كشف تحقيق موسع نشرته صحيفة واشنطن بوست عن تفاصيل جديدة تتعلق بشبكة العلاقات الدولية للملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، مبرزاً دوره المزعوم ك"وسيط ظل" في قضايا سياسية وأمنية واقتصادية شملت أطرافاً في الشرق الأوسط وأوروبا. وبحسب التحقيق، الذي استند إلى مراسلات وسجلات إلكترونية مسرّبة، فإن نشاط إبستين لم يقتصر على الدوائر المالية، بل امتد ، وفق الوثائق، إلى محاولات للتأثير في ملفات جيوسياسية حساسة عبر قنوات غير رسمية وشخصيات نافذة، مشيراً إلى أنه اعتمد على أسلوب يقوم على "الهدايا، والمجاملات، وتسهيل الوصول" لبناء علاقات مع شخصيات من النخب السياسية والاقتصادية في عدد من الدول العربية.
وساطات بين قطرية والسعودية تشير الوثائق إلى أن إبستين كان على تواصل مع مسؤولين قطريين منذ عام ألفين واثني عشر على الأقل، بينهم رئيس الوزراء الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني، حيث ناقش مقترحات سياسية ومالية غير تقليدية تتعلق بإعادة تشكيل قنوات الحوار الإقليمي. كما تبرز مراسلات تعود إلى يوليو ألفين وسبعة عشر محاولات لإطلاق وساطة غير رسمية بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والقيادة القطرية، في سياق الأزمة الخليجية آنذاك، وذلك عبر الأكاديمي الكويتي أنس الرشيد، في محاولة لعقد لقاء مباشر لكسر الجمود الدبلوماسي. وتضيف الوثائق أن إبستين وصف هذه المبادرة في مراسلاته بأنها "خطوة جيدة"، رغم عدم تأكيد حدوث اللقاء فعلياً. اغتراف قطر بإسرائيل وبحسب التحقيق، قدّم إبستين مقترحات للجانب القطري تضمنت أفكاراً سياسية حساسة، من بينها بحث إمكانية اعتراف الدوحة بإسرائيل، وإنشاء صندوق دولي ضخم يُدار بالتنسيق مع الولاياتالمتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة لدعم "ضحايا الإرهاب" في غزة، إضافة إلى دعم آليات دولية للتحقيق في تمويل الإرهاب. وتؤكد الصحيفة أن هذه المقترحات بقيت في إطار المراسلات ولم تتحول إلى اتفاقات رسمية. إسرائيل تحرس كأس العالم في سياق آخر، يشير التحقيق إلى أن إبستين نسّق عام ألفين وثمانية عشر اجتماعاً في لندن بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك وحمد بن جاسم آل ثاني، بهدف الترويج لشركة التكنولوجيا الإسرائيلية الناشئة كاربين. وبحسب الوثائق، كان الهدف من المشروع تزويد قطر بتقنيات أمنية متقدمة، تشمل أنظمة مراقبة ومكافحة الطائرات المسيرة، استعداداً لتأمين بطولة كأس العالم ألفين واثنين وعشرين، قبل أن يتعثر المشروع لاحقاً لأسباب سياسية وتجارية. علاقات اقتصادية وتمويل مشاريع كبرى على الصعيد الاقتصادي، يكشف التحقيق عن علاقة بدأت عام ألفين وثمانية بين إبستين ورئيس مجلس إدارة شركة موانئ دبي العالمية السابق سلطان أحمد بن سليم. كما يورد التحقيق أن إبستين حاول عام ألفين وتسعة استخدام علاقاته مع السياسي البريطاني بيتر ماندلسون لدعم مشروع بوابة لندن المتعثر خلال الأزمة المالية العالمية، عبر طلب دعم حكومي بريطاني. ويضيف التقرير أن التحقيقات البريطانية فتحت لاحقاً ملفاً يتعلق بتسريبات معلومات حساسة، وهو ما أدى إلى تداعيات سياسية وإدارية داخل المؤسسات المعنية. اتصالات مع بانون وملفات حساسة كما أظهرت المراسلات تواصلاً بين إبستين ومستشار البيت الأبيض السابق ستيف بانون، حيث ناقشا ملفات تتعلق بالشرق الأوسط وشخصيات سياسية واقتصادية، من بينها رجل الأعمال جورج نادر، الذي ارتبط لاحقاً بقضايا جنائية في الولاياتالمتحدة. وتشير الوثائق إلى أن إبستين كان يمتلك معلومات حساسة متداولة في تلك الدوائر، بعضها مرتبط بملفات قضائية لاحقة. إرث مثير للجدل يُذكر أن جيفري إبستين عُثر عليه ميتاً داخل زنزانته في نيويورك عام ألفين وتسعة عشر أثناء انتظاره المحاكمة في قضايا اتجار بالبشر. وبحسب تحقيق واشنطن بوست، فإن الوثائق الجديدة – في حال صحتها – تعيد طرح أسئلة حول مدى امتداد نفوذ إبستين إلى شبكات القرار السياسي والاقتصادي الدولية، خارج إطار الجرائم التي حوكم من أجلها.