موسم الانتخابات بالباب.. وحروب التزكية اندلعت ولم يخمد أوارها بعد.. ومع نيرانها اشتعلت حملات انتخابية سابقة لأوانها في مشهد سوريالي لا يشبه سوى السيرك الذي فقد مروضه فجأة، فصارت وحوشه تتقافز فوق الحبال بلا ناظم ولا كبح… كل حزب بما أوتي من قدرة على الشقلبة البهلوانية يبشرنا بالخلاص، وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة الأرضية.. والحقيقة التي تفقأ العين هي أن الخلاص الوحيد المنشود في كواليسهم هو خلاصهم الشخصي.. خلاصهم من دكة الاحتياط القاتلة إلى كراسي النهش الوثيرة، حيث الغنائم تُقسم بعيدا عن صراخ الجياع. اختلط الميركاتو الشتوي بالصيفي في بورصة الوجوه، وضاعت بوصلة الانتماء في سوق نخاسة سياسي لا يعترف بالمبادئ بقدر ما يعترف بالصفقات.. أصبح تغيير اللون الحزبي في بلادنا أسرع من تغيير النوايا أو غسل الوجوه.. استقلالي يهرول تحت جنح الليل ليترشح باسم الأحرار، وعضو نازل من حزب النخلة العرشاني يكتشف فجأة حلاوة التقدم والاشتراكية بعد طول جفاء، وحركي يعود لحضنه الأول الاتحاد الدستوري بدموع التماسيح كأن شيئا لم يكن.. أما القادم من حزب التراكتور فقد استقبل استقبال الأبطال الفاتحين في قلعة إدريس لشكر، بينما الاتحادي التائب وجد ملاذه في حضن حزب اللامبة الإسلاموي لصاحبه بنكيران وإخوانه… مشهد عبثي يؤكد لنا أن اللحية والوردة يمكن أن يجتمعا في وليمة واحدة ويبتلعان ذات المرق، إذا كان الطبق هو الريع والمصلحة… تتصاعد مؤشرات الترشيح، ومعها تتضخم الشعارات يمينا ويسارا حتى ذابت الحدود الفاصلة بين الإيديولوجيات.. لم يعد هناك يمين يحمل فكرا ولا يسار يحمل قضية.. الحقيقة الفجة هي ما يلخصه المثل العامي في أبشع تجلياته: "تخلطات بكراع كلب"… المواطنون كعادتهم في كل محطة يتفرجون بذهول سلبي.. بقلوب كساها الصدأ من كثرة الخذلان، يراقبون أحزابا تستعد لنهش عظامهم وشيِّها على جمر الوعود الزائفة التي تصاغ في مكاتب مكيفة، بعيدا عن أزقة الصفيح والكاريانات وغبار الأسواق… وفي مفارقة سوداء تقطر دما، بينما يستعد الفقراء لمقاطعة شراء كبش الأضحية في العيد الكبير المطل علينا قريبا ..عجزا لا اختيارا، وانكسارا لا زهدا.. فإن مقاطعة الانتخابات أصبحت أمرا مفروغا منه… لم تعد المقاطعة موقفا سياسيا بقدر ما أصبحت طقسا جنائزيا متكررا لموت الثقة… نسبة المشاركة التي كانت دائما تتذيل القوائم العالمية، مرشحة هذا العام لتحقيق فوز تاريخي، لكن في اتجاه واحد، وهو الهبوط نحو القاع السحيق. الفراقشية والشناقة الجدد قادمون بخطط جهنمية، يتفوقون بها على أسلافهم في فنون السطو على الأمل وتجريف الأحلام… الفراقشية في أصلها الشعبي هم لصوص الأبقار والمواشي، لكن فراقشية السياسة اليوم يسرقون ما هو أغلى.. يسرقون سنوات العمر ومستقبل الأبناء.. إنها الحرب الشعواء المستمرة ضد الشعب، وبالأخص الفقراء الذين يمثلون الأغلبية الصامتة والمطحونة تحت رحى التضخم… حرب قائمة لا هدنة فيها ولا مفاوضات قريبة تلوح في أفقها لإيقاف النزيف الوطني… النار موقدة مستعرة.. جمرها يحرق أجساد الكادحين، بينما ينعم الفراقشية يستمتعون بدفئها، يتقاسمون الغنائم خلف جدران المقرات المزركشة بشعارات الكرامة والتنمية.. تلك الشعارات التي تحولت في أفواههم إلى تعاويذ لتخدير الضحايا قبل الذبح… في هذا البلد لا تسقط الجرة أبدا لتنكسر فوق رؤوس الفاسدين.. فرؤوسهم ليست كبقية الرؤوس، إنها قلاع محصنة بشبكة عنكبوتية من المصالح المتشابكة التي تحميهم من جاذبية الحساب.. حتى لو سُرب فسادهم بالصوت والصورة وظهروا في فيديوهات توثق تلبسهم