ذلك الرؤية الاستراتيجية. لكن مدارس الريادة أحدثت شرخاً خطيراً في هذا المبدأ، حيث أحدثت، داخل المنظومة العمومية ذاتها، مدرسة بسرعتين: مدرسة محظوظة بالإمكانات والدعم والتتبع تسمى مدرسة الريادة، ومدرسة "عادية" تُركت لمصيرها ولضعف مواردها، بل يتم حث الآباء والأمهات رسميا على عدم تسجيل أبنائهم بها والحرص على تنقيلهم إلى مدارس الريادة ولو كانت بعيدة عن محل سكناهم. هذا الخلل البنيوي تعمق بسبب ارتباك حاد في التخطيط كشف عن غياب رؤية نسقية للمشروع. فاليوم، نجد تلاميذ قضوا سنوات في "ابتدائي الريادة" واستفادوا من طرائقها، ليجدوا أنفسهم فجأة في "إعداديات عادية" لا تتوفر فيها مقاعد في مسلك الريادة، مما يؤدي إلى ضياع المكتسبات وصدمة الانتقال. وفي المقابل، نجد "إعداديات للريادة" تستقبل تلاميذ وافدين من مدارس ابتدائية "غير رائدة"، مما يخلق تفاوتاً حاداً داخل القسم الواحد ينسف كل جهود التجانس البيداغوجي. إن هذا الارتجال في "الخريطة المدرسية للريادة" يثبت أن المشروع ليس إصلاحاً لمنظومة، بل هو جزر مبعثرة تفتقر إلى الاستمرارية والترابط المطلوبين في القانون الإطار. هدم البناء المؤسساتي: إعدام العقل الموجه تكمن كبرى خطايا مشروع الريادة في كونه أجهز على البناء المؤسساتي للإصلاح الشامل. فبدل تفعيل الآليات القانونية الوازنة، تم إقبار اللجنة الدائمة للبرامج واللجنة الوطنية لتتبع الإصلاح، لصالح لجان تقنية تدور في فلك الوزارة ومكاتب الدراسات. هذا التهميش المؤسساتي أدى إلى غياب البوصلة؛ حيث لم تخرج للنور الأطر المرجعية الحاكمة التي نص عليها القانون الإطار، وعلى رأسها الإطار المرجعي للجودة والإطار المرجعي للمنهاج. وبدون هذه الأطر، تصبح "الريادة" مجرد جزر معزولة تسبح خارج سياق الإصلاح الوطني الموحد، مما يكرس تشتت المنظومة وضياع هويتها البيداغوجية. التراجع عن اللامركزية وتجميد مشروع المؤسسة في الوقت الذي تشيد فيه الخطابات الرسمية بالجهوية المتقدمة واللامركزية، تأتي مدارس الريادة لتعيدنا إلى المركزية المفرطة. لقد تم سحب البساط من تحت أقدام المؤسسات التعليمية، وألغي "مشروع المؤسسة" الذي كان يفترض أن يكون محركاً للابتكار المحلي، ليحل محله "كتيب تعليمات" موحد من طنجة إلى الكويرة. هذا التراجع الديمقراطي لا يضرب فقط استقلالية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، بل يئد أي إمكانية لتعليم يستجيب لخصوصيات التلاميذ وبيئاتهم المتنوعة. التايلورية التربوية وعودة بوكماخ يزعم المروجون للمشروع استناده إلى "حقائق علمية" مستمدة من علوم الأعصاب وعلوم الإدراك. لكن الحقيقة البيداغوجية تؤكد أن معطيات المختبر تحتاج إلى ترجمة واعية تأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والثقافي والنفسي للمتعلم، وليست وصفات تُسقط فوق الرؤوس. ما يحدث اليوم هو عودة مبطنة لمنهجية المرحوم أحمد بوكماخ التي استنفدت أغراضها في عصر مضى؛ حيث القولبة، والنمذجة المفرطة، والتكرار الميكانيكي، ولكن بحلة رقمية. فجوهر مدارس الريادة يكمن في استيراد نموذج التعليم الصريح بنسخته الكندية المفرطة في الميكانيكية، وهو ما يمثل تجسيداً للتايلورية في أقصى تجلياتها. في هذا النموذج، لم يعد المعلم مهندساً للتعلمات أو مربياً يمتلك حرية الاجتهاد، بل تحول إلى منفذ لبروتوكولات جاهزة تُصاغ في المكاتب المركزية بالرباط. لقد أصبح المدرس هو "شارلو" العصر الحديث، الذي يؤدي حركات بيداغوجية نمطية وموقوتة، مجرداً من ذكائه البيداغوجي. هذا الاستلاب المهني يصطدم مباشرة مع خلاصة تقرير طاليس 2024 الدولي، الذي أكد أن الاستقلالية البيداغوجية هي الرافعة الأساسية لجودة التعليم وجاذبية المهنة. إن تحويل المدير إلى "حارس مصنع" والمفتش إلى "مراقب جودة" بمعايير لا تستوعب شمولية الفعل التربوي، يقتل روح الإبداع ويحول المدرسة العمومية إلى فضاء للتنميط الممل، وهو ما يفسر لماذا ترفض النخب هذا النموذج لأبنائها في المدارس الخصوصية والبعثات الأجنبية، مفضلةً بيداغوجيا التقصي والاستقلالية. محنة المؤسسات الدستورية ومنحة مكاتب الدراسات شكل التعامل الإقصائي مع الهيئة الوطنية