هل يراد إخضاع هيئات المحامين لوصاية السلطة التنفيذية؟ قراءة نقدية في مشروع القانون 23. 66 على ضوء دستور 2011 ومكتسبات قرن من النضال المهني لم تكن المحاماة في المغرب يوما مهنة عادية. بل لقد ولدت من رحم مقاومة الظلم والاستبداد، ونضجت في حضن الدفاع عن الحقوق والحريات، وترسخت كركن أساسي في منظومة العدالة. ومنذ ما يزيد عن قرن، راكمت هذه المهنة في المغرب تقاليد راسخة في الاستقلال الذاتي، والتدبير المهني الحر، بعيدا عن أي وصاية تنفيذية مباشرة. ولاستقلال هنا مؤسساتي؛ وظيفي وبنيوي. وهو ما يعني أن المحاماة يجب أن تكون بمنأى عن التأثير أي سلطة من السلط. لان المحامي لا يخضع إلا للقانون ولضميره. القانون رقم 08.28 المؤرخ في 20 أكتوبر 2008 لم يمنح هيئات المحامين امتيازا، بل كرس مبدأ أمميا جوهريا: الاستقلال المهني تحت رقابة القضاء. فالهيئات تدبر اليوم شؤونها الداخلية باستقلال، وتبلغ مقرراتها إلى الوكيل العام للملك بصفته صاحب الصفة في الطعن عند وجود خرق للقانون (مع بدعة الفقرة الأخيرة من المادة 77 من المشروع التي تعطي الصلاحية للوكيل العام في إحالة ملف "جرائم الجلسات" مباشرة على غرفة المشورة بدون طعن عندما لا يتخذ النقيب أي قرار داخل أجل 15 يوما)، أي أن الرقابة على عمل الهيئات رقابة قضائية، لا إدارية. وهذا فرق جوهري بين دولة قانون تحكمها المؤسسات، ودولة وصاية تحكمها الإدارة. إلا أن مشروع القانون رقم 23.66 جاء اليوم ليقلب المعادلة رأسا على عقب. فباسم "السلطة الحكومية المكلفة بالعدل" -وهو توصيف إداري لوزير العدل – تمنح للسلطة التنفيذية صلاحيات واسعة تمس جوهر التنظيم المهني للمحامين، كما يتضح من مواد متعددة من بينها 7، 8، 18، 19، 23، 25، 28، 35، 39، 40.... وهذه المواد لا تكتفي بالتنسيق أو الإشراف التقني، بل تكرس تدخلا مباشرا في مجالات كانت إلى اليوم من صميم الاختصاص الذاتي للهيئات. لابد ن التذكير بأن دستور 30 يوليوز 2011 لم يكن مجرد تعديل شكلي، بل لحظة تأسيسية أعادت رسم ملامح التوازن بين السلط حيث صار استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية مبدأ دستوريا صريحا. كما صار استقلال النيابة العامة سنة 2017 خطوة أخرى في الاتجاه نفسه: تقليص يد السلطة التنفيذية عن منظومة العدالة. فكيف يعقل – في هذا السياق التاريخي – أن يحاول وزير العدل الدخول من النافذة المهنية بعد أن خرج من الباب القضائي؟ مع العلم بأن المحاماة ليست مرفقا إداريا تابعا للوزارة وليست جهازا مساعدا للسلطة التنفيذية بل إنها شريك دستوري في تحقيق العدالة، وذراع المجتمع في مواجهة السلطة، حين يلزم الأمر وكل تدخل تنفيذي مباشر في تدبير شؤونها، أو في مسارات التسجيل والتأديب والتنظيم، يطرح سؤالا خطيرا: هل نحن بصدد إعادة هندسة ميزان القوى داخل منظومة العدالة لصالح السلطة التنفيذية بإضعاف مهنة المحاماة والمحامين؟. فالمحامون لا يمتثلون إلا للقانون، ولا يتلقون أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضعون لأي ضغط. فكيف لنا ضمان استقلالهم إذا كان كانوا خاضعين لإشراف السلطة التنفيذية؟. وإذا كان المحامون يمارسون الدفاع ويواجهون الإدارة ويطعنون في قرارات السلطة التنفيذية ويدافعون عن الافراد في مواجهة الدولة وإذا كانت السلطة التنفيذية طرفا محتملا في النزاع، فلا يمكن أن تكون في الوقت ذاته سلطة وصاية على المدافع في ذلك النزاع. وهنا يظهر التعارض البنيوي. وباستقراء المواد 7، 8، 18، 19على سبيل المثال لا الحصر فإننا نسجل تدخل السلطة الحكومية في التكوين والولوج والتسجيل والتأديب مع العلم بأن التدخل في التكوين والولوج والتسجيل والتأديب ليس مجرد مسألة إدارية، بل هو تحكم في بنية الجسم المهني؛ وتأثير في استقلاليته المستقبلية؛ وإمكانية التأثير غير المباشر في توازن القوى داخل العدالة. أما إذا أصبحت السلطة التنفيذية صاحبة سلطة تقريرية في هذه المجالات، فإنها تصبح قادرة نظريا على التأثير في تركيبة المهنة؛ وإضعاف أصوات معينة؛ وخلق مناخ تبعية غير مباشر. كما أعطى وزير العدل لنفسه في هذا المشروع صلاحية الترخيص بقرار إداري لمكاتب المحاماة الأجنبية لممارسة مهنة المحاماة بالمغرب (المادة 35). هذه المادة تمنح السلطة التنفيذية سلطة التدخل في الشؤون الداخلية للهيئات وتمنح لوزير العدل سلطة تقريرية في هندسة السوق المهنية؛ وإدخال فاعلين أجانب وإعادة تشكيل التوازن الداخلي. وهذا يمس الاستقلال التنظيمي والاقتصادي للمهنة، ويجعلها عرضة لتوجيهات أو اعتبارات سياسية أو اقتصادية تنفيذية. أما تدخل السلطة الحكومة المكلفة بالعدل في تحديد ونشر قائمة المقبولين للترافع أمام محكمة النقض (المواد 39 و40) فهذا الأمر غير مفهوم أيضا باعتبار أن اللائحة كانت تعد من قبل الهيئات وترسل الى محكمة النقض والى الوكيل العام للملك صاحب الصفة في الطعن إذا تبث له بأن أحد المحامين الوارد اسمه في اللائحة لم يستوف بعد الشروط الذي يلزم بها القانون. ومن جهة أخرى فقد أعطت "السلطة الحكومية المكلفة بالعدل" لنفسها حق التوقيف الإداري للمحامي الطالب أو الممارس – الذي هو ليس بموظف – في حالة المتابعة الزجرية (المادة 88) وهذه الصلاحية تثير إشكالين دستوريين: المساس بقرينة البراءة لأن التوقيف قبل صدور حكم نهائي يمثل جزاء سابقا للإدانة الى جانب المساس باستقلال التدبير الذاتي والتنظيم التأديبي الذي يجب أن يكون مهنيا داخليا؛ أو قضائيا؛ لا تنفيذيا. واسندت لمدير المعهد (المادة 83) صلاحية متابعة المحامي الطالب ويتم البت في المتابعة من قبل لجنة تتألف من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل او من يمثلها رئيسا ومن ثلاثة مكونين بالمعهد تعينهم السلطة المكلفة بالعدل ومن ممثل فوج الطلبة يتم انتخابه من لدنهم. كما أصبحت "السلطة الحكومة المكلفة بالعدل" تتدخل حتى في التأديب (المادة 91) حيث تنشر العقوبة الإضافية بالتوقيف أو عقوبة التشطيب بالموقع الالكتروني لوزارة العدل وتتدخل حتى في النظام الداخلي (المادة 