لم يكد يمر شهر واحد على خمود تلك الدعوات التي نبتت من عدم، تطالب المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة بالعودة لقيادة حزب الأصالة والمعاصرة الذي غادره سنة 2011، حتى تجددت الهرطقات الداعية إلى عودة صديق الملك إلى الحقل السياسي؛ وهذه المرة، ليس من بوابة الجرار المتهالك، بل من باب رئاسة الحكومة، في مقال نشره موقع "برلمان كوم" يبشر بإمكانية تولي الهمة منصب رئيس الحكومة المقبلة في إطار تحالف مع حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي. أكاد أجزم أن فؤاد عالي الهمة، لو حدث أن قرأ ما يُكتب عنه في الآونة الأخيرة في منابر مختلفة، فإنه حتماً سيضحك حتى الثمالة من تدني مستوى الصحافة التي أصبحت تنشر ما لا يمكن أن يخطر على عقل سويّ، وسيبكي، في الوقت ذاته، على الانحدار المريع في مستوى الفهم والتحليل السياسي الذي وصلنا إليه. إن هذا الاستقواء المتجدد بطيف المستشار الأول للملك، لا يعكس فقط إفلاس بعض النخب التي لم تعد تجد ما تبيعه لأطرها وللمغاربة سوى نوستالجيا "الهيبة" التي كان يجسّدها عالي الهمة ذات زمان، عندما خرج من المربع الملكي ليدخل معترك السياسة، بل يكشف أيضاً عن حالة من العجز الفكري التي جعلت البعض، في الآونة الأخيرة، يحاولون استنساخ تجارب الماضي لمواجهة تحديات وإكراهات المستقبل بوجوه غادرت الحلبة إلى غير رجعة.. فعوض أن يجتهد أصحاب أطروحة عودة الهمة في تشريح أسباب أزمة الأحزاب أو تقديم بدائل حقيقية للخروج من المستنقع الحالي، نراهم اليوم يبيعون الوهم للقواعد الحزبية ولباقي المغاربة، عبر استدعاء رجل غادر سفينة البام بملء إرادته منذ خمسة عشر عاماً، بعدما فهم أن مكانه الطبيعي يوجد خلف أسوار القصر، بعيداً عن لوثة السياسة التي كادت أن تحرقه في لحظة شرود عابر. غداة تأسيس الأصالة والمعاصرة سنة 2008، أجرت مجلة "نيشان" حواراً مطولاً مع فؤاد عالي الهمة، سألته فيه عن طبيعة علاقته بالملك ودواعي تأسيسه لحزب جديد.. وعندما استفسرته المجلة عن إمكانية قيادته للحكومة بعد انتخابات 2012، أجاب الهمة بوضوح أنه لا يملك أي طموحات شخصية، مؤكداً أنه لو كان يبحث عن منصب آخر، لما كان بحاجة لإطلاق حركة لكل الديمقراطيين، ولا للترشح في الرحامنة، ولا لتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، وأن كل ما يسعى إليه هو المساهمة في بناء مغرب جديد دون حاجة لتولي أي منصب مسؤولية.. لكن غزوة الجرار في استحقاقات صيف 2009 الجماعية، غيّرت شيئاً ما من قناعات الرجل، وبدا واضحاً وقتها أن حزب صديق الملك قد وضع نصب عينيه محطة 2012 لترؤس الحكومة، لولا عاصفة 20 فبراير 2011 التي حلّت بالمملكة عقب السقوط المدوّي للجنرال بن علي والفرعون مبارك، ليضطر الهمة حينها إلى التراجع خطوات للوراء، بعدما عاين الشارع وهو لا يكتفي بالمطالبة برحيل الحزب الذي أسسه، بل برحيله هو أيضاً عن المشهد السياسي برمته. أعتقد أنه لو قرر فؤاد عالي الهمة يوماً أن يكتب مذكراته، وهو ما لن يحدث في الغالب، فإنه سيُقرّ بأن تقديم استقالته للملك صيف 2007 للخروج من الداخلية والارتماء في أتون السياسة، كان خطأ استراتيجياً في مساره؛ وأنه أدرك في تلك السنوات الأربع التي كان خلالها الفاعل الأول في الحياة الحزبية، أنه أقحم نفسه في معترك لا يشبه طينته، وأن مكانه الطبيعي والمناسب هو مطبخ القصر الهادئ، وليس الواجهة التي تحرق الوجوه وتستنزف النفوذ. لقد تيقن الهمة، وهو يعاين ضجيج المشهد السياسي وارتدادات الشارع، أن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على التوجيه من خلف الستار، لا في الصراع على كراسي صغيرة داخل برلمان مهلهل وحكومة باهتة، ليعود في النهاية إلى مكتبه في الديوان الملكي برغبة من الملك محمد السادس، الذي انتشله من وحل السياسة ووضعه مجدداً بجانبه، في المكان الذي يناسبه. ثم هل ينسى، أو ربما هل يجهل أصحاب أطروحة عودة الهمة، وكأنه الرجل المنقذ L'homme providentiel، أنه في السنوات الخمس عشرة الماضية، انتقل ابن الرحامنة إلى مرتبة أخرى جعلت منه قطب الرحى الأساسي في بنية الدولة، وأنه إلى جانب مهامه كمستشار ومساعد مقرب من الجالس على العرش، بات يضطلع بأدوار تتجاوز بكثير منصب رئيس الحكومة؛ تبدأ من اشتغاله على الملفات الاستراتيجية الكبرى للمملكة، كقضية الصحراء التي يُعد مهندسها الحقيقي بعيداً عن أضواء مقر وزارة الخارجية المطل على شالة، وصولاً إلى ملفات أخرى شديدة الحساسية يتداخل فيها الأمني بالسياسي، في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد تبقى مفتوحة على جملة من التحولات، ما يجعل من كرسي رئاسة الحكومة، في نظر رجل بمكانة عالي الهمة، يبدو مجرد وظيفة تقنية ضيقة، أو قميصاً صغيراً لا يتسع لمقاس موقعه السيادي، وأقل شأناً من أن يغري من اعتاد تدبير الملفات الكبرى من داخل مكتبه بالقصر، بالنزول مجدداً لتمريغ صورته في رمال السياسة الحزبية، أو الانحناء لتصريف شؤون حكومة بلا صلاحيات حقيقية ولا جاذبية، لا تعدو أن تكون مجرد ديكور دستوري يؤتت المشهد. في تجمع انتخابي حاشد نظمه بمسقط رأسه ببن جرير، في يونيو 2009، هاجم الهمة، أمام الآلاف من الحاضرين، خصومه السياسيين وقال إنهم "غير كيخوّرو" و"كيرگعو".. لا أجد جواباً أبلغ من قوله هذا لأرد به على واهِمِي 2026 الذين ينتظرون عودة صديق الملك لركوب جرار نخر الصدأ محركه وترؤس حكومة باهتة وهزيلة. هؤلاء أيضاً "غير كيخوّرو" في قراءة موازين القوى داخل الدولة، و"غير كيرگعو" في حبك سيناريوهات تؤكد أنهم لم يفهموا شيئاً في كيمياء السلطة بالمغرب.