للتقييم سقطة مؤسساتية كبرى. فرغم الوعود الحكومية بجعل هذه الهيئة هي المرجع الأول والوحيد للتقييم، إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن الوزارة؛ فحين جاءت تقارير الهيئة منتقدة لبعض جوانب مدارس الريادة، سارعت الحكومة إلى الالتفاف عليها بتفويض المهمة للمرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو جهاز تابع لرئيس الحكومة وغير متخصص في الشأن التربوي، والذي بدوره فوض المهمة لمكاتب دراسات خاصة في اعتراف صريح بعدم أهليته في الموضوع. هذا الانتقاء الإحصائي والهروب من التقييم الدستوري المستقل يضع مصداقية الأرقام الرسمية على المحك، ويحول التقييم من أداة علمية إلى آلية لتزكية القرارات السياسية. هوس التقييم وعدم الاستفادة من الدروس الدولية يسقط مشروع الريادة في فخ الإفراط في التقييم، وهو ما يعيدنا إلى كوارث المشروع الأمريكي "لا ينبغي ترك أي طفل خلفنا" (No Child Left Behind )، الذي ركز على الاختبارات المعيارية والضغط على المدرسين، مما أدى لنتائج كارثية وتزييف للواقع التعليمي. إن المفارقة الصارخة هي أن الولاياتالمتحدة تخلت عن هذا المشروع واستبدلته بمشروع (Every Student Succeeds Act ) في 2015، والذي يعتبر تصحيحا للاختلالات العميقة التي شابت سابقه؛ حيث أعاد الاعتبار للاستقلالية البيداغوجية، وركز على النمو الشامل للمتعلم بدلاً من مجرد علامات الاختبار، وسمح بتعدد المؤشرات كالمناخ المدرسي والرفاه النفسي، ومنح مرونة أكبر للفاعلين المحليين. المغرب اليوم، وللأسف، يلهث خلف نموذج فاشل ومتجاوز، في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو نماذج تزاوج بين المحاسبة والمرونة. فخ "دافوس" وسراب "المرتبة 60" التزمت الحكومة في برنامجها بجعل النظام التعليمي المغربي ضمن أفضل 60 نظاماً عالمياً. لكن، وبإلقاء نظرة على تقارير "المنتدى الاقتصادي العالمي" (دافوس)، نجد المغرب يحتل الرتبة 121 عالمياً في مؤشر "الفكر النقدي في التدريس". وهنا تكمن المفارقة: مدارس الريادة بتكريسها للنمذجة والتكرار، قد تحسن مهارات القراءة الآلية مؤقتاً، لكنها تعمق مأزق "الفكر النقدي". نحن ننتج تلاميذ منفذين في عالم يتطلب مبتكرين خاصة مع تكفل الذكاء الاصطناعي بعبء الإجراءات النمطية، مما يجعل الوعد بدخول نادي ال 60 مجرد سراب إحصائي ما دام الذكاء البشري مغيباً لصالح "البروتوكول". علاوة على ذلك، كشفت الهيئة الوطنية للتقييم أن نتائج الريادة تعود للدعم التربوي المكثف وليس للتعليم الصريح. هذا يعني أن المنظومة ستظل رهينة للمسكنات؛ فبمجرد غياب ساعات الدعم الإضافية، سينهار الهيكل، لأن التعلمات الفصلية الأصلية لم يلحقها أي تطوير حقيقي. سراب بيرلز 2026: الحقيقة الإحصائية المرة تعد الوزارة بمضاعفة نتائج تقييم بيرلز 2026. لكن الأرقام تكذب هذا الطموح؛ ففي اختبار بيرلز 2021 كانت نسبة التمكن من التعلمات الأساس 41%، لتهوي في سنة 2024 حسب بيانات الهيئة الوطنية للتقييم إلى 19% فقط. فكيف يمكن الحديث عن مضاعفة النتائج وهو ما وعدت به خارطة الطريق 2022-2026 ونحن وصلنا في منتصف الطريق إلى تراجع بنسبة 50%؟ إن التركيز على التدريس من أجل الاختبار قد يرفع النتائج ظرفياً، لكنه يضحي بالتعلم المستدام ويصنع وهماً رقمياً سرعان ما ينقشع. كي لا تصبح مدارس الريادة مقبرة للإصلاح الشامل إن مدارس الريادة، بطريقتها الحالية، لم تعد مجرد برنامج إصلاحي، بل أصبحت ثقباً أسودا ابتلع ميزانيات واهتمام الوزارة، مما أدى إلى شلل البرامج الأخرى المكونة لخارطة الطريق. لقد تم اختزال الإصلاح الشامل للمنظومة في تصور جزئي، مما يهدد بإفشال الرؤية الاستراتيجية برمتها. إن "النجاح" في إنتاج أرقام وردية قد يعني "الفشل" في بناء إنسان مبدع ومستقل. وإذا لم نعد الاعتبار للاستقلالية البيداغوجية ولمؤسسات التقييم الدستورية، فإننا لا نبني مدرسة للمستقبل، بل نشيد "معملاً للتعلمات الأساس" تنتهي صلاحية منتجاته بمجرد مغادرة أسوار الاختبار. لقد حان الوقت لإنقاذ الإصلاح الشامل من براثن "النجاح الرقمي" الخادع، والعودة إلى جوهر التعليم أي تحرير العقول لا تدجينها.