في جانفي 2019، كنت في الرباط، لا بوصفها مجرد عاصمةٍ عربيةٍ أخرى، بل كمرآةٍ مشروخة تعكس وجهاً موازياً لتجربتنا التونسية في العدالة الانتقالية. مدينةٌ تقف على تخوم الذاكرة، حيث لا يعود الماضي ماضياً خالصاً، ولا يصير الحاضر بريئاً بما يكفي، كأن الزمن فيها لا يتقدّم بقدر ما يتردّد. هناك، في قاعة المؤتمر الدولي حول العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في الوطن العربي، وجدت نفسي أتحدث لا باسم فرد، بل باسم تجربةٍ مثقلةٍ بأسئلتها، تجربةٍ تتلمّس طريقها بين الحقيقة بوصفها واجباً أخلاقياً، والنسيان بوصفه إغراءً سياسياً، وبينهما مجتمعٌ يحاول أن يعيش دون أن يحسم علاقته بماضيه. قلت يومها إنّه لشرفٌ عظيم أن أتحدث عن هذه التجربة من بلد محمد شكري، ذاك الأديب الذي لم يكتب سيرته بقدر ما انتزعها من فم العدم، وتركها مفتوحةً كجرحٍ يتحدّى الالتئام. لم يكن استحضار شكري مجرّد استعارةٍ أدبية، بل محاولةً لردم مسافةٍ شاسعة بين شكلين من أشكال قول الحقيقة: حقيقة الأدب حين يتجرّد من كل وصاية، وحقيقة العدالة الانتقالية حين تُدار داخل شبكات السلطة وتحت سقف الممكن السياسي، حيث تُقاس الحقيقة لا بحدّتها بل بقدرتها على المرور. قلت إن تجارب العدالة الانتقالية، وعددها في العالم ست وأربعون، لا تتشابه إلا في شيءٍ واحد: أنها لا تتشابه. كل تجربةٍ تنحت لغتها الخاصة، وتفصّل ذاكرتها على قياس جراحها، كما فعل شكري حين رفض أن يستعير صوتاً غير صوته. غير أن الفارق الجوهري، كما أشرت، يكمن في علاقة كل منهما بالسياسة: فالعدالة الانتقالية لا تقوم إلا بها، بل هي جسدٌ لا حياة له دون روحٍ سياسية قد تمنحه المعنى أو تفرغه منه، بينما كان شكري، في نقائه الفطري، يرى في السياسة شكلاً من أشكال الزيف المنظّم، ويقابلها بسخريةٍ جارحة تكاد تكون موقفاً وجودياً، لا مجرّد رأي عابر. واستحضرت في ذلك مقالاً قديماً كتبته سنة 2004، في الذكرى الأولى لرحيله نشرته جريدة الشعب، بعنوان: "هل كان محمد شكري ناصرياً؟"، افتتحته بقولته اللافتة: "أن تلاعب قطيطة خير من أن تتحدث في السياسة"، تلك العبارة التي قالها لصديقيه الكاتب محمود معروف والصحفي عبد الصمد بن شريف تعليقاً على أحداث 11 سبتمبر. لم تكن جملةً عابرة، بل كانت، في عمقها، إعلان قطيعة مع خطابٍ يفسّر العالم بالشعارات، ويتغافل عن ألمه الحقيقي. ثم يضيف، وكأنه يناقض نفسه ليؤكدها: "رغم أنني لست محللاً سياسياً، فإن ما حدث هو نتيجة غطرسة السياسة الأمريكية"؛ كأن الهروب من السياسة لا يمنع الحقيقة من التسرّب. أنهيت مداخلتي، وعدت إلى مقعدي، وفي داخلي شيءٌ من الرضا المشوب بالارتياب: هل يمكن فعلاً أن تُقال الحقيقة داخل مؤسسة؟ أم أن كل حقيقةٍ تمرّ عبرها تُعاد صياغتها لتصبح أقل إزعاجاً وأكثر قابليةً للاستهلاك؟ هل تنجو الذاكرة حين تُؤطَّر، أم تفقد شيئاً من حدّتها كلما اقتربت من الاعتراف الرسمي؟ لكن ما لم أكن أتوقعه حدث في لحظة الاستراحة، وكأن الواقع قرر أن يجيبني بطريقته، لا بالحجج بل بالمصادفات. اقترب مني شابٌ يتقد حيوية، تسبقه ابتسامةٌ عريضة كأنها تعبر المسافة بين الغريب والأليف في لحظة واحدة. مدّ يده مصافحاً، وشكرني بحرارة على تلك المقاربة التي جمعت بين الأدب والسياسة والحقوق، ثم سألني، بنبرةٍ فيها شيءٌ من اللعب وشيءٌ من الاختبار: — هل تعلم من أنا؟ أجبته: لا. قال، وكأنه يُسدل ستار المفاجأة: — أنا عبد الصمد بن شريف. _ تشرفنا. في تلك اللحظة، لم تكن المفاجأة في الاسم فقط، بل في انكسار صورةٍ كاملةٍ كانت مستقرة في ذهني. كنت قد تخيّلته كهلاً، أو شيخاً على الأقل، فالرجل—في تصوري—ينتمي إلى زمن محمد شكري، ومن عاصر ذلك الزمن لا بد أن يحمل شيئاً من ثقله. هكذا رسمته: وجهٌ متعب، ذاكرةٌ مثقلة، وصوتٌ يأتي من مسافة بعيدة. لكن الذي كان أمامي كان نقيض ذلك تماماً. شابٌّ نابضٌ بالحياة، بعينين تلمعان كأنهما لم تتعبا بعد من الدهشة، وبجسدٍ خفيف كأنه لم يُرهق بحمل الذاكرة. للحظة، بدا لي أن الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل مادةٌ مرنة، يعيد كلّ واحدٍ تشكيلها على طريقته. ليس ما نعيشه هو ما يحددنا، بل كيف نعبره. هناك فهمت أن الزمن لا يُقاس بالسنوات، بل بطريقة العبور. فثمّة من يشيخ لأنه يراكم الزمن فوقه حتى يثقله، وثمّة من يظلّ شاباً لأنه يمرّ عبره دون أن يسمح له بأن يتحوّل إلى عبء. الذاكرة، في هذا المعنى، ليست ما نحمله، بل ما ننجح في ألا يحملنا. منذ تلك اللحظة، لم يعد اللقاء عابراً، بل تحوّل إلى ما يشبه الاختبار الحيّ لما كنت أتحدث عنه قبل قليل. كان كأن خيطاً خفياً قد نُسج بيننا، خيطاً يجمع بين الأدب بوصفه كتابةً للذات، والعدالة الانتقالية بوصفها كتابةً للتاريخ، وبينهما الإنسان وهو يحاول أن ينجو من الاثنين معاً: من سطوة ما عاش، ومن ثقل ما يُطلب منه أن يرويه. سرعان ما تحوّل التعارف إلى رفقة، والرفقة إلى رحلة. ذهبنا إلى طنجة، لا كسائحين، بل كمن يسير داخل نصّ لم يُغلق بعد. كانت المدينة تبدو كأنها لا تحتفظ بذكرى محمد شكري، بل تؤجّل غيابه. في طنجة، أخذني إلى مقهى محمد شكري، حيث كان يجلس ويكتب، إلى البيت الذي أقام فيه، إلى الحانة التي كان يرتادها، إلى الأزقة التي حفظت خطواته. لم تكن تلك الأماكن مجرد فضاءات، بل شواهد على طريقةٍ في الوجود: أن تعيش الهامش لا بوصفه نقصاً، بل بوصفه الحقيقة حين تُجرَّد من الزينة. كان عبد الصمد، بثقافته الواسعة وذاكرته المتقدة، يعيد سرد حياة شكري لا كوقائع، بل كاختيارات. الفقر لم يكن مجرد حالة، بل موقف من العالم. التمرّد لم يكن ردّ فعل، بل صيغة وجود. الكتابة لم تكن ترفاً، بل ضرورة، أشبه بمحاولة النجاة من العدم عبر اللغة. كان يتحدث وكأنه لا يستعيد الماضي، بل يعيد طرحه كسؤالٍ على الحاضر: ماذا يعني أن تقول الحقيقة؟ وهل الحقيقة ما نعيشه، أم ما نجرؤ على قوله؟ ومن يملك الحق في تحديد ذلك؟ وكنت أصغي، لا فقط لما يقوله، بل لما يتخفّى في نبرته: ذلك التوتر الدائم بين ما يُروى وما يُحجب، بين ما يُكتب وما يُترك خارج النص. هناك، بدأت أرى بوضوحٍ أكبر أن العدالة الانتقالية، مثل الأدب، ليست مجرد عملية كشف، بل أيضاً عملية اختيار: ماذا نُظهر؟ ماذا نُخفي؟ وأيّ حقيقةٍ يُسمح لها بأن تصير ذاكرةً مشتركة؟ في تلك الأزقة، وبين تلك الحكايات، بدا لي أن الفرق بين محمد شكري والعدالة الانتقالية ليس فقط في علاقتهما بالسياسة، بل في علاقتهما بالحقيقة نفسها. شكري كان يكتبها كما هي، حتى لو كانت فاضحة، جارحة، بلا سياقٍ يبررها. أما العدالة الانتقالية، فهي تكتب الحقيقة وهي تفاوضها، تُهذّبها، تُكيّفها، وأحياناً تُفرغها من حدّتها لكي تصبح قابلةً للحياة داخل المجال العام. هناك، في طنجة، فهمت أن الحقيقة ليست واحدة، بل لها مصائر. قد تكون صرخةً في كتاب، أو شهادةً في هيئة، أو مجرد همسٍ في ذاكرة فرد. وأن الصراع الحقيقي ليس بين الحقيقة والكذب، بل بين أشكال قول الحقيقة، بين من يملكها ومن يُعيد صياغتها. وحين عدت بذاكرتي إلى لحظة الرباط، أدركت أن ما قلته هناك لم يكن سوى بداية سؤال، لا جواباً. وأن اللقاء بعبد الصمد، والعبور عبر طنجة، لم يكونا صدفةً بقدر ما كانا امتداداً لذلك السؤال. بعض اللقاءات لا تحدث لكي نتعارف، بل لكي نعيد التفكير في ما نظن أننا نعرفه. وبعض المدن لا تُزار، بل تُقرأ. وبعض الصدف... ليست سوى الطريقة التي يكتب بها الزمن نصوصه الخفية. كاتب ومحامي –رئيس سابق للجنة التحكيم والمصالحة بهيئة الحقيقة والكرامة (2014-2018 في تونس