أغادر بيروت... وفي القلب منها شظية! ولا عجب! هذه مدينة لاتخطئ طريقها إلى قلب زائرها زمن السلم! فكيف وقد عشت ما عشت فيها زمن الحرب! **** وصلتُ إليها قبل ستة أسابيع تقريبًا. قبل اندلاع الحرب بساعات. توقيت سيء؟ لعله توقيت دقيق... ربما أكثر مما ينبغي!! لذلكلمأنزعجحينسألنيموظفالفندق،وقدسبقنيإلى الدهشة: – يا أخي عجيب! "وصلتم وبلشت الحرب... كيف عرفتو؟" أجبته: – لم نعرف... فقط توقعنا. المهم ألا تتطير بوجودنا! وأظنّه تطيّر... ولا ألومه. في تلك الليلة لم أنم تقريبا... فأصوات القصف كانت تصل إلى غرفتي... ولم أكن لحظتها قد وصلت إلى تلك المرحلة التي يمكن أن أصحو فيها على صوت انفجار ثم أعود للنوم بعد لحظات! ليس في الأمر ادعاء بطولة ولا شجاعة ! القصة كلها تدور حول التكيف والتعود وربما التبلد! هل تعرفون قصة ذلك الرجل الذي زار عرافة وسألها: – كيفستكونأوضاعيهذاالعام؟ – نظرت اليه بأسى وقالت: بائسة! – والعامالتالي؟ – نفس نظرة الاسى في عنينها والجواب نفسه. – والعامالذييليه؟ – هنا التمعت عيناها قالت: في العام الثالث ستكون في أفضل حال! – سأل بأمل: هذايعنيأنأحواليستتحسن؟ – أجابت لا.. ولكن ستكون قد تعودت!!! ( إن لم تضحك فاعلم أن الشيطان قد منعك) **** هذا ما حدث معي بالضبط! لم تتوقف الحرب ولكني تعودت عليها! أتذكر مقولة لا أذكر قائلها "أخطر ما تفعله الحروب... أنها تعلّمك كيف تعيش معها" ثم إنه ثمة قاعدة غير مكتوبة تقول: إن الرصاصة التي تقتلك لا تراها! وما دمت قد سمعت صوت الغارة فهذا يعني أنك نجوت! فلا تجزع! وقد سمعت كثيرا! ***** هكذا استقبلتي بيروت في ليلتي الأولى! وعلى حالها هذا ودعتني بعد خمس وثلاثين ليلة لم يتغير فيها شيء تقريبا سوى أن كثافة القصف زادت ومعه حجم الخراب والدمار والألم! لم تكن هذه الحرب الأولى التي أغطي! فلطالما توجهت إلى مناطق يفر منها الناس! لكن الأمر هذه المرة كان ثقيلا وموجعا! فهذه بيروت! ليست مدينةً نتعرف عليها في نشرات الأخبار، بل جزءا من ذاكرتنا ووعينا الجماعي! الضاحية، برج البراجنة، حارة حريك، صبرا وشاتيلا، جمهورية الفاكهاني... هذه ليست مجرد أسماء أمكنة.. بل طبقات من ذاكرة موجوعة.. ودعك يا صاح من "وجه البحار القديم" و" بريد بيروت" و "أيلول الحزين الذي بلل الجريدة".. هذه رومانسية الحرب لا تفعل اكثر من تجميل المأساة. أما الواقع فيقول إن هذه مدينة مجروحة وهي تعرف تماما من يصبون الملح على جراحاتها! ***** ألتقي فاطمة، ابنة الضاحية التي نزحت... حالها حال مليون ومائتي الف شخص! تقول لي: لا نحب الحرب..لكنها فرضت علينا...