بالجنح المفضوح، وهم يلوكون لغة "الإتش.. الإتش" المهينة والمقززة، كما جرى في تلك الجلسة السرية السيئة الذكر للمجلس الوطني للصحافة… حتى في تلك اللحظة التي تتعرى فيها الحقائق، تظل رؤوسهم مرفوعة بصلف، بينما تنكسر الجرة دائماً فوق أحلام المواطن المغلوب على أمره… على هامش هذا السيرك المقزز، يطل علينا محلل بائس يعوج فمه بوقار مصطنع في بلاتوهات التلفزة وقنوات اليويتوب، زاعما أنه يمتلك المفاتيح السحرية لقراءة المشهد الحزبي… يتحدث بنبرة الواثق.. لكنه يبدو كقارئ فنجان مكسور يحاول استبصار الغيب في بقايا تخت قهوة مغشوشة لا تمنح سوى الصداع.. قال المحلل الحرامي (من فعايله) في نبوءته الأخيرة إن حزب أخنوش الحمائمي، وحزب التراكتور الحديدي.. سيتلقيان عقابا انتخابيا عسيرا… وأن حزب الاستقلال سينال عقابا أخف وطأة في "ميزان" العقوبات الوهمي. يضحكني هذا المنطق المقلوب حد البكاء.. فالحقيقة التي يتهربون منها هي أنه لا أحد سيعاقب في هذا البلد سوى المواطنين.. وكأن ما ينالونه يوميا من سياط الزيادة في الأسعار التي لا ترحم، واهتراء المؤسسات الإدارية التي تشبه المتاهات الكافكاوية ليس عقابا!!! وكأن غياب التعليم الحقيقي الذي صار ترفا لا يطاله أولاد الفقراء كما أخبرنا ذات يوم مشهود الوزير عبد اللطيف وهبي.. وفشل إصلاح القضاء، وغياب سياسة حقيقية تنتشل الصحة العمومية من غرف الإنعاش… كل هذه الأثقال ليست عقابا سيزيفيا مستمرا؟؟!! عن أي عقاب انتخابي ورقي يتحدثون؟ الناس يعاقبون كل صباح حين يستيقظون على قهر الحاجة وعجز اليد.. إن كل هذه الأثقال التي تنوء بها كواهل المغاربة هي العقاب الحقيقي المستمر، عقاب يمارسه ناهبو المال العام وزمرة الفراقشية بدم بارد، بينما ينتظر المحللون صناديق الاقتراع ليقيسوا درجة العقاب الورقي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع… النارُ موقدة.. وبلهيبها يتدفأ به الفراقشية وينعمون، بينما نحن الأغلبية التي لا تملك سوى صمتها المطعون.. نحترق ببطء كشمعة وحيدة في مهب ريح عاتية… إنها الحرب الدائمة التي لا تسمع فيها أزيز طائرات، بل تسمع فيها أنين الجيوب الخاوية وصرخات القهر المكتومة في صدور الآباء المكسورين.. وفي غمرة هذا الوجع يطل علينا ذاك السياسي الكلمنجي ليبيع الأوهام للجماهير، واعدا إياهم بإعادة العمل ب "الساعة القانونية" وأي قانون يرتجى من سياسات خرقاء يقر أصحابها بأن ساعتهم التي فرضوا علينا ليست قانونية؟ إنهم يرفعون زورا شعار "دولة الحق والقانون"، إلا إذا كانوا يقصدون بالقانون تلك الآلة الموسيقية الشرقية العريقة.. ربما هم يمارسون التقاسيم على أوجاعنا، تيمنا بعازفنا الشهير الفنان المرحوم صالح الشرقي.. لكن شتان ما بين أنغام الشرقي التي تداوي الروح، وبين نشاز سياساتهم التي لا تتقن سوى العزف على جراحنا… في بيروت يسقط الركام فوق الرؤوس بفعل العدوان، وهنا في الخلفية السياسية يسقط الفساد والخذلان فوق الأحلام فيرديها قتيلة.. لا هدنة تلوح ولا مفاوضات قريبة ستعلن إيقاف هذه المذبحة الصامتة ضد الشعب… وكما قلنا يوما على رصيف آخر: "الموت قد يغير شكله، لكنه في النهاية يذوق نفس المذاق المر في حلوقنا جميعا". وبين محلل يعبد الأرقام الصماء وفراقشي يعبد الغنائم السائبة، يظل رأس المواطن هو الجرة التي يراد لها أن تنكسر في كل محطة لتمر القافلة بسلام… لكن هذا الشقي بذاكرته الحية وبرأسه الذي يرفض الانحناء، يرفض أن يسقط من حسابات التاريخ… نحن لسنا مجرد أرقام في صناديقكم، نحن آهة دامية عالقة في حلق الوقت، وذاكرة رعب لا يمحوها زهايمر السياسة والسياسيين.