العدالة الضريبية تؤجل إلى أجل غير مسمى    مونديال 2022: ألمانيا تتجر ع سم 2018 وبلجيكا تودع بخفي حنين    مغاربة أوروبا يحتفلون بانجاز الأسود التاريخي    توقعات أحوال الطقس ليوم الجمعة    خبيرة تكشف عن كيفية الوقاية من الأمراض الوراثية    تفاصيل جديد في قضية ياسين الشبلي الذي توفي داخل مخفر الشرطة ببنجرير.. النيابة العامة أبلغت عائلته بنتائج البحث عن طريق الشرطة القضائية    مجموعة قصصية جديدة تصدرللكاتب ع.الناصر مبشور بعنوان "الرجل الطيب…واشياء اخرى"    التساقطات المطرية تحيي الأمل في نفوس الفلاحين من جديد    جمعية سفراء الخير تحتفل باليوم العالمي للسيدا    كأس العالم 2022: برنامج مقابلات اليوم الجمعة 2 دجنبر 2022 (+الترتيب العام)    تنظيم النسخة الأولى من الطواف الدولي لجهة طنجة -تطوان- الحسيمة للدراجات    … وتبقى الأسود… أسودا .. هنيئا لنا شكرا لكم    اتفاقية تعاون بين المغرب وإسبانيا لتنفيذ مشروع دعم تعزيز المراكز التقنية الصناعية    رئيس الجهة يؤكد على الأهمية الاستراتيجية لقطاع اللوجستيك    تقریر الحالة العالمیة للدیمقراطیة 2022.. المغرب باقي نظام هجين ديمقراطيا والجزائر دولة مستبدة وتونس ديمقراطية متوسطة    نواقص تنزيل التنظيم الإداري والاستشفائي ل CHU بمراكش تصل البرلمان    المغرب: أبرز اهتمامات الصحف الوطنية الجمعة 2 دجنبر 2022    الاتحاد الدولي يفاجئ وليد الركراكي    لماذا ألغت الجزائر المناورات العسكرية مع روسيا؟    على عكس لي معروف.. دراسة كتأكد أن بطاطا كتساعد باش يطيح الوزن    دارت عملية معقدة في المصران.. ولد أنغام كشف على الحالة الصحية ديال مو    اتهمت محاميها بأنه شفر ليها خاتم ألماس.. ليلى غفران قدام المحكمة    واحد منها أرسل لسانشيز.. أظرفة مفخخة تزعزع أمن إسبانيا    العرابة ديال الأمير ويليام استاقلات من القصر وها السبب..    مونديال 2022.. وليد الركراكي، رهان المغرب الرابح    الأزمة خلعات فرنسا.. رئيس هيئة الطاقة علن أن الضو غادي يتقطع في لبلاد    بغا يعالج لعما.. أيلون ماسك كيجرب شريحة كتزرع في المخ    نتائج دراسة عن دواء جديد لألزهايمر تؤكد فاعليته وسط تحذيرات من بعض الآثار الجانبية    حكيم زياش يخلق الاستثناء في كأس العالم بتحطيمه أرقاماً قياسية.    منظمات حقوقية ألمانية: الحكومة لم تقم بما يكفي لمحاربة العنصرية    الملك يأمر بالزيادة في المكافأة الشهرية للأئمة    أمطار الخير تعود الى الناظور و توقف احتفالات الجماهير وسط استبشار المواطنين (فيديو)    الحكم بالسجن النافذ على ثلاثة رؤساء وزراء سابقين و7 وزراء جزائريين سابقين    صفعة جديدة وموجعة لميليشيات البوليساريو الانفصالية    الخطوط الملكية المغربية تطلق برنامجا جديدا لنقل المشجعين المغاربة لقطر    الأمثال العامية بتطوان... (290)    الرباط.. الداكي يجري مباحثات مع وفد قضائي من تركيا    تزويد الصناعيين بالكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة للتقليل من البصمة الكربونية    الكشف عن رسائل مفخخة استهدفت رئيس الوزراء وعددا من المنشآت في إسبانيا    تحويلات مغاربة الخارج تناهز 89 مليار درهم عند متم أكتوبر    هكذا هنأ النجوم العرب والمغاربة أسود الاطلس بعد تأهلم التاريخي لدور 16 من كأس العالم-صور    بلاغ لوكيل الملك يكشف الكواليس الكاملة للواقعة وفاة "يونس شبلي"    المغرب يسجل 179 إصابة جديدة ب"كورونا" دون وفيات    قدمها آيت الطالب.. مجلس الحكومة يتداول في خمسة مشاريع قوانين تهم المنظومة الصحية    المغرب يشارك في فعاليات معرض كتاب الشباب والطفل بمونتروي بفرنسا    في يومه العالمي.. وزارة الصحة: المغرب يسجل 23 ألف إصابة بداء السيدا العام الماضي    مقاييس الأمطار المسجلة بالمغرب خلال ال24 ساعة الماضية    مدينة مراكش تجمع مشاهير العالم احتفالا برأس السنة    بعضُ الماء مقدّس :بعضُ الماء مقدّس    بلاغ الداخلية بشأن المغاربة غير المسجلين في اللوائح الانتخابية    الأمم المتحدة تطلق نداء لجمع 51,5 مليار دولار لإعانة 230 مليون شخص بالعالم في 2023    هل أثرت الأزمة الاقتصادية في لبنان على القراءة واقتناء الكتب؟    خادشة للحياء وتتضمن إيحاءات جنسية… بلد عربي يسحب من السوق "الرواية المشؤومة"    "بستان السفارديم" لكاتب من أصول مغربية .. عرض إسرائيلي في مسرح محمد الخامس بالرباط    الأمثال العامية بتطوان... (289)    كيف عرضت الآيات القرآنية قصةَ الخلود الدنيوي لإبليس؟    فضل طلب الرزق الحلال    الأمثال العامية بتطوان... (288)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إصلاح أم ثورة ؟
نشر في لكم يوم 06 - 07 - 2011

نفس هذا السؤال، إصلاح أم ثورة؟، كان عنوانا وموضوعا لكتاب القائدة الثورية، والمفكرة الألمانية، «روزا لوكسمبورغ». وإن كان ردها على السؤال في اتجاه آخر غير ما أتوخاه الآن. إذ في زمنها، بلغ هذا السؤال الإشكالي الذروة، فكان سببا في الانشقاق التاريخي الكبير الذي مرت به الحركة الاشتراكية الديمقراطية العالمية، والذي استمر «شاقوليا» بين اتجاهين عريضين، أحدهما إصلاحي احتفظ بنفس الاسم القديم «الاشتراكي الديمقراطي». والثاني، ثوري منشق، حمل اسم الشهرة الجديد: «الأحزاب الشيوعية». وتوالى هذا الحال على زخمه وقوته إلى أن انهار جدار برلين وتهاوى ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي «الشيوعي».
في زمن لوكسمبورغ، كان السؤال«إصلاح الثورة» يحتمل جوابين لا أكثر. وكان كل منهما واضحا وصارما ومتماسك الخطاب من الوجهة النظرية على الأقل. وكانت الإشكالية المطروحة بفرعيها كالتالي: هل يمكن للنظام الرأسمالي أن يتطور من دواخله إلى نظام اشتراكي (كما زعم صاحب هذه المبادرة، برنشتين)؟ وهل يمكن الانتقال إلى سلطة البروليتاريا عبر الطريق البرلماني الديمقراطي السلمي (كما زعم الأب الروحي للاشتراكية الديمقراطية ولو متأخرا، كاوتسكي)؟.
في بلدنا، والذي لن أتردد رغم كبريائنا الوطني في وصفها ب «المتخلفة» كسواها من البلدان الأخرى «العالم ثالثية»، اتخذ نفس السؤال، وفي زمن متأخر، أوضاعا أخرى من حيث: هل يمكن لنظام تبعي و متخلف، تنوعت تشخيصاته السوسيو -اقتصادية بين: مجتمع مركب، ونظام شبه رأسمالي شبه إقطاعي، وآخر كمبرادوري بين «الأطراف والمركز» في نظام رأسمالي عالمي موحد... هل يمكنه أن يتحول هو الآخر ومن داخله إلى نظام «الديمقراطية الوطنية» وهو عين النظام الاشتراكي عند آخرين. وهل الطريق البرلماني يوصل إلى هذه الغاية في بلد اتسم فيه الحكم ولقرون بالاستبداد والطابع الأوتوقراطي المطلق (أو التقليدانية المخزنية في تعبيرات أخرى)؟.
