لا يثير مشروع القانون رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة الجدل فقط بسبب ما يقترحه من تعديلات تقنية على مسار الولوج إلى المهنة، بل أساسا بسبب ما يكشفه من تصور اختزالي لوظيفة المحاماة، ومن نزوع واضح نحو إفراغها من مضمونها المؤسساتي والدستوري تحت غطاء "الإصلاح" و"التجويد". فبدل الانطلاق من تشخيص هادئ لاختلالات الممارسة المهنية، وبحث سبل تطوير التكوين مع احترام خصوصية المهنة واستقلالها، اختار المشروع مقاربة إقصائية وانتقائية، تجعل من الولوج إلى المحاماة مسارا شاقا ومعقدا، تحكمه الشهادة الأكاديمية والتمركز الجغرافي، أكثر مما تحكمه الكفاءة والاستحقاق. إن اشتراط شهادة الماستر لولوج معهد تكوين المحامين يشكل، في جوهره، حاجزا طبقيا وأكاديميا لا سند له من منطق التأهيل المهني. فالتجربة المغربية، كما المقارنات الدولية، تثبت أن جوهر تكوين المحامي لا يختزل في الشهادة الجامعية، بل يبنى داخل فضاءات الممارسة: في المكاتب، وفي المحاكم، ومن خلال الاحتكاك اليومي بقضايا الناس. ومع ذلك، يصر المشروع على إقصاء آلاف خريجي الإجازة، وكأنهم مواطنون من درجة ثانية في الولوج إلى المهن القانونية. ويزداد هذا الإقصاء حدة حين يقترن بتحديد عدد هزيل للمستفيدين من التكوين لا يتجاوز 150 طالبا سنويا، دون أي سند ديموغرافي أو مهني معلن. رقم اعتباطي، لا يراعي واقع كليات الحقوق، ولا حاجيات الهيئات، ولا دينامية المجتمع، ويحول الولوج إلى المهنة من حق منظم إلى امتياز نادر. والأسوأ من ذلك، أن هذا التحديد يتم داخل معهد مركزي واحد، ما يجعل الموقع الجغرافي والقدرة المادية عنصرين حاسمين في تقرير المصير المهني، في تعارض صارخ مع مبدأ العدالة المجالية. ولا يقل خطورة عن ذلك استحداث وضعية "الطالب المحامي"، وهي وضعية قانونية هجينة، لا تنتمي إلى الجامعة ولا إلى الهيئة، ولا تخضع لنظام تأديبي واضح، لكنها في المقابل تتحمل تبعات مسار تكويني وامتحانات مصيرية. إننا أمام فراغ قانوني مقصود، يفرغ الهيئات المهنية من دورها الطبيعي، ويجعل التكوين منفصلا عن الجهة التي تتحمل لاحقا مسؤولية الممارسة والانضباط والأخلاقيات. ويبلغ هذا المنحى ذروته حين يقصى النقباء ومجالس الهيئات من الأدوار الحاسمة المرتبطة بالاختيار والتكوين والتقييم، لفائدة معهد واحد يدار بمنطق إداري مركزي، وتسند رئاسته إلى قاض. هنا لا نتحدث فقط عن اختلال تنظيمي، بل عن مساس مباشر باستقلال مهنة المحاماة، وعن خلط خطير بين وظيفة الدفاع ووظيفة الحكم. فالمحاماة ليست مرفقا تابعا للسلطة القضائية، ولا يجوز إخضاع تكوينها لمنطقها، مهما كانت النوايا المعلنة. أما المسار التكويني المقترح، فهو أقرب إلى متاهة بيروقراطية طويلة النفس، تمتد لثلاث أو أربع سنوات، وتتخللها تكوينات متكررة وامتحانات إقصائية، قد تنتهي بالتشطيب النهائي بعد استنزاف زمني ومهني كامل، دون أي ضمان للنتيجة. وهو مسار يعيد منطق الامتحان البعدي الذي سبق للمشرع أن تخلى عنه، ويقوض مبدأ الأمن القانوني، ويجعل مستقبل المتمرن رهينا بقرارات مؤسسات لا تتحمل وحدها تبعاتها. إن الخطر الحقيقي في هذا المشروع لا يكمن فقط في مقتضياته الجزئية، بل في فلسفته العامة: فلسفة التضييق بدل التنظيم، والمركزية بدل التشارك، والإقصاء بدل الإدماج. وهي فلسفة، إن استمرت، ستقود حتما إلى شيخوخة مهنية ممنهجة، وإضعاف المكاتب الصغرى والمتوسطة، وتقليص دور المحاماة كقوة اقتراح ودفاع داخل المجتمع. إن إصلاح مهنة المحاماة لا يكون بتجفيف منابعها البشرية، ولا بتهميش هيئاتها، ولا بإخضاعها لمنطق سلطوي مقنع. الإصلاح الحقيقي يمر عبر إشراك فعلي للمهنة في تقرير مصيرها، واحترام استقلالها، وضمان ولوج عادل ومتوازن إليها، بما يحفظ للمحاماة مكانتها الدستورية، لا كمهنة نخبوية مغلقة، بل كمؤسسة حية في خدمة العدالة والمجتمع. -دكتور في الحقوق