قالت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحية تحليلية إن السياسات العسكرية التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران أدت إلى إضعاف موقع الولاياتالمتحدة على الساحة الدولية، معتبرة أن الحرب التي أُطلقت ضد طهران في فبراير الماضي ترتب عنها سلسلة من الانتكاسات الاستراتيجية والسياسية والعسكرية لواشنطن. وأشارت الصحيفة إلى أن قرار ترامب بشن الهجوم على إيران تم دون الحصول على موافقة الكونغرس أو دعم واسع من الحلفاء، واصفة التبريرات المقدمة آنذاك بأنها متناقضة وغير مقنعة، ومقارنة ذلك بتجارب أمريكية سابقة في العراق وأفغانستان.
وأضافت أن الأسابيع التي تلت بدء العمليات كشفت، بحسب تعبيرها، عن اعتماد مفرط على التقديرات الشخصية في اتخاذ القرار العسكري بدل التخطيط المؤسسي، مشيرة إلى أن بعض التوقعات التي رافقت القرار، بما فيها رهانات على انتفاضة داخلية في إيران، قوبلت بالرفض داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية. وبحسب الافتتاحية، فإن غياب خطة متماسكة للتعامل مع احتمالات التصعيد الإقليمي، خصوصا ما يتعلق بإمكان إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، شكل أحد أبرز مظاهر القصور في إدارة العمليات. كما انتقدت الصحيفة عدم وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع ملف اليورانيوم المخصب الإيراني بعد العمليات العسكرية. وأوضحت نيويورك تايمز أن التصعيد بلغ ذروته بعد تصريحات نُسبت إلى ترامب تضمنت تهديدات شديدة اللهجة تجاه إيران، قبل أن يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار اعتبرته الافتتاحية غير مكتمل النتائج ولم يحقق الأهداف المعلنة للعملية العسكرية. وفي سياق متصل، أشارت الصحيفة إلى أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية رفض بعض التقديرات المتفائلة بشأن إسقاط النظام الإيراني، في مقابل رؤى أكثر تشككا داخل أجهزة الأمن الأمريكية. أربع انتكاسات رئيسية وقدمت الافتتاحية أربع نتائج رئيسية اعتبرتها انعكاسا مباشرا للحرب على المصالح الأمريكية. أولا، رأت أن الحرب عززت من نفوذ إيران على أحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر اضطرابات في حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية، ما منح طهران ورقة ضغط اقتصادية ودبلوماسية غير مسبوقة. ثانيا، أشارت إلى تراجع في الجاهزية العسكرية الأمريكية نتيجة استنزاف مخزونات الذخائر والصواريخ خلال العمليات، إلى جانب دعم واشنطن لجبهات متعددة في أوكرانيا والشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى ضغوط على القدرات العسكرية الأمريكية. كما لفتت إلى ما اعتبرته تحولا في طبيعة المواجهة العسكرية الحديثة، حيث واجهت الولاياتالمتحدة أساليب منخفضة الكلفة تعتمد على الطائرات المسيرة مقابل منظومات أمريكية باهظة الثمن، الأمر الذي أثار تساؤلات داخل دوائر عسكرية حول الحاجة إلى تحديث العقيدة الدفاعية. ثالثا، اعتبرت الافتتاحية أن الحرب عمقت التوتر مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن دولا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وكندا وأستراليا وعددا من الدول الأوروبية لم تُبد دعما كافيا للعمليات العسكرية، وهو ما انعكس سلبا على تماسك التحالفات الغربية. وربطت الافتتاحية هذا الموقف بتراجع الثقة في القيادة الأمريكية، حيث بدأت بعض الدول في تعزيز تعاونها البيني بعيدا عن واشنطن تحسبا لسياسات مستقبلية غير مستقرة. رابعا، تحدثت الصحيفة عن ما وصفته بتآكل السلطة الأخلاقية للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الخطاب السياسي المرافق للحرب، بما في ذلك تهديدات بتدمير إيران، ساهم في الإضرار بصورة واشنطن كقوة ديمقراطية عالمية. كما نقلت عن وزير الدفاع الأمريكي بيب هيغسيث تصريحات اعتبرتها الافتتاحية تصعيدية، مشيرة إلى أن هذا النهج يتناقض، بحسب الصحيفة، مع المعايير التي تبنتها الولاياتالمتحدة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي المقابل، شددت نيويورك تايمز على أن إيران، رغم الانتقادات الحادة لسلوكها الإقليمي، استفادت من تداعيات الحرب عبر تعزيز بعض أوراق الضغط الإقليمية، بما في ذلك ملف الملاحة في الخليج. كما أشارت إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع باتجاه قراءة متفائلة لنتائج الضربات، إلا أن بعض التقديرات الاستخباراتية الأمريكية كانت أكثر تحفظا. واختتمت الافتتاحية بالقول إن مجموع هذه التطورات يعكس، من وجهة نظرها، تحولا في موازين القوة الدولية، حيث لم تعد الولاياتالمتحدة قادرة على فرض نتائج حاسمة في النزاعات العسكرية كما في السابق، في ظل تراجع الدعم الدولي وتزايد كلفة التدخلات العسكرية.