ونحن مستعدون لدفع الثمن اللازم "كرمال المقاومة"! يرن جرس العبارة في أذني طويلا... " كرمال المقاومة" ... سأسمع هذه العبارة مرات كثيرة من نازحين فقدوا كل شيء تقريبا! "كرمال المقاومة"! ومنهم من يزيد "هيهات منا الذلة!" لكن فاطمة ليست بخير تماما! فهذه هي المرة الثالثة التي تنزح في بضع سنين! أماأسرتهاالتيتعيشفيالجنوب،فقدرفضتالنزوح! وهي تعيش على وقع القصف والتهديد كل يوم! "كل شيء يهون من أجل المقاومة!" تردد فاطمة بعزم لا يلين وهي تقدم لي عسلا وشراب رمان ولوزا أخضرا أحضرته من ضيعة أهلها في الجنوب! كرم أهل الجنوب حتى في زمن الحرب! **** مابين مشارف الضاحية ومخيمات النازحين قضيت معظم أيامي في بيروت. كنت أعود إلى الفندق للنوم فقط! لكن بيروت التي خبرت الحروب لم تكن لتستسلم بسرعة! على بُعد كيلومترات قليلة من الضاحية، في الداونتاون، كانت بيروت تمارس حياتها كأنها مدينة أخرى. مطاعم ومقاهي وموسيقى خفيفة...لا يقطعها سوى اصوات القصف بين الفينة والأخرى. "في بيروت، يمكنك أن تطلب قهوة... على بُعد دقيقةٍ من نهاية العالم " تقول لي كلارا. وكلارا هي مسيحية شديدة الإيمان... ومؤيدة لحزب الله. – تناقض؟ – فقط إذا كنت تنظر من بعيد. من يعرف لبنان يعرف أن كلارا ليست استثناءا. قالت لي: – أتعرف: لقد بكيت يوم استشهاد السيد. والسيد في هذا السياق هو لقب يطلق على الامين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله ثم أضافت بسرعة: لكني الان خائفة... يمكن أن أقول إني مرعوبة!! سألتها: مم؟ قالت: – أن نعود لنقتل بعضنا. خيم صمت ثقيل! فهذه العبارة ليست تحليلا سياسيا، بل ذاكرة مثقلة بالندوب! وكلارا وإن لم تشهد بنفسها الحرب الأهلية فقد سمعت الكثير عنها، وبعض آثارها يرى في بيروت. – أسألهالماذاتتوقعينالأسوأ؟ – تقول : انت لا تعرف حجم الانقسام في لبنان. في هذه الحرب بالضبط كثيرون ناقمون على حزب الله . والأوات( تقصد حزب القوات اللبنانية) مستعدون لفعل كل شيء لإنهاء قوة حزب الله وهم يعتقدون أن هذه هي فرصتهم. أدرك مخاوفها. وأعلم أن حزب الله دخل المعركة " وحيدا" تقريبا في مواجهة الجميع. وقراره بالحرب أثار امتعاض كثيرين ! لكن الوضع في الميدان غير كثيرا من المواقف! خاصة مع أداء عسكري فاجأ الاحتلال الذي خفض سقف توقعاته كثيرا تحت وطأة ضربات المقاومة، وفاجأ الداخل! قلت لها كلاما لم يبدد كل مخاوفها بالكامل. لكنها تثق برؤيتي للأمور كما تقول. لعل في ذلك ما يخفف بعضا من قلقها. ***** في التغطية تصلني رسائل كثيرة... معظمها تحفني بالدعوات الطيبة. ممن اعرف وممن لا اعرف. هذه الدعوات تجد طريقها إلى القلب مباشرة! في الليل حين يشتد القصف اكون عادة على مشارف الضاحية، وقد صادف أن سقطت صواريخ خلفنا اثناء المقابلات المباشرة. يبدو المشهد مرعبا لأسرنا ولأحبائنا... وأسأل هل هي أنانية منا أن نتسبب لهم في كل هذا القلق! لكن أتذكر أن الأمر لا يتعلق فقط بالمهنة بل بتاريخ يكتب، وأنا أوجد حيث يجب أن أكون. *** الان وقد انتهت هذه الرحلة... وأنا أغادر بيروت.. لا أقدر أن أقول أن كل شيء انتهى... فهذه مدينة لا تمنحك الخيار... لا تغادرك وإن غادرتها.