133) ويلاحظ من خلال هذه الأمثلة – وغيرها كثير – بأن تراكم الصلاحيات التي منحت بمقتضى المشروع للسلطة التنفيذية داخل المجال المهني مهولة وتضرب استقلال المحاماة في مقتل لأنه عندما تجتمع لدى الوزارة سلطة تنظيم التكوين وسلطة التدخل في الولوج؛ وسلطة التدخل في التسجيل؛ وسلطة التوقيف؛ وسلطة الترخيص الدولي؛ وسلطة نشر الجداول المهنية؛ فإننا نصبح أمام إعادة تموضع للسلطة التنفيذية داخل منظومة العدالة. المشروع الذي صيغ بمزاجية مفرطة يسيء ليس فقط للمحاماة بالمغرب بل للمغرب برمته لأنه لا يعقل أن تدار شؤون المحامي المهنية بإرادة وزير، حيث لن يكون هذا المحامي في موقع الندية حين يكون خائفا يترافع ضد الإدارة. المحامي الذي يخشى السلطة التنفيذية لا يستطيع أن يواجهها. تنص المواثيق الدولية، وعلى رأسها مبادئ الأممالمتحدة الأساسية بشأن دور المحامين (هافانا 1990)، صراحة على ضرورة تمتع المحامين وهيئاتهم بالاستقلال الذاتي بعيدا عن أي تدخل غير مبرر. كما تؤكد أن التنظيم المهني يجب أن يتم من داخل المهنة نفسها، وأن تكون أي رقابة ذات طبيعة قضائية لا إدارية. كما أن الحقوق المكتسبة ليست عبئا كما يعتقد البعض بل ذاكرة مؤسساتية على امتداد قرن من الزمن، راكمت خلالها المحاماة بالمغرب تقاليد راسخة في التسيير الذاتي. وقد صمدت هذه التقاليد في فترات أكثر صعوبة سياسيا من المرحلة الحالية. ولا يمكن اعتبار المساس بها اليوم، ولو تحت غطاء "التحديث" أو "إعادة التنظيم" تطويرا، بل يخشى أن يكون ارتدادا. إن مشروع القانون 23.66، بصيغته الحالية، يثير مخاوف مشروعة حول مستقبل استقلال المحاماة بالمغرب. وإذا كانت السلطة القضائية قد تحررت من الوصاية التنفيذية، فليس من المنطقي أن تصبح المحاماة في دائرة الإشراف الإداري. إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس مواجهة بين المحامين والدولة، بل دفاع عن دولة القانون نفسها. والتاريخ يعلمنا أن العدالة التي تفقد استقلال محاميها، تبدأ في فقدان توازنها. والمطلوب اليوم ليس نصا يقيد المهنة، بل قانونا يكرس استقلالها ويحصنها دستوريا، احتراما لقرن من التراكم، وصونا لحق المواطن في دفاع حر ومستقل. ومن المؤسف أن تعبر منظمات وجمعيات دولية مرموقة، من قبيل الاتحاد الدولي للمحامين، والمجلس الأعلى لهيئات المحامين بفرنسا، واتحاد المحامين العرب، إلى جانب هيئات وجمعيات وطنية ودولية أخرى، عن انشغالها وتنديدها ببعض مقتضيات هذا المشروع، لما قد يترتب عنها من آثار تمس بمكانة مهنة المحاماة بالمغرب واستقلاليتها. ومن المؤسف كذلك أن يجد المحامون أنفسهم مضطرين إلى خوض إضراب عن تقديم خدماتهم لأسابيع، بما لذلك من انعكاسات على سير العدالة ومصالح المتقاضين، قبل أن يعلق هذا الاضراب إثر تدخل من رئيس الحكومة. ونأمل أن تتم مراجعة هذا المشروع مراجعة جذرية، لا شكلية، بمشاركة مهنيين ومتخصصين وحقوقيين، بما يضمن تجويده وتعزيز انسجامه مع الضمانات الدستورية وأسس استقلال المهنة. -دكتور في الحقوق