منذ اندلاع حرب إيران مع التحالف الصهيو- أمريكي، والشعوب العربية والإسلامية في حيرة من أمرها؛ بين أن تساند إيران "المسلمة"، ضد العدو الجذري للأمة، وحليفه الأمريكي، أو تلتزم الصمت، وتتفرج على هذه الحرب وكأنها تدور في كوكب آخر، أو زمن آخر غير زماننا. فاختارت غالبية الشعوب الحياد الفعلي والميداني في هذه الحرب؛ لا مظاهرات، لا مساندات، لا مساعدات عينية، لا تعبئة جماهيرية، ولا شيء من علامات النُّصرة من نظير ما كان من الهبَّات التي لم تتوقف يوما لمساندة الجريحة غزة الأبية، وإن كان الغالبية العظمى من المسلمين يميلون، عاطفيا، إلى مساندة إيران التي يرون فيها قوة إقليمية أربكت العديد من المخططات الصهيو-أمريكية في المنطقة، أو على الأقل "فرملتها"، ناهيك عن مساندتها اللامشروطة، لغزةوفلسطين يوم تنحى العالم الرسمي جانب الحائط يتفرج على جرائم الإبادة التي يقترفها الصهاينة في البلاد المباركة. فقدمت، من أجل ذلك، الثمن باهظا في قياداتها، وجنودها، وحلفائها في المنطقة (لبنان، اليمن، العراق)، دون أن يرِفَّ لها جَفْن. فكان الميل النفسي والعاطفي إلى المعسكر الفارسي ضد المعسكر الصهيو-أمريكي، تحصيل حاصل أن يقع نظيره عند كل عربي ومسلم وحر، يتابع مآلات الصراع المحتملة، بالعاطفة لا بالعقل والخبرة. لذلك مال أغلب من اختار هذا الانحياز إلى حصر الموقف من هذه الحرب في موقفين لا ثالث لهما؛ الموقف المساند، والموقف الصامت المتفرج، والذي تمثله الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية والإسلامية! بيد أن لنا رأيا آخر خلاف ذلك، نعتقده، ونعتبره موقفا ثالثا، تفرضه علينا السياسة، والدين، والعقيدة، وكذلك الجيوستراتيجية. وهذا الموقف، خلاف موقف الفريقين، يستحضر "اليوم التالي" للمعركة الدائرة الآن، وللصراع الحضاري الأبدي بين الامة الإسلامية والغرب، عموما. وينطلق من منطلق أن كلا من إسرائيل، وأمريكا، وإيران، هي دول ذات نزعات استعمارية. فخروج أي منها منتصرا في هذه المعركة، ومن الصراع عموما، يعني تمددا جغرافيا، جيوستراتيجيا، وعقائديا، لن يتوقف حتى يحيل المنطقة إلى لونه العقدي، والإثني، والثقافي. فانتصار المعسكر الصهيو- أمريكي ليس أفظع من انتصار المعسكر الفارسي، الشيعي، الرافضي الذي يُعِدُّ للأمة الإسلامية، منذ عقود، عُدة الإخضاع، عبر نشر ضلالات التشيع في المجتمعات الإسلامية من طنجة إلى جاكارتا. وهو الهدف الاستراتيجي الثاوي خلف كل الحراك الذي تخوضه إيران في خلال مناوشاتها العسكرية مع إسرائيل، واليوم مع أمريكا. فليس سواد عيون فلسطين، أو أهلها من أهل السنة، أو مقاومتها الإسلامية السنية (حماس والجهاد)، من يحرك هذا المارد الأسود الذي يوشك أن ينطلق من قمقمه، ليحتل العالم الإسلامي، ويخضع أقدس مقدسات المسلمين (مكة والمدينة) لسلطانه الشيعي الرافضي، فيعيث فيهما فسادا، ويحولهما إلى قبلة لإحياء شركياته، والقضاء على معالم الإسلام، وآثاره فيهما، بدءا بتصفية حساباته، المؤجلة، مع صحابة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بمحو قبريهما من الروضة الشريفة، والعبث بقبر أمنا عائشة رضي الله عنها، وسائر صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، انتهاء بإحياء طقوس التشيع الشركية في قلب الحرم المكي، والمسجد النبوي، عن طريق إنشاء حُسينيات، وإحياء مهرجانات التوسل، والنحيب، والبكاء الحسيني.. وغيرها من معالم المشروع الرافضي الذي يخفيه نظام الملالي تقية، وإن كان حديثَ صالونات العمائم، البيض والسود، منذ كان الهالك الخميني يسطره بيمينه، ويلهب به حماس أتباعه. ولا يخفى على نبيهٍ تأثير هذا الاحتلال، المحتمل، لبلاد الحرمين من قبل هذا السرطان العقدي الخطير على سائر بلاد المسلمين، شرقا وغربا، للارتباط الروحي، والتعبدي، للمسلمين بهذه البلاد المباركة. فلن تكون إيران، عَرَّاب التشيع العالمي، بأفضل حال من إسرائيل، إذا وقع، وانتصرت على إسرائيل. فنصرها، الذي سيُخضع لها الخليج العربي وما جاوره، لن يكون لصالح المسلمين السنة البتة، ولن يكون لصالح الأقصى، ولن يكون لصالح المقاومة، إلا أن يذعن الجميع لهذا المشروع. فكلاهما وجهان لعملة واحدة، وإن كان نظام الملالي أخطر على الأمة الإسلامية، من الغرب والصهاينة مجتمعين. فتقية هذا النظام، وصدوره، ظاهريا، عن المنظومة الإسلامية، لهو الطَّامُّ الذي يجعل خطورته أشد على الأمة. فما يخفيه هذا النظام الشركي، الرافضي، ويؤسس له في الخفاء، سيُنسي المسلمين، يوم يكشف عنه، شيئا اسمه إسرائيل، أو أمريكا، وجرائمهما في حق المسلمين. لأجل هذا، اخترنا الموقف الثالث، موقف اللاءات الثلاث: لا لإسرائيل، لا لأمريكا، لا لإيران. وشعارنا الدعاء الخالد: "اللهم لاقي الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين !". دمتم على وطن.. !