لكن، بعد التحولات التي شهدها العالم على كافة المستويات في زمن هيمنة العولمة، وبعد السقوط المدوي للنموذج الاشتراكي الذي كان سائدا، بدا وكأن انفكاكا تاريخيا قد حصل بين مضموني الثورتين: الديمقراطية الليبرالية من جهة، والاشتراكية من جهة ثانية، إذ كل الثورات التي جاءت بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ومنها الثورات العربية اليوم، ذاهبة كلها في مسار تاريخي واحد، مضمونه، إنجاز مهمات الثورة الديمقراطية الليبرالية (البورجوازية في المنظور الماركسي)، وكأنها استكمال للثورة الفرنسية على المستوى العالمي. بينما توارت الثورة الاشتراكية إلى الخلف بمضمونها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الأمثل. ولا يلغي ذلك، الذهاب قدما، عبر التراكم الإصلاحي، وبتفاوتات مختلفة، إلى تحقيق ما يمكن تحقيقه من إصلاحات اجتماعية تحت سقف «العدالة الاجتماعية»، وبما يتيحه الاقتصاد الرأسمالي المعولم من هوامش للحراك الوطني المستقل. بل صارت الاشتراكية في حقيقة الأمر حصيلة لما ستتمخض عنه الصيرورة التاريخية الكونية من تقدم إنساني شامل. إنها جهاد الروح واجتهاد في الميدان متواصلان ودائمان نحو إنسانية فعلية وجذرية على الأرض.
في حوار لي مع أحد القادة الاشتراكيين التقدميين البارزين في أواخر الستينيات، وكان ذا توجه ماركسي غير أورتودكسي، سألته: ما الخلاصة السياسية التي تستخرجها من أطروحتك في أن الدولة المغربية ليست «انعكاسا» لعلاقات الانتاج، بل هي - في رأيك - الصانعة لهذه العلاقات و«المفبركة» للطبقة البورجوازية الهجينة السائدة؟ فكان رده: إن هذا الوضع المقلوب للدولة لدينا، على غير النموذج النظري الكلاسيكي، يعني فيما يعنيه، أن الطريق البرلماني في بلدنا، طريق مسدود ولا آفاق له .
ومرت السنوات بهزاتها القوية وتجاربها المريرة. و غادرنا هذا القائد البارز إلى دار البقاء في أولى خطوات التجريب الديمقراطي. وكان أن تغيرت الاستراتيجيات السياسية لديه ولدى الأجيال التي استمرت بعده. ثم اهتزت مسلمات ويقينيات الفكر الاشتراكي التقليدي. وساد في المرحلة الأخيرة النهج الإصلاحي التوافقي القائم على قدر من النضج الفكري الاشتراكي، والذي يصعب تناوله هنا بشيء من الدقة والتعيين... غير أنه من المؤكد لدي أن مساحات الضياع الايديولوجي واسعة ومنتشرة، وأن رواسب الموروث الفكري والسياسي استمرت حاضرة بقوة وبكل أثقالها لدى شرائح من أجيال وأجنحة اليسار، حتى وإن تغيرت شكلا لغة الخطاب ومفرداته. ولعل ما يسم هذه الاستمرارية في الخطاب الجديد، بعد الرجة القوية للخطاب الإيديولوجي الاشتراكي، أن مرجعيتها النظرية لم تعد بنفس القوة والتماسك، أو هي في معظم الحالات، يغلب عليها اللاشعور والعفوية النظرية والعملية. ولا عجب، فعندما يضمر الفكر، يتضخم اللاشعور وتتغلب العفوية على الاستراتيجية في كل أوجه الممارسة السياسية.
والحال، ففي حوار آخر مع رفيق قديم، فرقتنا السياسة بعد عشرة نضالية طويلة، لاحظت خلال دفاعه عن آفاق حركة 20 فبراير، وكان دفاعا لا يخلو من مظاهر «أمراض» «تقديس العفوية» التي تصيب في المعتاد الحركات النضالية بعد جمود مزمن وطويل عانت منه، أنه لم يستحضر إطلاقا التأثيرات المحتلمة للاستحقاقات السياسية الوطنية القادمة، وجميعها واردة في زمن قصير ومنظور، وخاصة إن لقي الدستور القادم آنذاك إقبالا شعبيا ومن أغلب القوى الفاعلة. وأدركت حينها، أن مخاطبي لا يتحدث بعقل رياضي إن صح التعبير، وإنما يتحدث ببواطن اللاشعور الذي تراكمت مكبوتاته خلال كل المراحل السابقة. ولقد جعلني هذا الطرح اللاشعوري العفوي استرجع شيئا من دروس الماضي الاديولوجي في قضيتين أساسيتين :
* في التجربة المغربية، لم يبلغ الفكر الجدلي (بما هو فكر) أبدا مداه النظري العميق. وكيف له ذالك، وقد نشأ وتربى في بيئة ثقافية تقليدية، أقصى ما أنتجته، استثمار اللفظ ولغة القياس، في مفارقة دائمة مع الصيرورة التاريخية الواقعية. وكيف له ذلك ثانيا، وقد استمد كل مخزون جدليته النظرية من ما أنتجته الاشتراكية البيروقراطية على هذا المستوى، وهي أيضا الوريثة والمعممة للجدل الستاليني الشهير القائم على «صراع الأضداد وتقاتلها»، في مفهوم دارويني مشوه (بتشديد الواو وفتحها) ومشوه (بتشديد الواو وكسرها) لفكرة الجدل، وللطريقة الجدلية. إنه مفهوم عادم لجدل الفكر، الفكر المحض، الفكر كفكر وحسب. والاستعاضة عنه بما سمي بقوانين الصراع الاجتماعي التي هي أيضا مجرد قوانين منسوخة عن قوانين الطبيعة الموضوعية، وحيث ما علينا إلا تطبيقها في الميدان، وسيكون النصر حليفنا بحكم الضرورة العلمية الحتمية.
* في هذا الجنوح الوضعاني المتطرف يسارا، وعلى عكس الجنوح الآخر المتطرف يمينا، غالبا ما يتم تذويب «الوضع الراهن» وموازين قواه في عمومية مفهوم «الحركة». إذ بما أن كل شيء يتغير ويتحرك، وبما أن موازين القوى متحركة. فالمستقبل هو الكل في الكل. أما الحاضر فلا قيمة له. بينما السياسة الثورية حقا، هي بالتعريف الاشتغال على التشخيص الملموس للواقع الملموس. شريطة أن نعطي لكلمة «الملموس» مفهومها المجرد الحق، المادياني والجدلي، لا السكوني المحافظ من جهة، ولا الهروبي والتهويمي من جهة ثانية. في هذا المنظور الأخير، يفقد الزمن قواميته المادية، ليغدو مجرد شعور نفسي متدفق، وتغدو معه كل اللحظات متشابهة و«فرص تاريخية» للقفزة النوعية، بلا حاجة لتراكمات مادية كافية. وحتى إن ضاعت تلك الفرص المفترضة، وما أكثرها في هذا المنظور المتشابه اللحظات على الدوام، فلا يستتبع ذلك مراجعة نقدية لتصويب الخط والرؤية، كما هو مفترض منطقيا، بل الإصرار على الترقب والانتظار إلى أن تأتي لحظة أخرى يكثر فيها مجرد القول بالتغيير من جديد. وهكذا دواليك ما طال الزمن في «حركة بدون بركة»، إنها في الخلاصة استراتيجية انتظارية من زاوية الفعل المادي الملموس، رغم كل مظاهرها الحركية المفرطة في الخطاب والقول. أمام عوارض اللاشعور والعفوية، ينبغي طرح الأسئلة الواقعية المستفزة التي يكبتها اللاشعور ويزج بها إلى مناطق الظل المسكوت عنها. ولعل السؤال المركزي من بين عديدها في هذه العجالة، السؤال التالي: في أي تعاط مع المؤسسة الملكية، في الدستور أو في السياسة عموما، لابد من طرح السؤال التالي: أي دور يمكن أن تقوم به المؤسسة الملكية في جدلية الصراع المجتمعي الجاري أمام أعيننا؟ وبعبارة أخرى، ليس بالتحاليل الدستورية المقارنة (وهي هنا خطاب القياس التقليدي من جديد) نستنتج الدور الممكن للمؤسسة الملكية، بل من موقعها في تحليل للواقع المجتمعي، المتفاوت والمتناقض، السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وشروط موازين قواه في هذه الشمولية، نستخرج الدور الممكن ونحدد الموقف الواجب اتخاذه مرحليا. فالدستور ليس هو صانع الواقع، بل الواقع هو صانع الدستور. وفي ظني، إن استطعنا أن نجيب على هذا السؤال المركزي، بأقرب ما يمكن للموضوعية التاريخانية، فستتضاءل بالنتيجة العديد من العوائق الابستمولوجية بين أن نكون إصلاحيين وبين أن نكون (في غاياتنا الكبرى) ثوريين في آن واحد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.